فقه السيرة النبوية الشيخ السيد بلال عبد الحي الحسني الندوي
مايو 24, 2026فقه السيرة النبوية الشيخ السيد بلال عبد الحي الحسني الندوي
مايو 24, 2026الدعوة الإسلامية :
وقليل ما هم
الدكتور أشرف شعبان أبو أحمد *
أعداد أبناء كل ملة :
لو علمنا أن عدد سكان العالم في منتصف عامنا الحالي بلغ ما يزيد عن ثمانية مليار نسمة ، يشكل المسلمون منهم ما يقرب من مليارين اثنين أي ما يقرب من الربع ، أما الثلاثة أرباع الآخرين فمنهم المسيحيون الذين يقرب عددهم من اثنين ونصف مليار تقريباً ، واليهود أربعة عشر مليوناً ، ومنهم الملحدون الذين لا يؤمنون بوجود إله ولا بأي دين ، وعددهم يزيد عن مليار نسمة ، والباقي عدة ديانات أرضية تزيد عن عشر ديانات ما أنزل الله بها من سلطان ، على رأسهم الهندوسية ، ويبلغ عدد معتنقيها ما يزيد قليلاً عن مليار نسمة ، والبوذية وعدد معتنقيها حوالي نصف مليار . وتختلف أعداد أهل كل ملة ودين من مجتمع لآخر ، فقد يكونون أغلبيةً في مجتمع ، وأقليةً أو ليس لهم وجود في آخر ، لتأكدنا من صدق الآيات القرآنية التي أخبرتنا منذ ما يقرب من قرن ونصف قرن ، بقلة عدد المؤمنين على مر العصور .
ففي عصرنا هذا ، تكاد تكون مجتمعات بكاملها لا يؤمن مواطنوها بالله ولا بالرسالات السماوية ولا بالأنبياء ، وأخرى تتعبد بأديان من عند أنفسهم ، وثالثة يؤمن مواطنوها بوجود إله وبرسول ، ولا يؤمنون بغيره من الرسل ، ويؤمنون بشريعة عفا عليها الزمن وجاء بخير منها ، ورابعة حرفت ما أنزل إليها من ربها وما جاء به رسولهم صلى الله عليه وسلم ، فضلا عن وجود الوثنيين والمشركين في بعض المجتمعات . قال تعالى : ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ ) [ آل عمران : 85 ] أي من لا يدخل في الإسلام فلا يقبل منه أي دين آخر . فضلاً عن انقسام أهل كل ملة إلى فرق تختلف فيما بينها في كثير أو قليل من الأمور التي تمس عقيدتهم ، قال النبي عليه الصلاة والسلام : ” افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة ، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة ، قيل : من هي يا رسول الله ؟ قال : من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي ” ، وفي بعض الروايات : هي الجماعة . رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم ، وقال : صحيح على شرط مسلم . وممن يحسبون على الإسلام من لا يرتضي أن يكون الإسلام ديناً ودولةً ، شعيرةً وشريعةً ، عبادةً ومعاملات ، عقيدةً ومنهجاً يسير بالحياة الدنيا للفوز بها وبالآخرة ، قد يؤدون الصلاة والزكاة والصيام والحج والعمرة ويكفون أنفسهم عن الجهاد والحكم والاقتصاد والمعاملات المالية الإسلامية ونظام القضاء والأحوال الشخصية ونظام الأسرة في الإسلام ، وهذا الجمع يتراءى لكل ذي بصر وبصيرة ، ولكن لا يمكن حصره أو إحصاؤه ، ولا يقال عنهم كثرة أو قلة ، ولكنهم يمثلون عائقأً أمام تطبيق الإسلام كدين ودنيا كما يجب ، قال تعالى في سورة النور الآية 47 : ( وَيِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ) أي يقولون بألسنتهم آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ، ثم لا يقومون بما قالوا ، ويتولى فريق منهم عن الطاعة ، وهذا حال كثير من يدعي الإيمان والطاعة لله ، ولا يقوم بكثير من العبادات خاصة تلك التي تشق على كثير من النفوس ، كالزكاة والنفقات الواجبة والمستحبة والجهاد في سبيل الله ونحو ذلك .
