مساهمة الشيخ محمد حنيف الندوي في العلوم الإسلامية ( الحلقة الثانية )
أغسطس 26, 2026دراسات وأبحاث :
روايات نجيب الكيلاني التاريخية في ضوء الفكرة الإسلامية :
دراسة وصفية
الباحث عبد القيوم *
تعد الرواية وسيلةً ناجعةً يستعين بها الكاتب أن ينشر آراءه وأفكاره ومعتقداته ، وأداةً فعالةً من أدوات التعبير عن القضايا والأفكار . وتهدف هذه الدراسة إلى دراسة روايات نجيب الكيلاني التاريخية المختارة ( ليالي تركستان ، عمر يظهر في القدس ، قاتل حمزة ، الظل الأسود ) والتركيز على فكره الإسلامي باستخراج الملامح الإسلامية ، والوصول إلى أن الكيلاني نشأ نشأةً إسلاميةً ، وجعل الفكر الإسلامي فلسفةً لأدبه ومنهجاً لحياته ، كما وصلت هذه الدراسة إلى أن الروائي نجيب الكيلاني في آثاره صاحب فكرة إسلامية ورسالة يدعو إليها ويسعى إلى خدمتها دون أن يخل بفنية آثاره .
نبذة عن الحياة الأدبية والذاتية لنجيب الكيلاني :
نجيب عبد اللطيف بن إبراهيم الكيلاني ولد في أول يونيو سنة 1931م في قرية ” شرشابة ” من توابع مركز ” زفتى ” غربي مصر ، وعاش في عائلة ملتزمة بالقيم والمبادئ الإسلامية ، كانت في المرحلة الابتدائية لديه رغبة وافرة إلى مطالعة الفنون الأدبية البلاغية والحديثية ، وهو بنفسه يرى نهاية هذه المرحلة بداية إنشاده الشعري ، ورحلته الأدبية والعلمية . التحق الكيلاني بعد إنهاء الثانوية سنة 1951م بالكلية الطبية في جامعة القاهرة في مصر ، ثم أصبح عضواً في جماعة الإخوان المسلمين ، وفي السنة الرابعة من دراسته اعتقل عند عودته إلى مسقط رأسه ، بسبب نشاطاته السياسية الواسعة في جماعة الإخوان المسلمين ، وحكم عليه بالسجن عشر سنوات ، عكف خلالها على مطالعة أبيات شاعر المشرق الخبير بالمغرب العلامة محمد إقبال رحمه الله ، التي ترجمها محمد عزام ، وأنشد قصيدته المشهورة ” أغاني الغرباء ” وهذه القصيدة كانت في الحقيقة صورةً من المجتمع الغربي آنذاك . كان الكيلاني يحترم أصول الإخوان ومبادئه ، وكان يتابع جرائدهم ومؤلفاتهم رغبةً بالغةً .
ولقد أطلق عليه العالم الكبير العلامة أبو الحسن الندوي والد الرواية الإسلامية ، والكيلاني هو الروائي الوحيد الذي تجاوز قلمه حدود العالم العربي ، وشملت رواياته أوضاع المسلمين المستضعفين في تركستان الشرقية ، وأندونيسيا ، ونيجيريا ، وإثيوبيا . ولقد ترجمت آثاره إلى اللغات المختلفة كالإيطالية ، والبريطانية ، والروسية ، والتركية ، والأوردية ، والفارسية [1] . وقد سافر إلى بلدان عديدة من خلال رواياته ، وخالط فئات وجماعات مختلفة ، فمرة عاش مع ثوار نيجيريا في رواية ” عمالقة الشمال ” ومرةً في إثيوبيا مع رواية ” الظل الأسود ” وأحياناً يظهر في فلسطين مع رواية ” عمر يظهر في القدس ” وفي إندونيسيا مع رواية ” عذراء جاكرتا ” وفي تركستان الشرقية مع رواية ” ليالي تركستان ” وفي هذه الأخيرة بشر بانهيار الاتحاد السوفياتي ثلاثين سنة قبل وقوعه [2] .
