الشيخ محمد الرابع الندوي وذوقه الأدبي
أغسطس 26, 2026قبسات من السيرة النبوية
أغسطس 26, 2026بالأقلام الواعدة :
فضل القرآن الكريم وآداب تلاوته
بقلم : الأستاذ محمد سلمان البحنوري الندوي *
فضل القرآن الكريم في ضوء الكتاب والسنة :
القرآن الكريم هو كتاب الله عز وجل الذي أنزله على قلب رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق جبريل عليه الصلاة والسلام ، ليكون هدىً للعالمين ، ومناراً للصالحين ، وحجةً على البشرية أجمعين ، وهذا هو الكتاب الأسمى الذي محا الله به عبادة الأصنام والعميان ، وأفحم به أهل الزيغ والطغيان ، وأخرج الإنسانية من دياجير الظلمات والشرور إلى رياض الهداية والنور ، ومن غيابات الجهالة والأوهام إلى ضياء العلم والإيمان ، فأصبحت به أمتُنا خير أمة أخرجت للأنام ، وهو المعجزة الخالدة التي تبقى على تعاقب الأزمان ، والآيات الباقية التي لا يعتريها القدم والبلى إلى يوم القرار .
وقد أعلن الله سبحانه وتعالى بحفظه من كل سوء ومن كل شيطان مرود ، وأشار إلى ذلك فقال : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) [ الحجر : ٩ ] . ومن وعد الله سبحانه وتعالى أنه لا ينقص منه حرف ولن ينقص ، وكذلك لا يزيد فيه شيئ ولن يزيد إلى يوم القيامة ، ولا يأتيه أي تحريف ولا باطل ، كما أشار إلى ذلك فقال : ( لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) [ فصلت : ٤٢ ] .
ومن ثم فلا غرو أن فضل القرآن الكريم على سائر الكتب السماوية وعلى سائر الكلام كفضل الله عز وجل على جميع الخلق والكون كله . وإنه المصدر الأساسي لمعرفة الله عز وجل ، والمنبع الأصلي للوقوف على العلوم الدينية العظيمة ، والمركز الرئيسي لاستمداد التشريع الإسلامي واكتشافات العلوم الكونية الخفية ، هذا هو القرآن الكريم الذي نزل تبياناً لكل شيئ ، وهدايةً إلى الحق وإرشاداً إلى صراط مستقيم ، ودلالةً على الخير وطريق النجاة ، ومن تمسك بهذا الكتاب نجا ونجح ، ومن تركه وحاد عنه ضل وغوى ، ومن اتخذه نوراً وسلك مسلكه وعمل به فقد فاز بالسعادة وظفر بها في الدنيا والآخرة .
إن هذا التنزيل العظيم ليس نسيجاً من الكلام البشري ، وليس نصاً مصبوغاً بصفات القول الإنساني أو خاضعاً لقوانينه ، بل هو حبل الله المتين ، والصراط المستقيم ، وفيه هداية للناس جميعاً ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله تعالى ، وفيه عجائب الكون والاكتشافات ما لا ينقضي ، والذي من قال به صدق ، ومن عمل به أجر ، ومن حكم به عدل ، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم ، وأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى تلك الخصائص التي يتميز بها القرآن الكريم ، فقال لعلي ابن أبي طالب رضي الله عنه : ” ألا إنها ستكون فتنة ” ، فقلت : ما المخرج منها يا رسول الله ؟ قال : ” كِتَابُ اللَّهِ ، فِيهِ نَبَأُ مَا كَانَ قَبْلَكُمْ ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ ، وَحُكْمُ مَا بينكُمْ ، وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ ، وَمَنْ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ ، هُوَ الَّذِي لا تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ ، وَلا تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسِنَةُ ، وَلا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ ، وَلا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ ، وَلا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ ، الَّذِي مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ” ( رواه الترمذي : ٢٩٠٦ ) .