قلة عدد المؤمنين في مختلف العصور :
وأما عن الذين من قبلنا ، فقد قال تعالى : ( أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوۤاْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ) [ إبراهيم : 9 ] ، ألم يأتكم خبر الأمم السابقة ، التي لا يحصي عددهم إلا الله ، جاءتهم رسلهم بالبراهين والمعجزات ، وقالوا لرسلهم : إنا كفرنا بما أرسلتم به ، لا نصدق بما جئتمونا به ، وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه . وقال تعالى في سورة فصلت الآيات 13 – 14 : ( فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ . إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا َلأَنزَلَ مَلاَئِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ) ، وقال تعالى : ( أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِى ٱلأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ . ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ) [ غافر : 21 – 22 ] ، كما جاءت الآيات تصف أكثرية الأولين بالضلال ، قال تعالى : ( وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ ) [ الصافات : 71 ] ولقد ضل عن الحق قبل قومك أيها الرسول أكثر الأمم السابقة ، فليس قومك أول من ضل من الأمم ، وقال تعالى : ( وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً ) [ يسين : 62 ] ، فلقد أضل الشيطان منكم خلقاً كثيراً .
وفي توصيف لحال كل قوم من السابقين مع أنبيائهم ، ختمت الآيات التي سردت قصصهم ، بقوله تعالى : ( وَمَا كَانَ أَكثَرَهُم مُؤمِنِينَ ) كما جاءت في سورة الشعراء ، ففي قصة سيدنا نوح كما بينتها الآيات من الآية 105 حتى الآية 122 قال تعالى : ( وَمَا كَانَ أَكثَرَهُم مُؤمِنِينَ ) [ الشعراء : 121 ] ، كما تكرر نفس المعنى في الآية 40 من سورة هود قال سبحانه وتعالى : ( وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ) فما آمن مع سيدنا نوح إلا قليل ، وكانت امرأته وابنه ممن لم يؤمنوا ، قال تعالى : ( ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَةَ نُوحٍ وَٱمْرَأَةَ لُوطٍ ) [ التحريم : 10 ] ، وقال عز وجل في سورة هود الآية 42 ( وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ يٰبُنَىَّ ٱرْكَبْ مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ ) . وفي قصة سيدنا هود كما بينتها الآيات من الآية 123 حتى الآية 140 قال تعالى : ( وَمَا كَانَ أَكثَرَهُم مُؤمِنِينَ ) [ الشعراء : 139 ] ، وقال تعالى في سورة هود الآية 53 : ( قَالُواْ يا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ) ، وفي نفس السورة الآية 60 قال عز وجل : ( أَلاۤ إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ ) . وفي قصة سيدنا صالح كما بينتها الآيات من الآية 141 حتى الآية 159 قال تعالى : ( وَمَا كَانَ أَكثَرَهُم مُؤمِنِينَ ) [ الشعراء : 158 ] وعندما قال أتباع سيدنا صالح : ( إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ) [ الأعراف : 75 ] رد عليهم المستكبرون من قوم ثمود : ( إِنَّا بِٱلَّذِيۤ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ) [ الأعراف : 76 ] ، وقال عز جل في سورة هود الآية 68 : ( أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ ) . وفي قصة سيدنا إبراهيم كما بينتها الآيات من الآية 69 حتى الآية 104من سورة الشعراء ، قال تعالى : ( وَمَا كَانَ أَكثَرَهُم مُؤمِنِينَ ) [ الشعراء : 103 ] . وفي قصة سيدنا لوط كما بينتها الآيات من الآية 161 حتى الآية 175 قال تعالى : ( وَمَا كَانَ أَكثَرَهُم مُؤمِنِينَ ) [ الشعراء : 174 ] كما أكدت الآية 36 من سورة الذاريات نفس المعنى ، قال تعالى : ( فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ) فما وجدنا في تلك القرية غير بيت من المسلمين ، وهو بيت لوط عليه السلام . وفي قصة سيدنا شعيب كما بينتها الآيات من الآية 176 حتى الآية 191 قال تعالى : ( وَمَا كَانَ أَكثَرَهُم مُؤمِنِينَ ) [ الشعراء : 190 ] . وعن سيدنا داود جاءت الآية 24 من سورة ص قال تعالى : ( قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ) . وفي قصة سيدنا موسى كما بينت الآيات من الآية 10 حتى الآية 68 قال تعالى : ( وَمَا كَانَ أَكثَرَهُم مُؤمِنِينَ ) [ الشعراء : 67 ] ، كما أكدت الآية 83 من سورة يونس نفس المعنى ( فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ ) فما آمن لموسى عليه السلام مع ما أتاهم به من الحجج القاطعات والبراهين الساطعات والأدلة إلا ذرية من قومه من بني إسرائيل ، والمراد بالذرية هنا العدد القليل . وقال تعالى في سورة يونس 78 عن قول فرعون وملائه لموسى وهارون ( قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ) . وفي وصف حال المترفين وهم أولي النعمة والحشمة والثروة والرياسة ، قال تعالى : ( وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ) [ سبأ : 34 ] .
