مساهمة الشيخ محمد حنيف الندوي في العلوم الإسلامية ( الحلقة الثانية )

الخطوط العربية ومظاهرها الثقافية وتطوراتها الفنية في الهند
أغسطس 26, 2026
روايات نجيب الكيلاني التاريخية في ضوء الفكرة الإسلامية : دراسة وصفية
أغسطس 26, 2026
الخطوط العربية ومظاهرها الثقافية وتطوراتها الفنية في الهند
أغسطس 26, 2026
روايات نجيب الكيلاني التاريخية في ضوء الفكرة الإسلامية : دراسة وصفية
أغسطس 26, 2026

دراسات وأبحاث :

مساهمة الشيخ محمد حنيف الندوي في العلوم الإسلامية

( الحلقة الثانية )

الدكتور سيار أحمد نجار *

أساساتِ إسلام : من بين مؤلفات الشيخ محمد حنيف الندوي ، يحتل كتاب ” أساساتِ إسلام ” مكانةً بالغة الأهمية ، إذ أدخل فيه الشيخ منهجاً جديداً ومبتكراً به في التفسير والاستدلال . والسؤال المهم في هذا العصر هو : ما هي مكانة الإسلام مقارنةً بالحركات والفلسفات السائدة ؟ وكيف يمكن في ظل هذه الظروف إيصال الأحكام الإسلامية إلى قلوب الناس وعقولهم ؟

رداً على هذا السؤال يختار أسلوبان رئيسيان : الأول هو الأسلوب الدفاعي ، الذي يقتصر على محاولة إثبات أن الإسلام لا يتعارض إطلاقاً مع تيارات المعرفة والحكمة السائدة . أما الأسلوب الثاني فيقوم على نقد الأفكار المخالفة بقوة وكشف عيوبها ، ثم التزام الصمت مع التأكيد أن هذه النظريات خاطئة ، وبالتالي تثبت صحة المفهوم الإسلامي للحياة .

هاتان الطريقتان في التفسير والشرح تختاران ، ولا يقتنع بهما المثقفون المعاصرون وعامة الناس ، لأنهما لا توضحان حقيقة أن الإسلام ، وهو آخر الأديان السماوية ، والضامن لرفاهية الإنسان ، يقدم حلاً قاطعاً وإيجابياً وشاملاً لجميع المشكلات الروحية والحضارية والثقافية للفرد والمجتمع بلغة علمية وأكاديمية . بل إن هاتين الطريقتين في الرد لا تأخذان في الاعتبار الدور الفعال والإبداعي لروح الاجتهاد في الإسلام من حيث الفكر والرؤية . والسبب في ذلك هو أن التقييم الدفاعي أو التقييم السلبي لا يمكن أن يكون له أي تأثير على الناس .

لقد تجاوز الشيخ محمد حنيف الندوي ، في كتابه ” أساساتِ إسلام ” ، هذين النوعين من الاستجابة ، وقدم الأحكام الإسلامية بطريقة تُظهر بوضوح أن الإسلام يقدم الحل الأمثل لمشاكلنا الحضارية والثقافية والسياسية والاقتصادية والروحية . فإذا تم النظر في جميع جوانبه بصدق وجُعلت محوراً للعمل ، وجدنا أن كل ما نحتاج إليه متوفر فيه ، ولن نشعر بأي نقص .

يتكون هذا الكتاب من تسعة فصول .

ويحتوي كل فصل على 194 عنواناً فرعياً . يتكون الكتاب ، بما في ذلك المقدمة وفهرس المحتويات ، من 300 صفحة . نُشر كتاب           ” أساسيات اسلام ” لأول مرة عام 1973م [1] .

مسئلہ اجتهاد :‎ كتب الشيخ محمد حنيف الندوي كتابه الأول ” مسألة الاجتهاد ” بعد انضمامه إلى معهد الثقافة الإسلامية . في ذلك الوقت ، كان الشيخ يقيم في غوجرانوالا ، وكان يأتي إلى لاهور يومياً . يُعدّ هذا الكتاب من أهم مؤلفاته في هذا الموضوع ، حيث يوضح أن الإسلام نظام حياة كامل وخالد . فبينما يُبيّن الإسلام مفهوم التوحيد ، وكيف ينشأ الإيمان في القلوب ، وكيف تتجلى التقوى ، وما هي وسائل بناء الشخصية والأخلاق ، فإنه يُقدّم أيضاً منهجاً متكاملاً لكيفية التعامل مع الأحكام والمسائل في ظل الظروف الاجتماعية والمجتمعية المتغيرة . أي أنه يُحدّد المبادئ والمعايير التي يقوم عليها الاجتهاد السليم . كما يشرح الكتاب تلك الأسس والمعايير الفقهية التي تُسهّل فهم مسألة تدوين وتنظيم الفقه المعاصر .

