قدرة الله وقوته في الكون

جبهات الدعوة الإسلامية ومجالاتها الرئيسية
نوفمبر 5, 2022
مقياس الحضارة في المجتمع الإسلامي
يناير 9, 2023

التوجيه الإسلامي :

قدرة الله وقوته في الكون

بقلم : سماحة الشيخ السيد محمد الرابع الحسني الندوي

تعريب : محمد فرمان الندوي

العلم علمان :

العلم علمان : علم تشريعي وعلم تكويني ، فالعلم التشريعي هو العلم الذي يكون للأحكام التي فرضها الله على عباده مثل الصلاة والصيام والحج وحقوق العباد ، والعلم التكويني هو العلم الذي يُعرف به أسرار الكون وحقيقة نظامه الذي يجري فيه ، فالأنبياء لا يُكرمون بهذا العلم ، بل يُكرمون بالعلم التشريعي ، فيكونون في العلم التكويني أمثال الآخرين ، فإذا كانت هناك حرب شاركوا فيها ، وطرأت أحوال كما تطرأ للآخرين ، وقد كان موسى عليه السلام يعرف كل شيئ في العلم التشريعي ، لكنه لا يعرف من العلم التكويني شيئاً .

النظام التكويني :

لقد تحقق من قصة سيدنا موسى والخضر عليهما السلام أن الله وضع في الكون من يحمل العلم التكويني ، كما يحمل الأنبياء العلم التشريعي ، وكان الخضر عليه السلام خير مثال له ، غير أن العلماء اختلفوا في كونه نبياً أو ولياً ، يقول بعضهم : إنه نبي ، ويقول آخرون : إنه ولي ، لكن الله تعالى أكرمه بصفات الأنبياء ، لأن النبي هو من يأتي بالغيب أو يخبر عن المستقبل بأمر من الله تعالى .

 تغير النظام التكويني :

يتجلى من دراسة القصص المذكورة في سورة الكهف أن الله تعالى يغير في نظامه التكويني كثيراً على أساس حسنات الناس وسيئاتهم ، كما كان نظامه مع أصحاب الكهف ، إن الله صانهم في مكان مصون ، لم يصل إليه أحد ، وأنامهم أكثر من مدة ثلاث مأة سنة ، ثم أيقظهم حينما تغيرت أحوال البلاد ، وأخبر عنهم أنهم كانوا ينامون ، وكانت عيونهم تسهر ، فكانت لهم صورة استثنائية ، بحيث كانت أجسامهم سالمةً رغم نومهم إلى أمد بعيد ، وعدم طعامهم وشرابهم ، ووضع الله فيهم قوةً كانت تعمل عمل الغذاء .

النظام التشريعي :

النظام التكويني بيد الله تعالى ، أما النظام التشريعي الذي يتعلق بالتدابير أمر الله الإنسان باختيارها وقت الحاجة ، فإذا قصرنا في اختيار التدابير كنا خاسرين ، ولم يفرق الله فيه بين المؤمن والكافر ، فكان فيه امتحان المؤمن والكافر ، فالمؤمن يتغلب على هواه بإيمانه ، وينفذ قوانين الله تعالى ، وإن تجشم في ذلك مشاق ، لكن الكافر يكون تابعاً لهواه ، ويستغل منافعه بتدابيره ، هكذا يبين الله تعالى الفرق بين المؤمن والكافر بالنسبة إلى الوسائل ، فيتعين أمامه : من هو المطيع ، ومن هو العاصي ، ويتضح هذا الفرق في الآخرة ، أما الدنيا فإنها دار العمل ، وقد أعطى الله الإنسان عمراً طويلاً ، وجعل له من أسباب المعيشة ، فالإنسان مسئول عما يمتثل فيه لأوامر الله أم يخالفها ، فإذا علم رضا الله تعالى ، فلا بد له أن ينفذه في حياته ، وإن اقتضى ذلك صعوبات أو تطلب ذلك تضحيات ، فالإنسان مكلف من الله لهذا العمل .

الوسائل تابعة لمشيئة الله تعالى :

ويتبين من قصص سورة الكهف أيضاً أن الوسائل التي نختارها هي تابعة لمشيئة الله ، وليست الوسائل حرةً وطليقةً ، وهي ليست كما نأخذ خشباً أو نستعمل ملعقاً ، بل الوسائل خاضعة لمشيئة الله تعالى ، وهي تعمل كما كانت مكلفةً من الله ، فالإنسان وإن كان يختارها بعقله وتجربته ، لكن خلقها الله تعالى ، والظاهر أن الله تعالى إذا خلق شيئاً أودع فيه تأثيراً ، ويكون هذا التأثير لمصالح كونية .