قلة عدد أهل الكتاب :
وفي سياق الحديث عن اليهود ، قال تعالى : ( مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِى ٱلدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلـٰكِنْ لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ) [ النساء : 46 ] وقال تعالى : ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مَّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ) [ النساء : 155 ] ، وقال تعالى في سورة البقرة الآية 88 : ( فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ ) وفي نفس السورة الآية 100 قال تعالى : ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ) . قال ابن كثير في تفسيره : قد اختلفوا في معنى قوله ( فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ ) وقوله ( فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ) فقال بعضهم : فقليل من يؤمن منهم . وقيل : فقليل إيمانهم ، بمعنى أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى عليه السلام ، وكفروا بما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم . وفي تفسير القرطبي ، قال الواقدي : معناه لا يؤمنون قليلاً ولا كثيراً كما تقول : ما أقل ما يفعل كذا أي لا يفعله البتة . وقال الكسائي : تقول العرب : مررنا بأرض قل ما تنبت الكرات والبصل أي لا تنبت شيئاً . وقال تعالى في سورة النساء الآية 156 : ( وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً ) وقال تعالى : ( وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ) [ البقرة : 89 ] .
وعن أهل الكتاب قال تعالى : ( وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ ) [ آل عمران : 110 ] ، ولو آمن أهل الكتاب من اليهود والنصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وما جاءهم به من عند الله ، لكان خيراً لهم ، منهم المؤمنون المصدقون برسالة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وهم قليل ، وأكثرهم الفاسقون الخارجون عن دين الله وطاعته . وقال عز وجل : ( وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً ) [ المائدة : 68 ] وليزيدن كثيراً من أهل الكتاب الذي أنزل إليك من ربك طغياناً إلى طغيانهم وكفراً إلى كفرهم ، وقال عز وجل : ( يا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ) [ آل عمران : 70 ] وتكررت نفس الكلمات في نفس السورة الآية 98 أي لم تجحدون حجج الله التي دلت على أن دين الله هو الإسلام ، وتنكرون ما في كتبكم من دلائل وبراهين على ذلك . وقال تعالى في سورة الأنعام الآية 20 ( ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ) جاء في التفسير الميسر : الذين آتيناهم التوراة والإنجيل يعرفون محمداً صلى الله عليه وسلم كمعرفتهم أبناءهم ، ولكنهم اتبعوا أهواءهم فخسروا أنفسهم حين كفروا بمحمد عليه الصلاة والصلاة وبما جاء به . وقال تعالى : ( لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ) [ المائدة : 17 ] وتكررت نفس الكلمات في الآية 72 من نفس السورة ، يخبر تعالى عن كفر النصارى القائلون بأن الله هو المسيح عيسى بن مريم لنسبتهم الألوهية لغير الله ، كما قال تعالى : ( لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ) [ المائدة : 73 ] وسيظلون على كفرهم ماداموا على قولهم . وقال تعالى في سورة التوبة الآية 30 : ( وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ) .