نُشر هذا الكتاب لأول مرة عام 1952م ، ويتضمن 85 عنواناً رئيسياً وفرعياً ، ويقع في 184 صفحة [2] .

عقليات ابن تيمية : كان من بين الشخصيات التي يكنّ لها الشيخ محبةً صادقةً من بين السلف الصالح هو ابن تيمية رحمه الله ، الذي كان شخصيةً متكاملةً في العلم والكمال والسلوك . وقد تأثر الشيخ تأثراً كبيراً بكتاباته وأفكاره ومعتقداته ومفاهيمه .

لقد كان لثراء منطقه وفلسفته تأثير كبير عليه أيضاً . في هذا الكتاب ، لم يتناول المؤلف ظروف الإمام إلا بقدر ما ورد في السيرة الذاتية التي نُشرت في ثلاثة أو أربعة كتب بهذا الشأن . وقد اقتصر الشيخ محمد حنيف ، وفقاً لذوقه الدقيق ، على مناقشة منطق الإمام وعلم الكلام وفلسفة الحكمة كموضوع للبحث . ولا شك أن هذا يُعدّ الإنجاز الأول للشيخ في هذا الموضوع المتعلق بالإمام ابن تيمية .

كان الإمام ابن تيمية مفسراً بارزاً في عصره ، ومحدثاً جليلاً ، وإماماً للفقه وأصوله ، وكان خبيراً في المنطق والفلسفة . وُلد في حران في 10 من ربيع الأول عام 661هـ ، وتُوفي في 28 ذي القعدة عام 728هـ . اسمه أحمد ، ولقبه تقي الدين ، وكنيته أبو العباس . وقد كُتبت العديد من الكتب عن حياته وسيرته باللغتين العربية والأردية .

إن نطاق بحث الإمام ابن تيمية وفهمه واسع وشامل للغاية . فهو ، بعد الإمام الغزالي ، أول من درس النظام الإسلامي للحياة دراسةً معمقةً ، وبيّن الأمور التي ينبغي مراعاتها في تفسير القرآن والحديث والفقه والتزكية وأصول الدين ، وحدد القوى المحركة في علم الكلام أو العقيدة ، والتي انطلقت منها مسيرة الحضارة الإسلامية مبتعدةً عن الفكر والحضارة والثقافة اليونانية القديمة ، وسلكت طريقاً فريداً ومستقلاً .

الإمام ابن تيمية رجلٌ مكافحٌ ، قضى كل لحظة من حياته في محاربة الإلحاد والبدع . وقد تميز بالنجاح والحكمة في منهجه ، فزاد من بهاء الكتاب والسنة ، ودحض البدع بقوة ، وأزاح الحجب الكثيفة للفلسفة اليونانية والأفكار الدخيلة عن وجه الإسلام المشرق .

كان مُصلحاً عظيماً ورائداً في عصره بفضل معرفته الواسعة ، وفطنته ، وسعة فكره ونظرته الثاقبة . ومن بين إنجازاته المتعددة ، يُعدّ من أعظمها أنه درس ” العقلانيات ” السائدة في عصره بفهم عميق ، وأخضعها لمعايير النقد والمساءلة ، وأثبت أن الموقف العقلاني للإسلام ، بالمقارنة بها ، أكثر صحةً ومتانةً وتوازناً . وقد شرح الشيخ الندوي هذا الأمر في كتابه ” عقليات ابن تيمية ” .

يحتوي هذا الكتاب على ثمانية فصول ، ولكل فصل عناوين فرعية مستقلة ، ليبلغ مجموعها 148 عنواناً فرعياً .  وبالإضافة إلى فهرس المحتويات والمقدمة ، يبلغ عدد صفحات الكتاب 385 صفحة . هذا هو أول كتاب باللغة الأردية يتناول منطق الإمام ابن تيمية وعقلانيته . وقد نُشر لأول مرة عام 1966م تحت رعاية معهد الثقافة الإسلامية [3] .