وهو رائد الأدب الإسلامي ، فقد قدم عدداً كبيراً من الروايات التاريخية ذات الصبغة الإسلامية ، واستطاع بكتابتها أن يقدم نماذج راقيةً إلى الأدب العربي [3] . أبطال رواياته في أكثر الأحيان شخصيات نهضوا ضد المستعمرين ، وأقاموا بجانب شعوبهم حرباً لا هوادةً فيها ضد مؤامرات الأعداء ومشروعاتهم ، وتحملوا مشكلات كبيرةً في هذا المجال ، لكنهم لم يتخلوا عن إيمانهم وكفاحهم أبداً ، كما أن رواياته مليئة بالحروب والمعارك الفكرية والعملية بين التيارات الإسلامية والغربية .
الفكرة الإسلامية في روايات نجيب الكيلاني التاريخية :
إن الدكتور نجيب الكيلاني كان أديباً إسلامياً ، ترعرع في بيئة إسلامية وثقافة عربية . شارك منذ الطفولة في الحفلات الدينية والمجالس الأدبية ، حتى تأثر بالدعوات الإسلامية والشرائع الدينية تأثراً كبيراً ، فبسبب هذا التأثر البالغ مال إلى التيارات الإسلامية ولا سيما إلى تيار الإخوان المسلمين منذ ما بلغ سن البلوغ . وفي أثناء ذلك حفظ القرآن الكريم ، وطالع تاريخ الإسلام والمسلمين حتى أصبح ذات فكرة إسلامية خالصة . فلما بدأ كتابة الرواية والقصة أخذ ينشر فيها هذه الفكرة الإسلامية الخالصة بالطلاقة ، وتناص فيها بالقرآن والسنة ، حتى غلب على معظم إنتاجه الأدبي ولا سيما على إنتاجه الروائي الفكرة الإسلامية [4] . وقد استطاع أن يبرز خلالها مجد الأمة العربية مكشفاً أسباب علوها ورقيها عبر التاريخ ، كما استطاع أن يصور أوضاع المسلمين المعاصرة وما يتعرض له المسلمون داخل أوطانهم من اضطهاد وتعذيب وتنكيل على أيدي الطغاة المستعمرين والشيوعيين الذين يظلمون الأبرياء دون ذنب اقترفوه سوى دفاعهم عن عقيدتهم التي يؤمنون بها . ويمكن الاستشهاد على ذلك ببعض رواياته ، فروايته ” عمر يظهر في القدس ” مثال للرواية الجادة العميقة التي تصور الفكرة الإسلامية السامية التي ينبغي أن يقتدى بها المسلمون في حياتهم الاجتماعية والثقافية والسياسية ، كما تركز الرواية على القيم والمبادئ التي تحلت بها شخصية الرواية الرئيسية عمر بن الخطاب من الحلم والعدل والصدق والأمانة والتواضع والشجاعة ، وبذلك قدم الكاتب هذه الشخصية التي لها دور في انتصار الدعوة الإسلامية وتثبيت أركانها كمثل أعلى للاقتداء بها ، ومن خلال تصويرها وتوضيح الأوضاع المعاصرة التي يعيشها الشعب الفلسطيني [5] . وتدخل في هذا الإطار روايته ” ليالي تركستان ” التي تتجسد فكرة دعوة الجهاد في سبيل الحق لمواجهة الأخطار الخارجية والداخلية التي تهدد الشعب التركستاني المسلم في حاضرها ومستقبلها . وقد وضح الكاتب نوعاً من فكره بصورة الجهاد على ألسنة أبطال الرواية للتحرر والاستقلال من مخالب المستعمرين الشيوعيين الصينيين مشيراً إلى هذه الصراعات الأيديولوجية بين شعب تركستان المسلم والمستعمر الصيني ، وموضحاً فيها دور الشعب التركستاني المسلم في الكفاح والجهاد نحو الحرية والاستقلال [6] . وخير مثال ذلك في الرواية عندما يقوم خوجة نياز مخاطباً الثوار في أحد الاجتماعات ” الحرب أيها الرجال سجال . . . يوم لك ويوم عليك ، وقد عاهدنا الله ألا نستسلم حتى ننتصر أو نستشهد ، وقد كان يتطلع إلى الجبال بعينيه القويتين ويحلم بغد أفضل . . . والله ما تحكم الأعداء فينا ، وملكوا رقابنا إلا لأننا ننكرنا لديننا ، ونبذنا قرآننا وراءنا ظهرياً ، وإني أعاهد الله على أني لن أضع سلاحي حتى ألقاه أو أنتقم لديني وبلادي ، فمن كان أبواه مسلمين فليتبعني [7] . قد يكشف الكاتب لنا أن الصينيين استعمروا تركستان طوال سنين ، لكن المقاومة بدأت في الظهور من مجتمع تركستان عندما أهان الصينيون الشريعة الإسلامية ، واستهزأوا بمعتقدات المسلمين ، وداسوا على مشاعر المسلمين . فكان لا يمكن التسامح معه ، لأن المسلم يجب عليه أن يقاوم الباطل ، ومن ذلك بدأ شعب تركستان في مقاومة عديدة طوال سنين للتحرر والاستقلال من براثن المستعمرين . على هذا البناء برزت في هذه الرواية فكرة الجهاد للمؤلف وجمع قدرات الأمة تحت راية الإسلام كسبيل لحفظ الشريعة الإسلامية ومبادئها النبيلة ونيل الحرية والاستقلال . ولقد استحضر من خلال هذه الفكرة روح الكفاح والجهاد من الشبان الذين اعتنقوا الفكرة الشيوعية في تركستان ، لعودتهم إلى روح القومية الإسلامية والجهاد على استقلال تركستان من أيدي الغاصبين .
وأما رواية ” قاتل حمزة ” فقد يطل الكاتب فيها على فكرة الحرية حيث نجد في ثنايا الرواية بصورة كبيرة تجسدت محاولة نيل وحشي الحرية ، وهذا ما تحقق له بخروجه مع قريش لقتال محمد صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد فكانت هذه الغزوة بمثابة الأمل المنير لحصول وحشي على الحرية . وقد وضح المؤلف من خلال هذه الفكرة أن الإسلام قد وضع قواعد محددةً حول مفهوم الحرية هذه ، تتميز بالوسطية والواقعية . فالإسلام يمنح الإنسان حرية العقيدة والرأي ضمن إطار عام يحدده ، ولهذا فإن الحرية المطلقة هي التي لا حدود لها ، والتي قد تدفع بالإنسان نحو الهاوية غير معترف بها في النظام الإسلامي ، لأن الإسلام جاء لتحرير الإنسان من براثن عبادة الأصنام والجهل إلى طريق الحرية والأمان ، وهذا ما جاء على لسان وحشي بعد دخوله الإسلام فقال بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم : ” أتموت يا مفجر ينبوع الحقيقة في صحراء حياتنا القاحلة ؟ أتموت يا حامي الضعفاء ومحرر العبيد ؟ . . ” [8] . فضلاً عن ذلك نجد في هذه الرواية تجسيد قضية حرمة الإنسان والعدل والمحبة والتسامح ، وأثار الكاتب من خلال إبداعاته مشاعر المقهورين والمستضعفين ومعاناتهم في أنحاء العالم الإسلامي ، لأنه لا يستعير الأيدلوجيات الأجنبية ، ولا يقتبس من الثقافات الغربية خلال كتابة رواياته التاريخية والإسلامية ، بل ينظر إلى الأحداث والوقائع التاريخية من جهة الرؤية الإسلامية ، مستخدماً الأدب كأداة قيم أخلاقية نبيلة لإزالة فساد الأمة الإسلامية وإعادتها إلى وجه الصواب . على هذا النحو تميزت رواياته كلها بالفكرة الإسلامية والاتجاه الديني والقيم الأخلاقية التي تناولها الكاتب من المنابع الأصلية من القرآن والأحاديث النبوية .
