الصور البلاغية في صفوة التفاسير للشيخ محمد علي الصابوني ( الحلقة الأولى )

السيدة أمة الله تسنيم : حياتها وآثارها ( الحلقة الثانية الأخيرة )
مايو 24, 2026
إنجازات ندوة العلماء في قواعد اللغة العربية ( الحلقة الأولى )
مايو 24, 2026
السيدة أمة الله تسنيم : حياتها وآثارها ( الحلقة الثانية الأخيرة )
مايو 24, 2026
إنجازات ندوة العلماء في قواعد اللغة العربية ( الحلقة الأولى )
مايو 24, 2026

دراسات وأبحاث :

الصور البلاغية في صفوة التفاسير للشيخ محمد علي الصابوني

( الحلقة الأولى )

الباحث محمد إنعام الحسن البخاري *

الدكتور علي إبراهيم الجمالي §

تُعدّ البلاغة من أسمى العلوم العربية التي نشأت وترعرعت في ظلال الدراسات القرآنية ، وذلك لبيان وجوه الإعجاز البياني في القرآن الكريم . إنها المفتاح الذي يُسهم في الكشف عن دقائق المعاني واللطائف البيانية خلف كل كلمة أو آية ، مما يُعدّ ركيزة أساسيةً في بناء الفهم المراد من كلام الله تعالى . فقد كان اهتمام المفسرين بالجانب البلاغي دائماً بالغاً ، إذ أدركوا الصلة الوثيقة بين علم التفسير وعلوم البلاغة .

كانت البلاغة تُدرج ضمن التفسير وتختلط بالتحليلات اللغوية والأقوال التفسيرية تقليدياً ، إلا أن بعض المتأخرين ، ومنهم الشيخ محمد علي الصابوني في تفسيره ” صفوة التفاسير ” ، سلكوا منهجاً موضوعياً ، فأفردوا البلاغة بعنصر مستقلّ أثناء تفسير الآيات . هذا المنهج المتميّز للصابوني في تناوله للجانب البلاغي ، جاعلاً له حيزاً ثابتاً وواضحاً في تفسير كل مقاطع الآيات من أوله لآخره ، هو ما يجعل ” صفوة التفاسير ” مادةً ثريةً للدراسة المتعمقة في ” الصور البلاغية ” القرآنية .

يسعى هذا البحث إلى الإجابة عن إشكال رئيسي : ما هي الصور البلاغية التي تبناها الصابوني في كتابه ” صفوة التفاسير ” وكيف عرضها ؟ ويتفرّع عن هذا التساؤلات حول أهميّة الصابوني وكتابه ، ومعالم منهجه ، ومصادره التي اعتمد عليها .

نبذة عن صفوة التفاسير :

كانت حياة الشيخ الصابوني مليئةً بالتراث العلمي والديني . لقد ألف الشيخ العديد من الكتب في مجالات العلوم الشرعية والعربية ، وحظيت كتبه بقبول وانتشار واسع ، وتُرجم العديد منها إلى لغات مختلفة . من مؤلفاته البارزة في التفسير كتاب ” صفوة التفسير ” .

يُعدّ ” صفوة التفاسير ” من الكتب التي كتب الله لها القبول والانتشار الواسع ، فقد طُبع مرات عديدةً وتلقته الأمة بالقبول ، وأصبح مرجعاً مهماً في الدراسات القرآنية واللغوية والبلاغية . قيمته العلمية تكمن في جمعه لعيون ما في التفاسير الكبيرة المعروفة كـ ” الطبري ”        و ” الكشاف ” و ” ابن كثير ” و ” البحر المحيط ” و ” روح المعاني ” ، بأسلوب ميسر وسهل التناول ، مع عناية خاصة بالوجوه البيانية واللغوية ، مما يجعله شاملاً وجامعاً بين المأثور والمعقول [1] .

يُعتبر هذا التفسير إضافةً قيّمةً للمكتبة الإسلامية . تكمن أهميته في كونه تفسيراً جامعاً يلبي حاجات العصر ، ويجمع بين الأصالة والتجديد . فهو ليس مجرد محاولة تفسيرية حديثة ، بل هو نموذج متكامل يقدم للقارئ فهماً شاملاً لمعاني القرآن الكريم بأسلوب واضح وميسر .

يتميز هذا التفسير بكونه مناسباً للمتلقي العام ، فهو لا يقتصر على المتخصصين في العلوم الشرعية ، بل يخاطب عموم المسلمين . يجد فيه القارئ غير المتخصص مرجعاً موثوقاً لفهم النص القرآني . كما يتسم بالاختصار الذي لا يخل بالمضمون ، مما يجعله مناسباً لمن لا يملكون الوقت الكافي للتعمق في المطولات التفسيرية .

خصائص ومميزات ” صفوة التفاسير ” :

يتمتع ” صفوة التفاسير ” بعدة خصائص بارزة ، وأهمها :

(1) وضوح المنهج وسهولة الأسلوب : حرص الصابوني على تبسيط المعاني وتجنب التعقيد ، مما جعله سهل الفهم لمختلف المستويات التعليمية .

(2) الالتزام بالمناهج التفسيرية المعتمدة : يعتمد الكتاب على أصول التفسير الصحيحة والمصادر المعتبرة ، مع تمحيص الأقوال واختيار الأرجح منها .

(3) الجمع بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي : يوازن الكتاب بين التفسير القائم على أقوال السلف ، والتفسير المبني على الاجتهاد المنضبط .