مسلمانوں کے عقائد و افکار ( جلد اوّل ) : أطلق الشيخ محمد حنيف الندوي على هذا الكتاب العربي عنوان ” مسلمانوں کے عقائد و افکار ” باللغة الأردية . لغة الكتاب ممتازة ، ويتضمن المجلد الأول مقدمة من 48 صفحة .  ويبلغ عدد صفحات هذا المجلد ، بما في ذلك قائمة العناوين والمقدمة والفهرس ، 380 صفحة ، وقد نُشر عام 1968م .  يحتوي الكتاب على 25 عنواناً في المجموع [4] .

مسلمانوں کے عقائد و افکار ( جلد دوم ) : في مقدمة المجلد الثاني من كتاب             ” مقالات الإسلاميين ” ، شرح الشيخ محمد حنيف الندوي بالتفصيل ، ضمن فئات مناقشة مختلفة ، الأوراق والقضايا التي تندرج تحت فئة ” علم الكلام ” ، والتي تتعلق بالعلوم الطبيعية ، والتي تتعلق بالمنطق والفلسفة .

قسّم الشيخ المقالات المعروضة في هذا الكتاب إلى خمسة مواضيع رئيسية ، وذكر أنه بالإضافة إلى هذه المواضيع ، تتوفر آراء الأشعري أيضاً حول العديد من القضايا الأخرى ، مثل العلاقات والروابط في طبيعة الصفات ، والمعرفة الإلهية وسعتها ، والقدرة الإلهية وحدود تطبيقها ، ومسألة الخلق والإرادة الإلهية [5] .

هذه هي الترجمة الأردية لكتاب ” مقالات إسلاميين ” ، المجلد الثاني . وقد كتب المترجم الموقر مقدمة من ثلاثين صفحة ، وصفحتين لقائمة المحتويات ، بالإضافة إلى اثنتين وعشرين صفحة لقائمة العناوين يحتوي الكتاب على 424 صفحة ، ويتضمن هذا المجلد 302 عنواناً ، وتاريخ نشره هو عام 1970م [6] .

أفكارِ غزالى : كانت لدى الشيخ محمد حنيف الندوي صلة فكرية وروحية خاصة بـ إمام غزالي ، ولذلك ألّف عنه ثلاثَةَ كتبٍ : الأول بعنوان ” أفكار الغزالي ” ، والثاني ” تعليمات غزالي ” ، والثالث ” سرگزشت غزالي ” . وكتاب ” تعليمات غزالي ” هو تلخيص لبعض أبواب كتاب ” إحياء علوم الدين ” ، أما ” سرگزشت غزالي ” فهو ترجمة لكتاب ” المنقذ من الضلال ” ، في حين أن ” أفكار غزالي ” يشتمل على خلاصةٍ واختصارٍ لموضوعات ومضامين كتاب ” إحياء علوم الدين ” .

وقد كُتبت لهذه الكتب الثلاثة مقدماتٌ مطوّلة مستقلة ، حتى إن كل مقدمة منها تُعَدُّ في حد ذاتها كتاباً قائماً بذاته . ويتضح ذلك من خلال أن مقدمة ” أفكار غزالي ” تقع في 113 صفحة ، ومقدمة ” سرگزشت غزالي ” تشتمل على 89 صفحة ، أما مقدمة ” تعليمات غزالي ” فقد امتدت إلى 103 صفحات . وبهذا فإن كل مقدمة تُعَدُّ بمنزلة كتاب مستقل . وبحسب ترتيب التأليف ، فإن ” أفكار غزالي ” هو أول هذه الكتب الثلاثة ، يليه ” سرگزشت غزالي ” ، ثم يأتي بعده ” تعليمات غزالي ” .

كما ذُكر سابقاً ، فإن كتاب أفكار الغزالي يُعَدُّ خلاصةً لبعض الموضوعات المهمة من كتاب إحياء علوم الدين . ويشتمل على أبوابٍ كبرى تناول فيها الإمام أبو حامد الغزالي تحليل العقائد الإسلامية تحليلاً شاملاً . فقد بيَّن جميع جوانب التهذيب والأخلاق بتفصيلٍ دقيق ، وفكَّ عُقَد الإيمان ، وحدَّد روح العبادات ، وأشار إلى الفلسفة الكامنة وراءها ، كما أوضح مسائل المعاملات . وخلاصة القول أنه قدَّم تفسيراً جذاباً للإسلام يبدِّد ظلمات الإلحاد والزندقة ، ويُظهر ما تنطوي عليه أحكام الدين من نورٍ يملأ القلب والبصيرة إشراقاً ووضوحاً .

