العقائد الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة

بعث الحكمة الإسلامية
مايو 24, 2026
الوراثة بين السنن الكونية والتكليف الشرعي الإسلامي
مايو 24, 2026
بعث الحكمة الإسلامية
مايو 24, 2026
الوراثة بين السنن الكونية والتكليف الشرعي الإسلامي
مايو 24, 2026

الدعوة الإسلامية :

العقائد الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة

بقلم الشيخ السيد بلال عبد الحي الحسني الندوي

تعريب : محمد قيصر حسين الندوي

الإيمان هو اليقين الكامل والاعتقاد الجازم ، فبأي شيئ يجب الإيمان ؟ ذكر الله ذلك في سورة البقرة ، قال الله عز وجل : ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) [ البقرة : 285 ] .

وقال في موضع آخر من هذه السورة : ( لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ ) [ البقرة : 177 ] ، وفي سورة النساء أيضاً تعليم لهذه العقائد نفسها : ( يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِيۤ أَنَزلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً ) [ النساء : 136 ] ، وحينما سأل جبرئيل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ( صحيح مسلم ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ) ، وهذا الترتيب والتفصيل قد ذكر أيضاً في الإيمان المفصل ، وسلسلة الإيمانيات هذه يقال لها العقائد ، إن العقائد لها أهمية أساسية في الإسلام ، وإذا لم تصح هذه العقائد فأعمال الإنسان الكثيرة لا قيمة لها ولا يبقى الإنسان مسلماً .

وأهم شيئ في العقائد الأساسية عقيدة التوحيد ، أما العقائد الأخرى فإنها تنبثق منها ، ويسهل للإنسان إصلاح العقائد الباقية بإصلاح عقيدة التوحيد .

الإيمان بالله :

الإيمان بالله هو اليقين الكامل والاعتقاد الجازم به . كما أخبر به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والقرآن المجيد هو كتاب الله الأخير الكامل الذي ذكرت فيه صفات الله عز وجل ، فإذا تناول القرآن صفات الله ذكرها بكل وضوح وصراحة . وآيات سورة الحشر الأخيرة أوضح مثال له ، يقول الله عز وجل : ( هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ . هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلاَمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ . هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِئُ ٱلْمُصَوِّرُ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ) [ 22 – 24 ] .

وإذا كانت هناك مناسبة التنزيه لصفات الله ذكرها القرآن ذكراً حيث يتضح المراد : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ) [ الشورى : 11 ] .

فالله فريد في ذاته ، وصفاته ، هذه هي عقيدة التوحيد التي تحمل في طيها اعتباراً أساسياً في باب الإيمانيات والعقائد ، نذكر في الصفحات الآتية تفاصيل هذه الأمور .

عقيدة التوحيد :

هو الإيمان بالله وحده ، له علاقة بذات الله وصفاته ، وكل ذرة من ذرات الكون تنادي وتصرخ أن خالق جميع الأشياء خالق وحيد فريد ، وسائر نظم الكون بيده ، و هو متصرف فيه كيف يشاء ، وله الأسماء الحسنى ، فلا بد أن يُدعى بتلك الأسماء ، ولا نعبد إلا إياه ، ولا نخضع رأسه إلا أمامه ، وتختص به سائر أعمال العبادة ، ولا يقضي الحاجات إلا هو ، ولا يكشف الكربات إلا هو .

خلق الله الدنيا وعمر فيها الإنسان وهو سيدنا آدم عليه السلام ، هو أول إنسان أهبطه الله مع زوجته حواء من السماء إلى الأرض ، وقال لهما : أنت وأولادك ما داموا يعبدون إلهاً واحداً ، ويمشون على الطريقة التي أخبر عنها الله عز وجل ينالون النجاح والفوز ، وإذا تنحوا عنها وجعلوا يعبدون غير الله فيكون مأواهم جهنم .

إن الشيطان الذي هو عدو أبدي أزلي للإنسان ، استأذن من الله تعالى في أول يوم وقال : أنا أضل الإنسان ، وأبذل كل جهد ممكن في إغوائه وذهابه إلى الباطل ، فقال الله عز وجل : اذهب واختر لإضلاله وإغوائه كل ما تملك من وسائل وتدابير لكن لا أثر لتدابيرك على عبادنا المخلصين ، منذ ذلك اليوم كان أكبر جهد للشيطان أن يلقي الإنسان في الشرك ، وينهاه عن عبادة الله وحده ، فأكبر ضلال للإنسان أن ينسى حق خالقه ويرتكب الكفر والشرك ، ويكون للأبد وقوداً لجهنم ، ومن أعظم فضل الله على الإنسان أنه أرسل رسله لهداية الناس إلى الصراط المستقيم ودعوتهم إلى عبادة الإله الواحد في كل زمان ، كانت دعوة كل رسول : ( مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ) [ الأعراف : 59 ] .

