العقائد الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة ( الحلقة الثانية )
مايو 24, 2026الاستقامة في الدين : مقتضياتها ونواقضها
مايو 24, 2026الدعوة الإسلامية :
توحيد الألوهية وما له من دلالات
( الحلقة الثانية )
بقلم : الشيخ السيد بلال عبد الحي الحسني الندوي
تعريب : محمد قيصر حسين الندوي
الذبج والتضحية :
هذا العمل خاص بالله ، ولو قدمت الأضحية ابتغاء لغير الله والتقرب إليه لكان هذا العمل من الشرك ، قال الله سبحانه وتعالى : ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) [ الأنعام : 162 ] .
فكل ما يترك من حيوان لغير الله أو ذبح بغير اسمه فيكون ذلك نجساً ، كما يقول جل وعلا في كتابه الحكيم : ( أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ) [ الأنعام : 145 ] . لقد عمت مثل هذه الأعمال الشركية بين كثير من الناس ، وهم يتركون الحيوانات على اسم ولي ، ثم يُعظّمونها ، فيقول أحد : هذا غنم الشيخ سدو ، وهذه بقرة أحمد كبير ، هذا حيوان فلان ، إن ترْك الحيوانات على اسم ولي أو نبي أو أحد من خلق الله شرك ، والذبح لغير الله يكون نجساً ، ويلزم على صاحبه الشرك .
يقول مجدد الألف الثاني الشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي : قد اعتاد كثير من الناس الجهلاء على أنهم ينذرون لأولياء الله والصالحين الحيوان ، ويذهبون به إلى قبورهم فيذبحون هناك .
ونقل عن الفقهاء أن هذا العمل يأتي ضمن الشرك . وجاء في صحيح مسلم أن علياً رضي الله عنه أخرج كتاباً له فإذا به : ” لعن الله من ذبح لغير الله ” [1] .
تعظيم الأمكنة :
قد خص الله بعض الأماكن بتعظيمه ، مثل الكعبة الشريفة ، وعرفات والمزدلفة ومنى والصفا والمروة والحرمين الشريفين ، وألقى في قلوب الناس الشوق والاشتياق إليهما ، فيتوجه الناس من كل فج عميق ، ويطوفون بالكعبة ، فيشعرون بغاية من الطمأنينة والراحة والسكينة ، ومنهم من يتمسك بعتبة باب الكعبة ، ويأخذ كسوة الكعبة يدعو الله ، ويذكر الله طول الليل والنهار ، ويقوم بهذه الأعمال كلها لله رب العالمين ، مثل هذه الأعمال تخص بصفات الله ، فلا تجوز لغيره مثل الذهاب إلى قبر شخص طلباً لرضاه ، والسفر إليه من المكان البعيد للتبرك والزيارة ، والوفاء بالنذور ، والطواف حول القبر أو المكان واعتقاد قدسيته ، ولا يكون هنا عضد الأشجار وعدم الصيد فيه ، ولا تقطع الأشجار ، ولا تقتلع الأعشاب ، إن مثل هذه الأعمال تعد من الشرك .
أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الناس في آخر الزمان سيعبدون هذه الأشياء كما جاء في سنن الترمذي : ” لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى يعبدوا الأوثان ” [2] . والمراد بعبادة الأوثان تخصيص كل ما خص بالله من الأعمال والأفعال والعبادات لغيره ، وهذا نوع من الشرك في العبادة .
الاستغاثة والاستعانة :
إن الاستغاثة والإعانة من صفات الله تعالى ، كما جاء في الحديث النبوي : ” لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله عز وجل ” . وأعلن القرآن الكريم صراحةً فيقول : ( وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) [ يونس : 107 ] .
هذا أيضاً شرك في العبادة بأن يدّعي الإنسان عن نفسه وهو عبد غير الله ، وقد يرى كثير من الناس قائلين : ” نحن عباد محمد ، والله رب العالمين ” ، هذه جملة شركية واضحة . الناس كلهم عباد الله ، والله رب الجميع ، هذا ما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم طول حياته فقال : ” إنما أنا عبد الله ورسوله فقولوا عبد الله ورسوله ” [3] .
هكذا لا تجوز تسمية الأولاد بعبد النبي ، عبد الرسول ، بير بخش ، حسين بخش ، سالار بخش وما إلى ذلك من الأسماء ، لأنه تنبعث منها رائحة الشرك ، لأن المغفرة هي عمل الله فقط ، فإشراك فرد في هذا العمل من أي نوع كان ، مضاد للتوحيد .
الطاعة المطلقة :
لقد أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم الأحكام الإلهية ، فلا بد من اتباعها والسير عليها ، وطاعته صلى الله عليه وسلم من أجزاء الإيمان ، هذا هو أصل الدين أن تكون حياتنا وفقاً لحكم الله وما أمرنا به من الأعمال والأفعال والعبادات ، وما عرفنا حكم الله إلا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فالنجاة موقوفة باتباعه . فتقديم كلام النبي صلى الله عليه وسلم على غيره أياً كان ، ولياً كان أو صالحاً ، إماماً كان أو مجتهداً كلهم من عباد الله ، وأتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إن الله فرض الصلوات الخمس فليس لأحد أن يدّعي مغفرة للصلوات ، فالعمل بقوله واتباعه شرك ، ما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل أخبر أن الأركان الخمسة من عمود الدين ، وقال : ” من أقامها أقام الدين ومن هدمها هدم الدين ” ، ومن ترك أوامر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم واتبع قول غيرهما معتقداً سقوط الصلاة أو عدم ضرورة أحكام الشريعة أو ترك قول النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ قول الشيخ في السنة فهذا من أعمال الشرك ، كما فعل بذلك اليهود والنصارى ، وشهد بذلك القرآن الكريم قائلاً : ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) [ التوبة : 31 ] .
إن العلماء والأئمة يفسّرون القرآن والحديث تفسيراً كاملاً شاملاً ، لا يصدرون أي حكم من عندهم ، فيُطاع قولهم ، في الحقيقة هذا النوع من الاتباع ليس من اتباعهم ، بل هذا من اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
والذين يفرضون شيئاً من عند أنفسهم ويعتقدون العمل به من الضروري فهم يرتكبون الشرك ، فالتفاؤل بالنجوم والقسم لغير الله ، والنذر لغير الله ، وذبح الحيوانات باسم غير الله ، وشق آذانها وأنوفها ، وتشويه خلقتها ، وتركها باسم أحد ، واعتقاد أن ركوبها إهانة ، وكذلك تخصيص أطعمة أو أزمنة ، أو باسم غير الله كل ذلك من الشرك الواضح .
إن الشريعة واحدة ، وقد ورثتها الأمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن اتباعها من عقائد الإسلام الأساسية ، ولو ظن فرد أن التغيير في شريعة الله جائز فهو يشرك بالله وحده ، لأن الله تعالى قد أعلن في القرآن الكريم : ( اليومَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ علَيْكُم نِعْمَتي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا ) [ المائدة : 3 ] .
[1] صحيح مسلم ، رقم الحديث : 1978 .
[2] سنن الترمذي : 2219
[3] صحيح البخاري : 3445

