عند الصباح يحمد القوم السُرى
مايو 24, 2026شجرة وارفة الظلال مترامية الأطراف
مايو 24, 2026الافتتاحية : بسم الله الرحمن الرحيم
العدو يعيش في داخل نفوسنا
لعل من عادات الناس اليوم أنهم يبحثون عن العدو خارج نطاقهم الذي يعيشون فيه ، ويخونهم التوفيق إلى التفتيش عن العدو الخطير الجاثم فوق رؤوسهم أو داخل نفوسهم ، فإن الشيطان الذي هو عدو مبين ، كما أكد ذلك كتاب الله تعالى في قوله : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السَّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) إنما هو غير مرئي ، لأنه ليس في الواقع المشهود المحسوس ، بل إنه يبلغ من الدقة والرقة إلى غايته ، فهو يجري في الدم الإنساني ويزين للناس أعمالهم من كل سوء ومنكر ومعصية ، ويبتليهم بالكفر والشرك ونقض قوانين الآداب الإنسانية ، فلما امتثلوا أمره وتلوثوا في المعاصي والمنكرات تبرأ منهم ، وهو يقول : إني بريئ منك ، إني أخاف الله رب العالمين ، اقرؤا ما جاء في سورة الحشر من كتاب الله تعالى : ( كَمَثَلِ الْشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ : إِنِّي بَرِينُ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم : ” إن الشيطان يجري من بني آدم مجرى الدم ” ( البخاري : 2035 ) .
هكذا دأب إبليس مع بني آدم ، حثهم على المعاصي وأغراهم بالمال والجاه ، ثم حاد بهم عن الطريق ، وخذلهم عندما وثقوا بإغراءته المعسولة واعتمدوا عليه فيما وعدهم به ، مما أثار فيهم رد فعل عنيف ضد الاهتداء إلى الصراط المستقيم ، والأخذ بذيل الصبر واليقين ، ولا يبالون بما إذا تحولوا إلى شيئ يشبه شر الدواب ، وأصبحوا يأكلون كما تأكل الأنعام ، ويمرحون كما يمرح شياطين الإنس والجن ، ويتصيدون عباد الله المؤمنين في الماء العكر ، شأن الكفار والمشركين الذين ضيقوا عليهم الأرض واستهدفوهم بكل سهم من سهام الدجل والكذب والفرعنة ، مع ضرب كل القيم الإنسانية عرض الحائط ، حتى كان مردهم أسفل سافلين ، وانطبق عليهم قول الله عز وجل : ( لَهُمْ قُلُوْبُ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا . أَوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ) .
وقد صدق على هذا النوع من بني آدم الذي وجد في كل فترة من التاريخ ما قاله الشيخ جلال الدين الرومي في القرن السابع الهجري عن الإنسان الذي هبط في الحضيض : إنهم أشباه الرجال لا الرجال ، الذين هم فريسة نفوسهم وقتلى شهواتهم ، لا يعرفون من الإنسانية إلا ما يفوق فيه الحيوان من الشبع والري والشبق ، إن هؤلاء ليسوا رجالاً ، وإنما هم صور الرجال ، هؤلاء الذين يحكم عليهم الخبز وقتلت الشهوات فيهم الإنسانية .
هناك فارق كبير بين الإنسان والإنسان ، فمن الناس من يربي عدوه المقيم في نفسه ، ويغذيه بغذاء دسم ويسمِّنه ، من غير شعور بأن عدوه مستقر في داخل كيانه ، ومن ثم يستولي على جميع أعصابه فلا يصدر منه من عمل ونشاط إلا بوحي من ذلك العدو ، ومنهم من يعرف أن الشيطان له جولة وصولة في ممارساته ، وهو الذي يمهد الطريق نحو الغفلة عن الواجبات الأساسية ، والتجاوز عن الخط الذي رسمه الإسلام وتعاليمه لأتباعه ، وذلك ما يتمثل اليوم من انحرافات وخيانات في أداء المسئولية ، وعدم اكتراث بكرامة المسلم ، وإهدار حقوقه وانتهاك حرمته ، ودفعه إلى السوءات والمنكرات والجرائم من كل نوع ، فيكون طريقه أقرب إلى الأهواء والشهوات والخضوع أمامها من طريقه إلى العقيدة والإيمان والطاعة والنصح والخير ، فلا يسلم الناس من أذاه الخطير ومن شره المستطير لساناً وأعمالاً ، كما قد أشار إلى ذلك رسولنا العظيم المصطفى فقال : ” المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ” ( صحيح البخاري ، رقم الحديث : 10 ) ، وجاء فيما رواه أبو داؤد عن عمار بن ياسر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” من كان ذا وجهين في الدنيا كان له لسانان يوم القيامة من نار ، فمر رجل كان ضخماً ، قال هذا منهم ، وعن عائشة رضي الله عنها : استأذن رجل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ائذنوا له ، بئس أخــو العشيرة ، فلما دخل ألان له الكلام ، فقلت : يا رسول الله ! قلت الذي قلت ثم ألنت له الكلام ، قال : أي عائشة : إن شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه ” ، وفي حديث آخر أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى علامة المنافق الذى يقول بلسانه ما ليس بقلبه ، قال : ” آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان ، وزاد آيةً رابعةً فقال : وإذا خاصم فجر ” .