قلة عدد المؤمنين في أمة محمد :
كما جاءت الآيات القرآنية مخاطبةً سيدنا محمداً عليه الصلاة والسلام ، قال تعالى : ( فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ ) [ هود : 17 ] فلا تكن في شك إن ما أنزل إليك الحق من ربك ، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ، وقال تعالى : ( وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ) [ يوسف : 103 ] جاء في التفسير الميسر : وما أكثر الناس بمؤمنين ، ولو بذلت أيها الرسول ! كل جهد ليؤمنوا . وقال سبحانه وتعالى : ( الۤمۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ ) [ الرعد : 1 ] وقال تعالى في سورة المؤمنون الآية 38 : ( إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ) جاء في التفسير الوسيط : ما هذا النبي الذي أمركم بترك عبادة آلهتكم ، وأخبركم بأن هناك بعثاً وحساباً ، إلا رجل اختلق على الله الكذب ، فيما يقوله ويدعو إليه ، وما نحن له بمؤمنين في يوم من الأيام ، فكونوا مثلنا أيها الناس في عدم الإيمان به وفي الانصراف عنه ، وهكذا يصور لنا القرآن الكريم موقف الطغاة من دعوة الحق ، وكيف أنهم لا يكتفون بالانصراف عنها وحدهم ، بل يؤلبون غيرهم بكل وسيلة على الانقياد لهم ومحاربة من جاء بهذه الدعوة بمختلف السبل وشتى الطرق . وقال تعالى في سورة سبأ الآية 31 : ( وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَلاَ بِٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ ) وقال الذين كفروا من أهل مكة لن نصدق بهذا القرآن ولا بالذي تقدمه من التوراة والإنجيل والزبور فقد كذبوا بجميع كتب الله ، وهذا حال ملحدين كل عصر وزمان . وقال تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ . إِنَّ فِى ذٰلِكَ َلآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ ) [ الشعراء : 7 – 8 ] التفسير الوسيط : إن في ذلك الذي ذكرناه عن إنباتنا لكل زوج كريم في الأرض ، لآية عظيمة الدلالة على كمال قدرتنا وسعة رحمتنا ، وما أكثر هؤلاء الكافرين مؤمنين ، وقال عز وجل : ( إِنَّ ٱلسَّاعَةَ َلآتِيَـةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ ) [ غافر : 59 ] الساعة أي القيامة لآتية ، لكن أكثر الناس لا يؤمنون . وقال تعالى : ( وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ ) [ الروم : 8 ] إن كثيراً من الناس لفي انشغال تام بدنياهم عن آخرتهم ، ولا يؤمنون بما في الآخرة من حساب وثواب وعقاب ، ومن يكفر بأي من الثوابت في العقيدة كالبعث والحساب أو غيرهما كمن كفرها بأكملها ، وقال تعالى : ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً ) [ الإسراء : 89 ] وقال تعالى : ( يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَافِرُونَ ) [ النحل : 83 ] .
دور إبليس في إغواء ذرية آدم :
وقد تربص إبليس لذرية آدم من قبل نشأتهم ، كما حكى عنه سبحانه وتعالى في سورة الإسراء الآية 62 ( أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً ) وفي سورة ص الآيات 82 – 83 ( قَالَ فَبِعِزَّتِكَ َلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ ) وفي سورة الأعراف الآية 17 ( ثُمَّ لَـأَتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ) وقال تعالى ( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ) [ سبأ : 20 ] ولقد ظن إبليس ، ظناً غير يقين ، أنه سيضل بني آدم ، وأنهم سيطيعونه في معصية الله ، فصدق ظنه عليهم ، فأطاعوه وعصوا ربهم ، إلا فريقاً من المؤمنين بالله ، ثبتوا على طاعة الله ، في تفسير القرطبي : صدق إبليس ظنه على الناس كلهم إلا من أطاع الله ، مما سبق يتبين ، قليل ما هم المؤمنون في كل عصر وأوان ، إلا أن يشاء الله رب العالمين .
* جمهورية مصر العربية .

