فقه السيرة النبوية الشيخ السيد بلال عبد الحي الحسني الندوي

الاحترام المتبادل أساس الحياة الاجتماعية
مايو 24, 2026
وقليل ما هم
مايو 24, 2026
الاحترام المتبادل أساس الحياة الاجتماعية
مايو 24, 2026
وقليل ما هم
مايو 24, 2026

الدعوة الإسلامية :

فقه السيرة النبوية

الشيخ السيد بلال عبد الحي الحسني الندوي

تعريب : الأخ نعمت الله قاسم الندوي

وفي جانب آخر ، كان صلى الله عليه وسلم واقفاً عند حدود الله ، ثابتاً على أحكامه ، شديد الالتزام بأوامره ونواهيه ، وكان لا يُجامل في الله أحداً ولو كان من أقرب الناس . عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر كان آخر عهده بإنسان من أهله فاطمة ، وأول من يدخل عليها إذا قدم فاطمة . فقدم من غزاة له ، وقد علقت مسحاً أو ستراً على بابها ، وحلَّت الحسن والحسين قلبين من فضة ، فقدم فلم يدخل . فظنت أن ما منعه أن يدخل ما رأى ، فهتكت الستر ، وفككت القلبين عن الصبيين وقطعته بينهما ، فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما يبكيان ، فأخذه منهما وقال : يا ثوبان ! اذهب بهذا إلى آل فلان – أهل بيت في المدينة – إن هؤلاء أهل بيتي أكره أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا . ( سنن أبي داود ، كتاب الترجل ، باب ما جاء في الانتفاخ بالعاج ، الحديث : 4213 ) .

وعانت فاطمة رضي الله تعالى عنها – مع أنها كانت حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفلذة كبده ، وقد عرفنا من الحديث السابق مدى حبه إياها – من التعب والعناء والمشقة كثيراً ، حتى كانت تقوم بنفسها بشؤون المنزل . فبلغها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتي بسبي ، فأرادت أن يعطيها النبي صلى الله عليه وسلم خادماً ، لكنه صلى الله عليه وسلم أحب أن تكون منقطعةً إلى الله ، مخلصةً له كل عملها ، غير متوجهة إلى ملذات الدنيا الفانية .

فقال صلى الله عليه وسلم : ” ألا أدلكما على خير مما سألتماه ؟ إذا أخذتما مضاجعكما فكبِّرا الله أربعاً وثلاثين ، واحمدا ثلاثاً وثلاثين ، وسبِّحا ثلاثاً وثلاثين ، فإن ذلك خير لكما مما سألتماه ” . ( صحيح البخاري ، كتاب فرض الخمس ، باب الدليل على أن الخمس لنوائب رسول الله والمساكين ، رقم الحديث : 2945 ) .

ومن أخلاقه الجميلة أنه : ” كان إذا صافح أو صافحه الرجل لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزع ” . ( السنن الكبرى للبيهقي ، ج 1 ، كتاب الشهادات ، باب بيان مكارم الأخلاق ومعاليها ، رقم الحديث : 20790 ) .

وكان يطّلع على أحوال الناس ، ويتكفّل بحوائجهم ، ويتخذ اللين في إنكار المنكر ، ولا ينتقم لنفسه ، ويُبدي غضبه وسخطه إذا كان الأمر يتعلق بالدين أو بمحارم الله وفرائضه . ولكنه يتكلم بأسلوب عام يفهم منه الحضور فيتعظ الجميع ، ويصلح المخطئ . فكان يقول : ” ما بال أقوام يفعلون كذا ” .

وسلوكه مع الأعرابي الذي بال في المسجد خير دليل على رفقه وشفقته على الإنسانية ، وشمول رحمته للجميع ، للقوي والضعيف ، والقريب والبعيد ، والكبير والصغير على حد سواء .

روي عن أنس بن مالك : أن أعرابياً بال في المسجد ، فقاموا إليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لا تُزرموه ” ، ثم دعا بدلو من ماء فصبَّه عليه . ( صحيح البخاري ، كتاب الأدب ، باب الرفق في الأمر كله ، الحديث : 6025 ) .

فأخلاقه مع أعدائه من كفار مكة ، وتحمله لما أصابه منهم من المشقة والأذى ، وصبره على مالحقه من السوء والشدة والعناء ، خير شاهد على معالي أخلاقه التي كانت حافلةً بالرحمة والرفق والمودة والإنسانية ، مما لا مثيل له في تاريخ البشرية ، كما يقول أحد الشعراء بالأردية :

” فمن أساء إليه بالسب أحسن إليه بالعطاء ، ومن آذاه بالجراح جازاه بعلاج جراحه ، ودعا للجميع بالسلامة والعافية ، وردَّ الجفاء بالوفاء ” .