إن نظام الدنيا كله ، وكل ما يوجد في هذا الكون إنما هو في علم الله وقدرته ، فالماضي والحال والمستقبل من صنع الله تعالى ، وقدّر الله نظام الكون قبل خلقه ، وجعل له وسائل وتدابير وفقاً لهذا النظام ، ولا شك أن تقدير الله عز وجل عبارة عن خلقه ، فالساعات التي قررها الله تعالى يظهر فيها هذه الأشياء ، وليعلم أنها ساعات معينة من الله تعالى ، وإن الزمن الذي خلقنا الله فيه ليس صُدفة ، بل قدر الله قبل خلق الكون أو الإنسان أن يكون في الوقت الخاص والساعة الخاصة ، ويكون عمره   كذا ، ويمر في حياته بمراحل ، إن هذا النظام خلقه الله من قبل ، ولم يكن ذلك فجاءةً ، فهذا العمر الذي أكرمنا الله وإياكم به كان مقرراً عند الله ، وقد وضع الله تعالى في كل شيئ حكمةً ، فكم من عمر يحتاج إليه الإنسان لإنجاز أعماله في أحوال خاصة ، فنظراً إلى هذا خلقه الله تعالى في زمن مناسب له .

ضآلة الوسائل :

أخبر الله تعالى في القرآن الكريم بأمثلة متعددة بأن نظام الخير والشر كله بيد الله تعالى ، فكما أعطى الله الإنسان الوسائل ، كذلك هو قادر على سلبها ، فليستيقن الإنسان بأن زمام النظام بيد الله ، ليس في يد الإنسان ، فإنه يأخذ بطرف منه ، لكن أصله في يد الله تعالى ، فإن الطرف الذي يملك الإنسان لا يتحرك إلا مثلما يحرِّكه الله تعالى ، لكن من الأسف أن الإنسان لا يفهم هذا القدر من الكلام ، ويتعرض للغرور والخدعة .

ضرب الله في التاريخ الإنساني أمثلةً تاريخيةً ، وهي تدل على أن الله تعالى يفعل ما لا يتصوره الإنسان ، وخير مثال له قصة أصحاب الكهف ، فإنهم ضحوا بحياتهم في سبيل الله ، وثبتوا على إيمانهم ، فنصرهم الله نصراً غيبياً ، وأثبت للناس أن الله قادر على أن ينصر عباده خارقاً للعادة ، فظلوا ينامون ثلاث مأة سنة ، ولم يموتوا خلال هذه المدة ، ولم تفسد أبدانهم ، ثم أيقظهم الله تعالى في زمن قد انتشر فيه دين التوحيد ، وتبدلت البلاد من ذي قبل ، فرأوا بأم أعينهم هذه المعجزة الإلهية ، ثم ماتوا ، إنهم لم يروا بيئة ذلك العصر فقط ، بل ذهبوا بورقهم إلى البلد لاشتراء الطعام ، وانكشف أمرهم ، فرأى أهل البلد ، وكل ذلك بتدبير الله تعالى ، ليعلم الناس أن الله على كل شيئ قدير ، وإذا كان هناك صورة أخرى بحيث قد رآهم واحد ، أو أخبره أصحاب الكهف بأننا من سكان هذا البلد قبل ثلاثة قرون ، لا يعترف الناس   بهم ، ولا يسلمونهم ، لكن الله قدر تقديراً بحيث إن الناس حينما رأوا ورقهم وملابسهم ، وعرفوا لغتهم القديمة ظنوا أنهم أصحاب الكهف ، ومعلوم أن لغتهم قد تغيرت كثيراً في ظرف ثلاث مأة سنة ، كما تغيرت ثقافتهم ، فكان ورقهم المالي يختلف من الورق الشائع في ذلك العصر ، هذه كلها شواهد على أنهم من الزمن القديم ، وقد أراد الله أن يكشف أمام الناس هذا الواقع أنه كيف أكرم عباده المؤمنين بفضله وكرمه ، فإنه صانهم إلى مدة ، وجعلهم آيةً للآخرين .

لا قيمة للجهود المادية تجاه النظام التكويني :

ذكر الله تعالى في القرآن الكريم قصة موسى والخضر عليهما السلام ليعرف الإنسان أن الجهود المادية لا قيمة لها ما لم يأذن الله بها ويؤيدها ، وإلا كان النظام الظاهر عبثاً ، ولابد لكل مؤمن أن يدرك هذه الحقيقة ويعرف أن في وسعنا سعياً دؤوباً ، لكن الله هو الفاعل الحقيقي ، وكل ما يجري في هذا العالم يجري بمشيئة الله تعالى ، هو يحكم ما يريد ، ويراقب كل ظاهر وخفي ، إذا أراد أن يغير شيئاً فعل ، وجعل سعينا هباءً منثوراً ، فإن نجاح جهود الإنسان وظهورها على أرض الواقع بيد الله تعالى ، لا ينبغي للإنسان أن يظن أن سعيه سعي نهائي ، بل الأمر النهائي لله تعالى ، ربما نرى أن هناك رجالاً ذوي صلاحيات ومواهب جيدة يخططون نظاماً بحكمة ودراية ويبرمجون ، ثم يطبقونه ، لكنهم يفشلون في هذا النظام ، وبالعكس من ذلك هناك رجل متواضع يخطط حسب مستواه ، ويتطور ويتقدم ويبلغ درجة النجاح ، وكلما أخذ شيئاً أو تناول حالفه النجاح ، فعلم منه أن الأمر النهائي ليس للإنسان ، إنما شأنه التخطيط ، ولكن تحقيق هذا العمل أو فشله بيد الله تعالى ، وخارج من نطاق الإنسان .