فآخر الرسل وأفضلهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله إلى الدنيا كلها إلى يوم القيامة ، حينما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مشركو مكة يؤمنون بإله واحد ، لكنهم يشركون معه مآت من الآلهة ، وكانوا يعتقدون اعتقادات باطلةً نحو ألوهيتهم ، وينذرون النذور والقرابين ، وقد نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل نوع من الشرك ، واعتبره أكبر ذنب ، وقد جاء في القرآن الكريم : ( إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ) [ النساء : 116 ] .

كان الهدف الأساسي الأصيل لبعثة النبي صلى الله عليه وسلم الدعوة إلى التوحيد ، وإزالة المفاهيم الخاطئة نحو توحيد الله تعالى ، فلم يتحمل النبي صلى الله عليه وسلم أدنى تفاهم مع الشرك ، وكان يقول مشركو مكة : إذا تركت سب آلهتنا زالت عداوتنا كلها ، وأطعنا جميع أوامرك ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتوقف في هذا الأمر للمحة واحدة ، بل ظل يبين حقيقة التوحيد طول حياته ، ويوضح الفرق بين الله والعبد .

ولما شعر النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه بأن الأمة ستعتقده إلهاً مثل ما فعل النصارى مع عيسى بن مريم عليه السلام انطلق لسانه المبارك قبل وفاته بهذه الكلمات : لعن الله اليهود والنصارى ، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ( صحيح البخاري : 1330 ) .

وليعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كيف كشف معاني التوحيد واضحاً ، قبل أن نتحدث عنه علينا أن نعرف عقائد مشركي مكة ، ونعرف حقيقة شركهم التي قام النبي صلى الله عليه وسلم بإصلاحها ثم نذكر بإذن الله حقيقة التوحيد في ضوء الكتاب والسنة .

عقائد مشركي مكة وتوحيد الربوبية :

إن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت أبديةً وعالميةً ، إلا أن المخاطبين الأولين له كانوا أهل مكة ، حينما عرض النبي صلى الله عليه وسلم عليهم دعوة التوحيد ، قالوا بكل صراحة : نحن نعتقد الله محور العبادة ، إلا أننا نعبد الآلهة الأخرى ، ليقربونا إلى الله زلفى ، وقد ذكره القرآن المجيد بقوله : ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ) [ الزمر : 3 ] .

اتضح من هذا أنهم كانوا يعتقدون الله إلهاً حقيقياً ، ويؤمنون بربوبيته ، لكنهم يشركون من دون الله في عبادته ، ونطلع على تاريخ هذه الفكرة من حديث صحيح : حدثنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا هشام عن ابن جريج ، وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما : صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد ، أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل ، وأما سواع فكانت لهذيل ، وأما يغوث فكانت لمراد ، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ ، وأما يعوق فكانت لهمذان ، وأما نسر فكانت لحمير ، لآل ذي الكلاع ، أسماء رجال صالحين من قوم نوح ، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا ، فلم تعبد ، حتى إذا هلك أولئك ، وتنسخ العلم عُبدت ( صحيح البخاري ، كتاب التفسير : 4920 ) .

هذا هو تاريخ عبادة الأصنام والأوثان ، لكنهم مع ذلك يؤقنون بأن الله عز وجل هو خالق السماوات والأرض ، وأصل الاختيار والتصرف بيده ، ذكرت هذه العقيدة في القرآن الكريم ، قال الله تعالى : ( قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ . سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ . قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ . سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ . قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) [ المؤمنون : 84 – 88 ] .

وكانت نتيجة ذلك أنهم إذا أحيطوا بمصايب شديدة دعوا الله مخلصين له الدين ، وإذا زالت عنهم المصايب بدأوا يعبدون الأصنام والأوثان ، وردت في القرآن الكريم تعاملات المشركين ، قال الله تعالى :    ( حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ ) [ يونس : 22 ] .

يتضح من هذه الآيات أن مشركي مكة كانوا يؤمنون بالله ، وكان إيمانهم بتوحيد الربوبية إلى حد كبير ، لكنهم يعبدون الآلهة الأخرى مع الله ، ويقدمون النذور والقرابين ، ويعتبرون ذلك وسيلةً للتقرب إلى الله ، فسموا مشركين ، هذا الشيئ يعرف في الاصطلاح بالشرك في الألوهية أو الشرك في العبادة ، فلا بد في هذا الباب أن يكون التوحيد في الألوهية مع التوحيد في الربوبية والتوحيد في الصفات الإلهية ، وسنذكر فيما بعد تفاصيل توحيد الألوهية وتوحيد الصفات .

( للحديث صلة )