إن قليلاً من استعراض حياة المسلمين ومجتمعاتهم يكشف لنا بوجه عام مدى ما يعيشه المسلم من الفواحش والمنكرات ومن الأحقاد والضغائن ، ومن الحسد والنفاق في مجتمعه ومحيط عمله ووظيفته نحو الآخرين ، وليس ذلك مختصاً بالجماهير العامة ورجال الشوارع ، بل إن هذا الداء العضال يختمر كذلك قلوب الخاصة وأصحاب العلم والورع وأعضاء الجماعات التي تزعم أنها في سبيل الله والدعوة والتوجيه ، وقد تمخض من أصل هذا الداء أنواع وألوان من الأمراض الخلقية ، وحسبنا ما يعاني منه المسلمون اليوم من خلافات وعداوات وحزازات وتفرقة وتشت شمل ، حتى إن وحدة الإيمان والأخوة مفقودة ، حتى في جماعة واحدة تجتمع على مبدء الدعوة إلى الله ، وخدمة دين الله والإفادة منه في جميع مناحي الحياة الفردية والجماعية ، فقد يختلف كل واحد عن أخيه من غير أي مبرر شرعي ، بل بداعية من الحسد والحقد والهوى ، وقد يكون البأس شديداً فيما بينهم يؤدي إلى منازعات وصدامات مسلحة وغير مسلحة ، وينتج ذلك هوةً سحيقةً بين رجل وآخر ، ويبلغ التفرق إلى آخر حد ، ويولد أدواء لا نهاية لها ، وما ذلك بعزيز في مجتمعاتنا التي نعيش فيها ، فتواجه الأمة أبشع شكل من الشقاق والنفاق ، وأسوأ نتيجة من الشقاء والذل والتعاسة ، وهنا ينجح العدو الكامن في النفوس وينشط ، ويُعد الجولة أخرى وثالثةً ورابعةً ودواليك .
كم نود أن تكون هناك وحدة متراصة بين الخاصة من المسلمين فيتعدى تأثيرها إلى الجماهير المسلمة ، ومنها إلى غيرها ممن ينظرون إلى الدين الإسلامي بنظرة ملؤها إعجاب وتقدير ، ولكن الواقع يفرض علينا أن نمثل نموذجاً عالياً في جميع أعمالنا وأقوالنا ، والناس مترقبون ذلك بنافد صبر ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمْ تَقُولُونَ مَالاً تَفْعَلُوْنَ كَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أنْ تَقُولُوا مَالاً تَفْعَلُونَ . إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبَيْلِهِ صَفَا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانَ مَرْصُوصُ ) [ الصف : 3 – 4 ] .
هنا مجموعة منظومة من كبار الناس – فيما يزعمون – فاتتها التربية الخلقية ، وخانها الحظ السعيد من تعاليم الدين ، فترعرعت على همل ولم تتقن مفاهيم الأخلاق ولم تدرك مسئولية المسلم في شئون الحياة ، فإذا بها تفور غليظاً وحنقاً من غير مبرر ، وتثور على الأخلاق والآداب الإسلامية ، وتدوس القيم والمثل العليا ، وتكون عنصراً هداماً مريضاً وموضع فساد كبير في المجتمع ، كما هو المشاهد المعلوم في كثير من المجتمعات حيث لم يعد فيها قيمة للعمل لابتغاء وجه الله ، لا ، بل الواقع أن الضمائر هناك ماتت أو بيعت بدارهم بخس معدودة ، وانتفت منها فكرة الآخرة وتصور الحساب عند الله . ( وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعَا ) .
وقال الله تعالى : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادُ كَبِيرٌ ) [ الأنفال : 73 ) .
فهل لهذا الداء العضال من علاج ، أم يُهمل شأنه ويسمح بأن يكون جميع أعضاء الأسرة الإنسانية فريسةً له ؟ !
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آدُوا مُوسَى ، فَبَرَّاهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ، وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً ) [ الأحزاب : 69 ) .
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
سعيد الأعظمي الندوي
15/3/1447هـ
8/9/2025م