ولقد زاد النبي صلى الله عليه وسلم في بيان مكانة هذا الكتاب ومنزلة أهله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ” ( رواه البخاري : ٥٠٢٧ ) . وفي حديث آخر بيّن النبي صلى الله عليه وسلم الثواب الجزيل لقارئ القرآن فيقول : ” مَنْ قَرَأَ حَرْفاً مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ” ( رواه الترمذي : ٢٩١٠ ) ، وكذلك أن القرآن يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه ، ويرفع الله به درجات المؤمنين في الجنة ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ” يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ : اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا ، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا ” ( رواه أبو داود : ١٤٦٤ ) . وجاء في الحديث الشريف فضل مَن يشغله القرآنُ ويتلوه ويتدبره صباح مساء ، ليلاً ونهاراً ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” يَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ : مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطيْتهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ ، وَفَضْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ ” ( رواه الترمذي : ٢٩٢٦ ) .
من آداب تلاوة القرآن الكريم :
وبما أن القرآن الكريم هو كلام رب العالمين ، وهو أشرف كلام وتلاوتُه أفضل عبادة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” أفضل عبادة أمتي تلاوة القرآن ” ( إحياء علوم الدين للإمام الغزالي من ” كتاب آداب تلاوة القرآن ” ، ج ١ ، ص ٣٥٦ ) فإن لتلاوته آداباً كثيرةً . وقد قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي في كتابه الشهير ” التبيان ” : ” وَمِنْ آدَابِهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَكْمَلِ الأَحْوَالِ وَأَكْرَمِ الشَّمَائِلِ ، وَأَنْ يَرْفَعَ نَفْسَهُ عَنْ كُلِّ مَا نَهَى الْقُرْآنُ عَنْهُ إِجْلالاً لِلْقُرْآنِ ، وَأَنْ يَكُونَ مَصُوناً عَنْ دَنِيِّ الاكْتِسَابِ ، شَرِيفَ النَّفْسِ ، مُتَرَفِّعاً عَلَى الْجَبَابِرَةِ وَالْجُفَاةِ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ، مُتَوَاضِعاً لِلصَّالِحِينَ وَأَهْلِ الْخَيْرِ وَالْمَسَاكِينِ ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَخَشِّعاً ذَا سَكِينَةٍ وَوَقَارٍ ” ( التبيان في آداب حملة القرآن ، ص ٢٩ ، طبع دار التقوى ، مصر ) .
وبعد ذلك ذكر الإمام رحمه الله بعضاً من أقوال الصحابة والتابعين ، فقال : فقد جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : ” يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ ، ارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ ، فَقَدْ وَضَحَ لَكُمُ الطَّريقُ ، وَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ وَلا تَكُونُوا عِيَالاً عَلَى النَّاسِ ” ( المصدر نفسه ) .
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : ” يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يعْرفَ بِلَيْلِهِ إِذِ النَّاسُ نَائِمُونَ ، وَبِنَهَارِهِ إِذِ النَّاسُ مُفْطِرُونَ ، وَبِحُزْنِهِ إِذِ النَّاسُ يَفْرَحُونَ ، وَبِبُكَائِهِ إِذِ النَّاسُ يَضْحَكُونَ ، وَبِصَمْتِهِ إِذِ النَّاسُ يَخُوضُونَ ، وبِخُشُوعِهِ إِذِ النَّاسُ يَخْتَالُونَ ” ( المصدر نفسه ) .
وعن الحسن البصري رحمه الله قال : ” إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَأَوْا الْقُرْآنَ رَسَائِلَ مِنْ رَبِّهِمْ ، فَكَانُوا يَتَدَبَّرُونَهَا بِاللَّيْلِ وَيُنَفِّذُونَهَا بِالنَّهَارِ ” ( المصدر نفسه ) .
وعن الفضيل بن عياض رحمه الله : ” حَامِلُ الْقُرْآنِ حَامِلُ رَايَةِ الإِسْلامِ ، لا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَلْهُوَ مَعْ مَنْ يَلْهُو ، وَلا يَسْهُوَ مَعَ مَنْ يَسْهُو ، وَلا يَلْغُوَ مَعَ مَنْ يَلْغُو ؛ تَعْظِيماً لِحَقِّ الْقُرْآنِ ” ( المصدر نفسه ) .