فهو في الطائف يدعو أهلها إلى الله سبحانه وتعالى ، وقد أوذي وجُرح حتى سال من ساقيه المباركتين دمه الطاهر الزكي . وفي طريقه تلك أرسل الله تعالى إليه ملك الجبال يأمره بطاعته ، وأن يطبق على قومه أخشبي مكة – وهما جبلاها – إن أراد . فقال : ” لا ، بل أستأني بهم ، لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً ” . ( زاد المعاد ، فصل في ذكر الهجرتين الأولى والثانية ، ج 1 ، ص 38 ) .

ولم يزل بعد هجرته إلى المدينة المنورة يعاملهم معاملة الرحمة والرأفة ، وإن لم يألوا جهداً في إيذائه . وكان يصفح عنهم ، ويتغاضى عما يسيئون به إليه وإلى أصحابه بأساليب وحيل شتى .

فقد كُسرت رباعيته الشريفة في غزوة أُحد ، وسال الدم من فمه المبارك ، وكان يقول : ” اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ” . ( صحيح مسلم ، كتاب الجهاد ، باب غزوة أحد ، الحديث : 4747 ) .

وقد بلغ عفوه صلى الله عليه وسلم عنهم مبلغه ، وظهر بأكمل شأنه وأتم صورته ، حيث أعلن عفواً عاماً عن أعدائه الكفار . وهناك أحداث كثيرة في حياته تشهد برحمته الشاملة العامة . وقد شهد القرآن نفسه بذلك ، فقال : ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) [ القلم : 4 ] .

هذا في جهة ، وفي جهة أخرى ، نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم وجّه المؤمنين نحو طريق متزن للحياة ، فقال : ” لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين ” . ( سنن أبي داود ، كتاب الأدب ، باب في الحذر من الناس ، رقم الحديث : 4862 ) .

فصفة العفو عن الناس صفة عظيمة ، تعكس الأخلاق النبوية الإيمانية الشريفة . وإلى جانب ذلك ، فقد أُمر المسلم أن يكون على يقظة وحذر ، حتى لا يكون لقمةً سائغةً يبتلعه من يشاء . فإن المؤمن يعيش حياته ببصيرة كاملة نافذة ، ينفع الناس ، ولا ينخدع بهم ، ولا يجرؤ أحد على أن يمسه بضرر أو أذى .

مصادر فهم السيرة النبوية :

إن الكتب التي أُلفت حول السيرة النبوية هي مرجع كبير لفهم سيرة النبي وأحوال حياته . ولكن لا ينبغي للدارس الاقتصار عليها ، بل يجب النظر في القرآن والاستفادة منه مباشرةً ، والتأمل فيه كمرجع أساسي أصيل للسيرة النبوية ، فكما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها : ” كان خُلقه القرآن ” . فالقرآن يبين صفاته المتنوعة حيث يقول : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً . وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً )              [ الأحزاب : 45 – 46 ] .

ويقول في موضع آخر : ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ . فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) [ التوبة : 128 – 129 ] .

ويبين شمول رحمته وعمومها ، قائلاً : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) [ الأنبياء : 107 ] .

ويوضح معالي أخلاقه فيقول : ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) [ القلم : 4 ] . ويقول : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) [ آل عمران : 159 ] .

ويقول : ( كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ) [ البقرة : 151 ] .

فالحقيقة أن القرآن يبين أخلاقه العظيمة الرائعة  ، ويوضح جوانب حياته المختلفة مراراً وتكراراً . فلذلك لا بد لفهمها كلها أولاً من دراسة القرآن الكريم .

ثم نجد أحوال حياته مبثوثةً في كتب الأحاديث ، ربما نعثر خلالها على نكت ودقائق قلما نجدها في كتب السيرة العامة . فينبغي أن نطالع كتب الأحاديث تحقيقاً لهذه الغاية أيضاً ، بما فيها من حقائق عظيمة ومعان جسيمة .

هناك أمثلة كثيرة في كتب الأحاديث . فمن خلال الأحاديث نعرف تفاصيل سلوكه مع المسلمين وغير المسلمين ، وتعامله مع قريبه وبعيده ، وطريقة دعوته إلى الله تعالى .

والواقع أيضاً أن الحديث الشريف يؤدي دوراً أبرز وأهم في تكوين المجتمع الإسلامي المطلوب .

( وللحديث بقية )