مقاصد الأخلاق ومناهجها في التشريع الإسلامي
مايو 24, 2026فبما كسبت أيدينا
أغسطس 26, 2026الدعوة الإسلامية :
توحيد الأسماء والصفات
بقلم : الشيخ السيد بلال عبد الحي الحسني الندوي
كما يجب علينا أن نعتقد بأن الله ربنا ، وهومختص بجميع أعمال العبادة ، وذلك ما نسميه بتوحيد الألوهية وتوحيد الربوبية ، كذلك يجب علينا أن نعتقده وحيداً فريداً في أسمائه وصفاته ، قال الله تعالى : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) [ الشورى : 11 ] ، ليس كمثله شيئ ، لا في ذاته ولا في صفاته ، وإن علمه وقدرته وتصرفاته ، وجميع صفاته غير محدودة مثل ذاته ، فكل ما يوجد في الكون غير ذات الله وصفاته مخلوق ، وجعل الله له حدوداً ، كذلك صفاته محدودة أيضاً ، وإن الله جعل للمخلوقات صفات وفق طبائعها ، والإنسان أشرف المخلوقات ، فالصفات التي توجد فيه لا توجد في غيره من المخلوقات ، ثم جعل الله بين إنسان وإنسان فرقاً كبيراً حسب فهمه وإدراكه ، فنظراً إلى هذا تتعدد الصفات أيضاً وتتنوع ، فكما يكون للعالم فهم وإدراك ، كذلك يكون للجاهل دراية وبصيرة ، لكن ينحصر كل ذلك على ما أودع الله فيهما من المواهب والقدرات .
علم الغيب :
إن ما أكرم به الله الإنسان من الحواس الخمس يستنبط منها نتائج كثيرةً ، إذا تذوق شيئاً حكم بطعمه ، وإذا رأى شيئاً أدرك لونه ، وإذا شم شيئاً عرف حقيقته ، وإذا سمع صوتاً استخرج بسماعه نتائج ، وإذا لمس شيئاً شعر بنعومة شيئ وشدته ورقته وخشونته ، لكن الشيئ الذي يكون خارج حواسه لا يمكنه أن يقول عنه شيئاً ، ولا يصل إلى حقيقته ، فالأمر الذي لا يحيط الإنسان بذهنه يقال له الغيب ، ولا يستطيع الإنسان أن يعرف الغيب ، ويصل إلى سره ، اللهم إلا أن الله تعالى يُطلع أنبياءه على كثير من أمور الغيب ، فيعلمون ما يلقي الله في قلوبهم أو يوحي إليهم ، ولا يمكنهم أن يقولوا شيئاً من عند أنفسهم .
إن الله قد أخبر خاتم النبيين وسيد المرسلين سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم بكثير من أمور الغيب ، فكل ما أخبر به الله نبيه صلى الله عليه وسلم عرفه النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما ما عدا ذلك من أمور الغيب فكان لديه غيباً كذلك ، ولم يكن عنده علم به ، وردت في كثير من الآيات والأحاديث تفاصيل ذلك ، قال الله تعالى : ( قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى ٱلسَّمَاواتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) [ النمل : 65 ] ، وقال في موضع آخر : ( إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) [ لقمان : 34 ] ، وقال : ( وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ ) [ الأنعام : 59 ] أي جميع أمور الغيب عند الله تعالى ، فيوم القيامة الذي إتيانه أمر قطعي ، لا يعلمه نبي ولا ملك ، ولا ولي ، ولا شيخ كبير ولا مرب رفيع المستوى ، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن موعد القيامة فقال : إنما علمه عند الله ، وقد ذكر القرآن الكريم تفاصيل ذلك قائلاً : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّى لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِى عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) [ الأعراف : 187 ] ، وهناك أمور غيبية أمثال الفتح والهزيمة ، والصحة والمرض ، والموت والحياة ، والغناء والفقر ، وغير ذلك لا يعلمها إلا الله ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قد انتابته حالة عجيبة في غزوة بدر ، ولا يدري ماذا يكون غداً ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله باكياً ومتضرعاً إليه ، فأخبره الله تعالى بأن لا يحزن ، سينصره الله بالملائكة ويكرمه بالفتح المبين ، وقد طُعن في عرض السيدة عائشة رضي الله عنها ، فواجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قلقاً إلى أيام ، وظل يفتش في الأمر ، لكن لم ينكشف له الحق ، ثم نزلت آيات النور التي جاءت فيها براءة السيدة عائشة رضي الله عنها ، فزالت هموم النبي صلى الله عليه وسلم عنه .