وكان للشيخ محمد حنيف الندوي أسلوبه الخاص ولغته المتميزة التي انفرد بها ، وقد عرض هذه الموضوعات الغزالية بأحسن صورة وأجمل بيان ، فجعلها زينةً لصفحات الكتاب .

وفي مقدمة الكتاب ، التي تقع في 113 صفحة ، سلَّط المؤلف الضوء بتفصيل على حياة الإمام الغزالي وسيرته ، وبيَّن أهمية أفكاره وآرائه ، ووضَّح مكانته ومنزلته في العالم العلمي والفكري .

ويقع الكتاب في 514 صفحة شاملةً ست عشرة صفحة للفهرس ، وقد طُبع لأول مرة سنة 1952م [7] .

سرگزشت غزالي : يُعدّ كتاب ” المنقذ من الضلال ” للإمام الغزالي ، والذي ترجمه الشيخ محمد حنيف الندوي تحت اسم ” سرگزشت غزالي ” ، من أشهر مؤلفاته ، وهو يعكس جوانب متعددةً من فكر الإمام الغزالي وحياته ، ودعوته إلى الحق . ولا غبار أن يُعتبر الشيخ خبيراً في اللغة الأردية ، لا سيما في مجال دراسات الغزالي . فقد ترجم كتاب ” المنقذ من الضلال ” ،          و ” مقاصد الفلاسفة ” ، و ” تهافت الفلاسفة ” ، وألّف كتاباً يجمع أفكاره وآراءه تحت اسمي ” أفكار غزالي ” و ” تعليمات غزالي ” . وتُظهر أبحاثه ودراساته أنه يُدرك مكانة الغزالي كفيلسوف بارز في تاريخ الفكر الإسلامي ، الذي لم يكتفِ بتقييم نقدي لمعارف عصره وفكره ، بل ندّد أيضاً بالمفاهيم الخاطئة للفكر والفلسفة اليونانية .

كُشفت جوانب عديدة من حياة الغزالي في كتابه ” المنقذ من الضلال ” . يُذكر فيه بالتفصيل الصعوبات التي واجهها للوصول إلى الحقيقة والواقع ، وكيف خرج من براثن التقليد الأعمى وبلغ ذروة البحث والتبصر . كما يتحدث الكتاب عن الفائدة التي جناها من علم الكلام ، ويُشير إلى ضياع الحق والصواب لدى العلماء الذين التزموا بالتقليد الأعمى . في سيرته الذاتية ، رفض الغزالي المذاهب الفلسفية التي لم يرتضها فكرياً . وقد بيّن الإمام الغزالي أيضاً الأسباب التي دفعته إلى التصوف . كما تناول في كتابه الحقائق التي اكتشفها والأسس التي توصل إليها خلال بحثه . وذكر أيضاً الأسباب التي اضطرته إلى مغادرة بغداد والتوقف عن نشر العلم . ويروي الكتاب كذلك قصة عودته من رحلة طويلة إلى نيسابور . نقل الشيخ محمد حنيف الندوي كتاب المنقذ من الضلال إلى اللغة الأردية بأسلوبٍ يجعل الترجمة تبدو كأنها الأصل نفسه ، وهذا ثمرةُ رياضته الفكرية واللغوية . وقد عُدَّت هذه الترجمة خدمةً جليلةً لأهل اللغة الأردية ، كما ينبغي القول أنها وفّرت للسالكين في دروب الدين والتصوف وثيقةً عظيمةً للكفاح الديني والفكري [8] .

( للبحث صلة )

* البريد الإلكتروني  : sayarnajar000@gmail.com
[1] بھٹی  ، محمد اسحاق : ارمغان حنيف  ، ص 35 – 37 .
[2] المرجع السابق ، ص 37 .
[3] بھٹی  ، محمد اسحاق : ارمغان حنيف  ، ص 45 – 47 .
[4] المرجع السابق ، ص 37 – 38 .
[5] د . سعيد ، سعادت : مولانا محمد حنیف ندوی ایک تعارفی مطالعہ ،ادارہ ثقافتِ اسلامیہ 2۔کلب روڈ ، لاہور ، ص 95 .
[6] بھٹی  ، محمد اسحاق : ارمغان حنيف  ، ص 38 – 39 .
[7] المرجع السابق ، ص 40 – 42 .
[8] د . سعيد ، سعادت : مولانا محمد حنیف ندوی ایک تعارفی مطالعہ ،ص 97 – 98 .