نظام الله تعالى :

قرر الله تعالى نظام الكون ، قبل خلق السماوات والأرض والمخلوقات الأخرى ، وما هي المخلوقات التي تخلق ، وما هي كيفية خلقها ؟ وما هي خصائصها ؟ وكيف تكون الأرض ، وكيف تكون السماء ، وما هي فوارقها ؟ قدرها الله تعالى كل ذلك قبل أن يخلقه ، فهو القادر المطلق ، وتكفي مشيئته وإرادته وجود أي شيئ في أي زمان ومكان ، وإذا أراد شيئاً قال : كن فيكون ؟ فكأن وجود شيئ يتوقف على إرادته ، فلما أراد الله تعالى خلق الدنيا بحيث تكون فيها المخلوقات الأخرى ويجري نظامها ، فلا يكون كل صغير وكبير خارجاً عن علم الله تعالى ، بل كل شيئ يكون تابعاً للقواعد والأصول التي قررها الله تعالى .

نظام الخير والشر :

جعل الله تعالى في هذا الكون نظام الخير والشر ، لكنه أخفاه ، وبما أن الإنسان يحمل عقلاً وفهماً ، وتجارب ظاهرةً ، ويمتلك الوسائل ، فيظن أحياناً أنه يستطيع أن يعمل كل شيئ ، الواقع أن هذا الأمر صحيح إلى حد ، بحيث إذا توافرت للإنسان الوسائل يمكن أن يفعل ما شاء ، لأن الله قد خلق وسائل يستطيع الإنسان أن ينال بها النجاح ، لكن هذه الثقة قد تبلغ به إلى حد أنه يكون مغروراً بنفسه .

الكبر والغرور :

قد حدث في التاريخ الإنساني مراراً أن الإنسان إذا توافرت له وسائل القوة والتصرف والانطلاق اعتقد أنه إله ، ذكر القرآن الكريم في هذا الأمر مثال فرعون ، الذي كان يقول : وقال فرعون : ( يا أَيُّهَا ٱلْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى ) ( القصص : 38 ) ، وحينما تجمعت لفرعون قوى مادية كثيرة ظن نفسه إلهاً ، رغم أنه كان يعلم مدى قوته    وتصرفه ، وكم كان عاجزاً في وسائله وأسبابه .

ذكر القرآن الكريم قصة إبراهيم عليه السلام أيضاً ، كان في زمنه ملك ، قد اغتر بقوته وسلطته ، وانخدع بكثرة وسائله وظن أنه    إله ، وهو يملك خياراً كلياً ، فحاج إبراهيم عليه السلام ، يتحدث القرآن الكريم عن هذه المحاجة :

( أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِى رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّىَ ٱلَّذِى يُحْيِـى وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـى وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ) ( البقرة : 258 ) .

كان الملك يعتقد أنه يملك الموت والحياة ، يميت من يشاء ، ويحيي من يشاء ، فأخبره إبراهيم عليه السلام : الله هو يحيي ويميت ، فقال الملك : أنا أيضاً أحيي وأميت ، فدعا رجلاً قد صدر له حكم الإعدام ، أطلق سراحه ، ودعا رجلاً آخر ، كان برئياً ، قتله ، ففهم إبراهيم عليه السلام بحمق الملك أنه لا يملك ذرةً من العقل ، فيتظاهر بمثل هذا الحمق والسفاهة ، فقال له إبراهيم عليه السلام : قدِّم لإثبات ألوهيتك وربوبيتك مثالاً آخر ، وهو إخراج الشمس من المغرب ، فتحير الملك وبُهت ، وكان عاجزاً عن إخراج الشمس من المغرب .

الواقع أن الإنسان إذا حصلت له وسائل ونال قوةً ماديةً ، كان مغروراً بنفسه ، وأحياناً يقع المتدينون فريسةً لهذا الغرور إذا نالوا تسهيلات ووسائل ، ونجحوا في جهودهم ، فينخدعون بأنهم يستطيعون أن ينجزوا كل شيئ . ( والله على كل شيئ قدير ) .