لا بد أن يكون في عقيدتنا أن مفاتيح الغيب توجد عند الله فقط ، فإنه إذا أراد أن يُطلع أحداً على غيبه أطلعه عليه حسب مشيئته ، فإذا ادعى أحد بأنه يحمل علماً يستطيع أن يتعرف به على الغيب ، ويمكنه في المستقبل أن يطلع كذلك على الغيب ، فهو كذاب ، وإذا اعتقد عن نبي أو ولي مثل ذلك وقع في حبالة الشرك ، لأن هذا من صفات الله تعالى ، لا يشاركه أحد ، وقد أمر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقول بلسانه : ( قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوۤءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) [ الأعراف : 188 ] ، فهذا القول الذي خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم هو سيد الأنبياء والمرسلين ، وكل من وجد مجداً أو شرفاً في العالم وجده من النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً ، فكيف أنصر الآخرين ، ولا أعلم الغيب ، ولو علمت لأنجزت عملي ، وعرفت مآلي في كل شيئ ، فإذا كانت عاقبته محمودةً أكملت ، وإذا كانت بالعكس تركت ، وهذا ليس في اختيار أحد ، يفعل ما يشاء ، يعلم ما يشاء ، ويهدي من يشاء ، هذا من قدرة الله تعالى ، وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى في آية من القرآن الكريم : ( إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ) [ القصص : 56 ] ، وننقل في السطور الآتية عدداً من الأحاديث التي تبين أن علم الغيب عند الله فقط ، عن الربيع بنت مسعود بن عفراء قالت : جاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل حين بني علي ، فجلس على فراشي كمجلسك مني ، فجعلت جوريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل آبائي يوم بدر ، إذ قالت إحداهن : وفينا نبي يعلم ما في غد ، فقال : دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين [ صحيح البخاري : 5147 ] ، وهناك حديث آخر روي عن عائشة رضي الله عنها قالت : من حدثك أنه يعلم الغيب فقد كذب ، وهو يقول : لا يعلم الغيب إلا الله ( صحيح البخاري : 7380 ) .
الاختيار والقدرة :
من صفات الله تعالى الاختيار والقدرة ، إذا أراد شيئاً فعله ، ولا يملك أحد دونه خياراً ولا قدرةً ، فمن يملك قدرةً لإتمام عمل فهو من الله تعالى ، وهو محدود ، وقد أعلن الله عنه بصراحة : ( أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ ) [ الأعراف : 54 ] ، أي ليس معناه أنه خلق ثم استراح ، وأسند أمره إلى الآخرين ، وليس مثله مثل الملوك الذين يخصصون لأعمالهم وزراء ، ويفوضون إليهم خياراً ، كما كان يزعم مشركو مكة عن بعض آلهتهم ، فكانوا يعتقدون أن الله تعالى منحهم خياراً كاملاً ، فبعض يملك إنزال المطر ، وبعض يهب الولد ، وبعض يعطي الرزق ، فينادون بهؤلاء الآلهة ويلتجؤون إليهم ، لكنهم كانوا يعتبرون الله أكبر آلهتهم ، وقد سموا مشركين أيضاً ، وقد بُعث النبي صلى الله عليه وسلم ليخرجهم من ظلمات الشرك ، وينشئ فيهم هذه العقيدة أن كل شيئ بيد الله تعالى ، قال الله تعالى عن مشركي مكة في سورة المؤمنون : ( قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ . سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ ) [ المؤمنون : 88 – 89 ] .
كان مشركو مكة يعتقدون كلياً أن كل شيئ بيد الله تعالى ، لكنهم يزعمون أن الله عز وجل قد أسند هذا الخيار إلى الآخرين أيضاً ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لإزالة هذه العقيدة الشركية ، وأخبرهم أن كل شيئ بيد الله وقدرته ، وأنه لم يمنح أحداً خياراً لأن ليفعل ما يشاء ، وآخر مثال له هو الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم ، الذي هو سيد المرسلين وخاتم المرسلين ، ومحبوب رب العالمين ، لكن الله يقول مخاطباً إياه : ( إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ) [ القصص : 56 ] ، فاتضح منه أنه لا يملك أحد قوةً ولا تصرفاً عند الله ، وأنطق الله بلسان نبيه صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم : ( قُلْ إِنِّى لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً . قُلْ إِنِّى لَن يُجِيرَنِى مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً ) [ الجن : 21 – 22 ] .
( للحديث صلة )