فقسم العلماء آداب تلاوة القرآن إلى قسمين ، وهما : آداب ظاهرة ، وآداب باطنة ، ولقد اقتبست هذه الآداب من كتاب ” إحياء علوم الدين ” للإمام الغزالي رحمه الله ( ج ١ ، ص ٣٥٩ – ٣٦٩ ) ، وأقدمها هنا تلخيصاً ، ينبغي للقارئ المسلم أن يتأدب بها :
أولاً : الآداب الظاهرة ( كمال الهيئة وطهارة الجوارح ) :
(1) الطهارة الكاملة : أن يكون القارئ على وضوء ، وأن يكون بدنه وثوبه ومكانه طاهراً ، قال تعالى : ( لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) [ الواقعة : 79 ] .
(2) استعمال السواك : تنظيف الفم قبل القراءة تعظيماً لكلام الله تعالى ، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ” إِنَّ أَفْوَاهَكُمْ طُرُقٌ لِلْقُرْآنِ فَطَيِّبُوهَا بِالسِّواكِ ” ( رواه ابن ماجة : ١٩٥ ) .
(3) استقبال القبلة : يستحب للقارئ أن يجلس مستقبل القبلة في سكينة ووقار ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شَرَفاً ، وَإِنَّ شَرَفَ الْمَجَالِسِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ ” ( أخرجه الطبراني : ١٠٧٨١ ) .
(4) الاستعاذة والبسملة : البدء بأعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، ثم قراءة البسملة في أول السور ، قال تعالى : ( فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) [ النحل : ٩٨ ] .
(5) الترتيل والتجويد : قراءة القرآن ببطء وتمهل مع إعطاء كل حرف حقه ، لقوله تعالى : ( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ ترْتِيلاً ) [ المزمل : ٤ ] .
(6) تحسين الصوت : أن يجتهد القارئ في تزيين صوته بالقرآن دون تكلف ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ” زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ ” ( رواه أبو داود : ١٤٦٨ ) .
ثانياً : الآداب الباطنة ( إنابة القلب وصفاء السريرة ) :
(1) الإخلاص : أن تكون القراءة خالصةً لوجه الله ، لا لأجل الدنيا أو المدح والرياء ، قال تعالى : ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) [ البينة : 5 ] .
(2) حضور القلب : أن يقرأ بتفكر وانتباه ، ولا يكون ذهنه مشغولاً بأمور الدنيا ، قال تعالى : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) [ ق : ٣٧ ] .
(3) التدبر والخشوع : تأمل معاني الآيات ؛ فإذا مر بآية رحمة سأل الله من فضله ، وإذا مر بآية عذاب استعاذ بالله منه ، قال تعالى : ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ) [ النساء : ٨٢ ] .
(4) التأثر والبكاء : أن يتأثر القلب بالوعد والوعيد ، ويستحب البكاء أو التباكي خشيةً من الله ، قال تعالى : ( وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ) [ الإسراء : ١٠٩ ] .
(5) العمل بالقرآن : وهو الأدب الأعظم ؛ أن يمتثل القارئ لأوامره ويجتنب نواهيه ، قال تعالى : ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) [ ص : ٢٩ ] ، وسئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : ” كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ ” ( رواه مسلم : ٧٤٦ ) .
وفي الختام نقول : ينبغي لنا أن نحافظ على تلاوة القرآن الكريم ، وأن نكثر منها ؛ لأن تلاوته كانت شعاراً وغذاءً روحياً وحياةً لسلفنا الصالح ، وليس لهم قرار إلا بها . فنسأل الله العلي القدير أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ، ونور صدورنا ، وجلاء أحزاننا ، وذهاب همومنا ، وأن يجعلَهُ شَفِيعاً لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وقَائِدَنَا إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ . وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ .
* مدرس بدار العلوم ندوة العلماء – لكناؤ .