(4) شمولية التفسير : يتناول مختلف جوانب الآيات القرآنية ، بما في ذلك الجوانب اللغوية ، والبلاغية ، والفقهية ، والعقائدية ، مع الإشارة للأحكام الشرعية .

(5) الاختصار المفيد : على الرغم من شموليته ، يتميز الكتاب بإيجازه وتركيزه ، مما يجعله عملاً فعالاً .

منهجية الشيخ الصابوني في صفوة التفاسير :

اعتمد الشيخ الصابوني منهجية واضحة ومنظمة في تفسيره ، يمكن تلخيصها في النقاط التي ذكرها في مقدمة كتابه :

(1) بين يدي السورة : مقدمة موجزة لكل سورة توضح مقاصدها الأساسية وأهدافها الرئيسية .

(2) المناسبة بين الآيات : بيان الترابط والاتساق بين الآيات .

(3) اللغة والاشتقاق : شرح المفردات اللغوية الصعبة ، وبيان اشتقاقاتها ، والاستشهاد بالشواهد العربية . مثال : عند تفسير كلمة        ” سَفِهَ ” في قوله تعالى : ( وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ) [ البقرة : 130 ] ، يوضح أنها تعني ” استخف بها ” أو ” أصلها الخفة ” .

(4) أسباب النزول : ذكر الظروف والأحداث التي نزلت فيها الآيات .

ملاحظة : أحياناً ينقل الصابوني روايات ضعيفةً في أسباب النزول ، مبرراً ذلك بأنها للترغيب لا للأحكام ، أو أن التحقق من صحة الحديث هو من عمل المحدثين لا المفسرين .

(5) التفسير : الشرح التفصيلي لمعاني الآيات بأسلوب ميسر .

(6) البلاغة : إبراز الجوانب البلاغية والجمالية في النصوص القرآنية .

(7) الفوائد واللطائف : استخلاص الدروس والعبر والإشارات التربوية من الآيات .

(8) تسمية السور وفضائلها .

يهتم الصابوني بذكر سبب تسمية كل سورة ، وأحياناً يورد أسماءها المتعددة ( التوقيفية والاجتهادية ) . كما يذكر في بداية كل سورة بعض فضائلها . وقد واجه انتقاداً لإيراده بعض الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة في هذا الجانب ، مبرراً ذلك بأنها تندرج تحت باب الترغيب لا الأحكام .

منهج التقسيم والتفسير الإجمالي :

يُعد منهج تقسيم السور إلى مقاطع مترابطة سمةً بارزةً في تفسير الصابوني ، مما يسهل فهم النص القرآني . يعتمد هذا النهج على إبراز المحاور الأساسية لكل سورة ، وتقسيمها وفقاً لمواضيعها الداخلية . يتماشى هذا مع التفسير الموضوعي ، الذي يهدف إلى دراسة النصوص القرآنية ذات العلاقة من حيث المحتوى .

يتبنى الصابوني أسلوباً تحليلياً معتدلاً ضمن إطاره الإجمالي . فهو يقسم السورة إلى آيات ، ثم يجزئ الآيات إلى جمل وتراكيب ، ويفسّر كل جملة على حدة بناءً على دلالة اللفظ . هذا يضمن تقديم المعاني الظاهرة للآية دون إغراق في التفاصيل العميقة .

جوانب إضافية في منهج الصابوني :

تُبرز دراسة ” صفوة التفاسير ” جوانب أخرى تعكس عمق منهج الشيخ الصابوني :

  • العناية باللغة والنحو : يؤكد الصابوني على أن فهم القرآن يتطلب إلماماً واسعاً باللغة العربية ، وهي ركيزة أساسية للمفسر . وقد خصص فصلاً كاملاً للغة ، تناول فيه المفردات الغريبة ، والصيغ ، والاشتقاقات ، والإعراب ، مستشهداً بأئمة اللغة والنحو .
  • الفوائد واللطائف البلاغية : يتخلل التفسير لمسات تربوية وفنية وفكرية واجتماعية ، تحت عنوان ” الفوائد واللطائف ” . تشمل هذه الجوانب بلاغة القرآن في اختيار الألفاظ ، ودلالات بعض التعبيرات القرآنية ، وقواعد قرآنية عامة ، بالإضافة إلى لفتات إيمانية وعبر من القصص الواقعية .
  • الاعتدال في الاستطراد : على الرغم من منهجه الإجمالي ، لا يتردد الصابوني في الاستطراد عند الحاجة لتوضيح معنى غامض ، مع الحفاظ على الاختصار وعدم الإغراق في التفاصيل التي قد تثقل على القارئ غير المتخصص .

* باحث الدكتوراه ، قسم اللغة العربية للماجستير والبحوث ، كلية جمال محمد ، التابعة لجامعة بهاراتيداسان ، تروشي ، الهند . Email: buhariqasimi@gmail.com

  • الأستاذ المساعد والمشرف ، قسم اللغة العربية للماجستير والبحوث ، كلية جمال محمد ، التابعة لجامعة بهاراتيداسان ، تروشي ، الهند . Email: aliibrahimjamali@gmail.com

[1] الصابوني ، محمد علي ، صفوة التفاسير ، ( دار الصابوني ، بيروت ، ط 5 ، 1420هـ/1999م ) ، ج 1 ، ص 15 – 16 ، في سياق حديثه عن منهج التفسير .