حقوق الحيوان المعنوية في السنة النبوية
مايو 24, 2026فقه السيرة النبوية الشيخ السيد بلال عبد الحي الحسني الندوي
مايو 24, 2026الدعوة الإسلامية :
الاحترام المتبادل أساس الحياة الاجتماعية
أ . د عبد المجيد أ أي *
الحياة الإنسانية لا تستقيم إلا على أركان متينة ، تحفظ للإنسان كرامته ، وتشيع بين الناس روح الألفة والمودّة . ومن أعظم هذه الأركان : الاحترام المتبادل ، فهو قوام العلاقات ، وجسر التواصل بين الأفراد والجماعات ، ومفتاح التقدير والهيبة . إنّ الإنسان بفطرته يحب أن يُحترم ويُقدَّر ، فإذا فَقَدَ الاحترام في بيئةٍ ما ؛ نفر منها ، وأعرض عنها ، سواء كانت بيتاً أو صداقةً أو عملاً .
والاحترام ليس مجرّد سلوكٍ اجتماعي أو عادةٍ مكتسبة ، بل هو قيمة إنسانية وأخلاقية أصيلة ، نادت بها الشرائع السماوية ، وأكد عليها الإسلام بأوضح بيان ، إذ قال الله تعالى : ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ) [1] .
فالكرامة التي منحها الله للإنسان أساسها الاحترام ، ومن ضيّع هذه الكرامة أو اعتدى عليها فقد خالف سنّة الله في خلقه .
احترام النفس :
إن أول طريق لنيل احترام الآخرين هو أن يحترم المرء نفسه ، فيصونها عن الدنايا ، ويبتعد عن مواطن الشبهة ، ويحافظ على سمعته . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ” [2] .
ومما يدخل في حفظ النفس وصيانتها : ترك ما يسيئ إلى الهيبة ، واجتناب ما يعرّض الإنسان للاستخفاف أو الاحتقار . فإذا لم يحترم الإنسان ذاته ، فلن ينال التقدير من غيره .
الثقة بالنفس والإيجابية :
الثقة بالنفس لا تعني الغرور ، بل هي الاطمئنان إلى ما وهب الله تعالى من قدرات ، والسعي في استثمارها . وهذه الثقة تولّد التقدير من الآخرين ، وتجعلهم ينظرون إلى صاحبها نظرة احترام . قال تعالى : ( فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) [3] .
فالإنسان الإيجابي الواثق بالله ، والمقبل على الحياة بعزمٍ وإصرار ، يحظى بالاحترام أينما وُجد .
الاحترام والمسؤولية :
لا ينال الإنسان مكانةً محترمةً إلا إذا أدّى مسؤولياته بإتقان ، فالاحترام ثمرة المسؤولية . فالعامل الذي يؤدي عمله بإخلاص يُحترم ، والمعلم الذي يربي طلابه يُقدَّر ، والوالد الذي يرعى أبناءه يُجلّ . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته ” [4] .
وهذا الحديث الشريف يربط بين المسؤولية والاحترام ربطاً وثيقاً ، إذ من تخلّى عن مسؤوليته ضاع احترامه بين الناس .
احترام الوالدين :
من أعظم صور الاحترام ما يكون للوالدين ، فقد قرن الله طاعتهما بعبادته ، فقال تعالى : ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) [5] .
فمن لم يحترم والديه لم يحترم نفسه ، ولا يستحق تقدير الآخرين . ومن البرّ بهما : توقيرهما ، وخفض جناح الذلّ لهما رحمة ، والدعاء لهما بالخير .
احترام الكلمة والحديث مع الآخرين :
الكلمة ميزان ، واللسان مرآة القلب ، فإذا لم يحترم المرء كلامه مع الآخرين فقد سقط احترامه بينهم . قال صلى الله عليه وسلم : ” المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ” [6] .
فمن ضبط لسانه واحترم حديثه نال احترام الناس ، وأمِن شرّ الألسنة ، وكان قدوةً حسنةً .
احترام الضعفاء والمرضى :
من قيم الإسلام العظمى : رعاية الضعفاء والمرضى ، والنظر إليهم بعين الرحمة والشفقة ، لا بعين الاستعلاء أو السخرية . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” هل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم ” ( رواه البخاري ) .
فالاحترام هنا ليس فضلاً يُمنح ، بل هو حق واجب ، وميزان يُقاس به إيمان الأمة .
احترام أصحاب الهمم :
لقد أولى الإسلام أصحاب الهمم العالية – من ذوي الإعاقة أو القدرات الخاصة – منزلةً رفيعةً ، فذكر قصصهم ، وأثبت مكانتهم . ومن أعظم الشواهد نزول صدر سورة ” عبس ” في شأن الصحابي الجليل عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه ، الذي كان ضريراً ، ومع ذلك جعله النبي صلى الله عليه وسلم مؤذناً له . فالاحترام لهم واجب ، والتقدير لجهودهم لازم .
احترام العمال وأهل الكدّ :
العمل قيمة ، واليد العاملة يد مباركة . وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعطاء العامل حقه كاملاً ، فقال : ” أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه ” [7] .
فالاحترام هنا ليس مجرد كلمة شكر ، بل هو عدل وإنصاف وحقوق تحفظ كرامة الإنسان العامل .
احترام أتباع الديانات الأخرى :
القرآن الكريم أمر بالعدل مع المخالفين في الدين ، ما داموا مسالمين ، فقال تعالى : ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) [8] .
فاحترام الآخرين على اختلاف أديانهم وثقافاتهم هو من شيم الإسلام ، وهو ما يشيع روح التعايش والسلم في المجتمعات .
الاحترام المتبادل في بناء المجتمع :
المجتمع الذي يُبنى على الاحترام مجتمع متماسك ، تسوده العدالة ، وتقل فيه المشاحنات . أما المجتمع الذي يغيب فيه الاحترام ؛ فسرعان ما يتصدع ، وتنهار فيه العلاقات ، وتسود فيه الفوضى .
الخاتمة :
إن الاحترام المتبادل ليس مظهراً سطحياً أو سلوكاً شكلياً ، بل هو جوهر الحياة الاجتماعية ، وأصل الاستقرار النفسي والروحي . فمن احترم نفسه ، وأدّى مسؤوليته ، وأكرم والديه ، وضبط لسانه ، ورعى الضعفاء ، وقدّر العمال ، وتسامح مع أصحاب الديانات الأخرى ؛ نال احترام الدنيا ، ورضا الله في الآخرة .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” ليس منا من لم يوقر كبيرنا ، ويرحم صغيرنا ، ويعرف لعالمنا حقه ” [9] .
فليكن الاحترام شعارنا في البيوت ، وفي المدارس ، وفي أماكن العمل ، وفي المجتمع كله ، حتى نصنع حياةً تليق بكرامة الإنسان ، التي كرّمها الله تعال
* عميد كلية الأنصار العربية ، ولاونور – كيرالا – الهند .
[1] الإسراء : 70 .
[2] رواه الترمذي .
[3] آل عمران : 159 .
[4] متفق عليه .
[5] الإسراء : 23 .
[6] متفق عليه .
[7] رواه ابن ماجه .
[8] الممتحنة : 8 .
[9] رواه أحمد .