إن في رواية ” الظل الأسود ” تتجلى فكرة المؤلف تجاه الإنسانية التي تتميز بقيم العدل والتسامح والحب والتعاون وغيرها من القيم المحمودة التي تتفق عليها كل المجتمعات ، وذلك لما تحققه من أهداف سامية في خدمة الفرد والمجتمع . ونجيب الكيلاني كان متمكناً في سائر كتاباته الأدبية من أدواته الفنية داعياً إلى العدل والتسامح والحرية وغيرها من القيم الإنسانية والإسلامية . فقد يتحدث في هذه الرواية عن العدل الذي جاء به الإسلام ، فهو صفة أخلاقية مهمة يجب أن يتحلى بها الأفراد والمجتمعات ، فلا يستقيم أي شعب إلا بقيمة العدل ، وبه يتحقق الأمن والاستقرار ، ويقضي المشكلات الاجتماعية والاضطرابات المختلفة ، وخير مثال ذلك في رواية ” الظل الأسود ” نجد فيها العديد من العبارات الدالة على قيمة العدل من خلال ما قال شخصية الرواية ” إياسو ” ، وهو يخاطب زوجته : ” إنني ملك على الجميع يا زوجتي ، ويجب علي أن أنشر العدل بين الرعية كافرهم ومؤمنهم ، فقيرهم وغنيهم . . . هذا كل ما في الأمر [9] ، فاتضحت لنا فكرة الكاتب من خلال مقولة إياسو أنه متمسك بقيمة العدل والإنصاف بين جميع الناس ، مهما كان دينهم وجنسهم بعيداً عن العنصرية يعني التفرقة بين البشر بحسب أصولهم الجنسية ولونهم ، بالرغم من جميع المصايب التي واجهها وحببها بين جمهوره ورعيته ، يظهر ذلك أيضاً في المقاطع الآتية :
” لقد جادت علينا السماء بهذا النجاشى العادل ” .
” إننا نحب إمبراطورنا من الأعماق ” .
” هذا النجاشى يعرف الله والعدل والمحبة ” [10] .
اتضح لنا مما سبق أن الفكرة الرئيسية في روايات نجيب الكيلاني هي الفكرة الإسلامية التي تبرز في جميع إبداعاته الأدبية ، وهذا ما جعل نظيراً للروائيين العرب المعاصرين مثل علي أحمد باكثير ، حتى جعل الأدباء يطلق عليه لقب منظر الأدب الإسلامي من أجل تعهده بالفكر الإسلامي . بجانب إلى ذلك اتضح لنا أن المؤلف قدم الأحداث التاريخية كلها برؤية إسلامية مبنية على العدالة الاجتماعية والقيم الإنسانية .
المصادر والمراجع :
- القاعود ، حلمي محمد ، الواقعية الإسلامية في روايات نجيب الكيلاني . مكتبة العبيكان ، 1994م .
- كمال سعد خليفة ، الشخصية الإسلامية في الرواية المصرية الحديثة ، مكتبة العبيكان .
- القاعود ، حلمى محمد ، الرواية التاريخية في أدبنا الحديث دراسة تطبيقية ، دار العلم والنشر والتوزيع .
- الكيلاني ، نجيب ، ليالي تركستان ، دار الصحوة للنشر والتوزيع .
- . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ، الظل الأسود ، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع .
- . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ، عمر يظهر في القدس ، حقوق الطبعة محفوظة ، 2007م .
- يحيى ، يحيى حاج ، قضايا المسلمين في القصص الإسلامي المعاصر ، الإدارة العامة سلسلة دعوة الحق رابطة العالم الإسلامي ، 2009م .
* الباحث في الدكتوراه قسم اللغة العربية جامعة كشمير .
[1] السيد كفيل أحمد القاسمي ، تطور الرواية العربية ، جامعة عليكره الاسلامية ، 2008م .
[2] حلمى محمد القاعود ، نجيب الكيلاني أول روائي إسلامي ، ص 27 .
[3] المصدر السابق ، 29 .
[4] حلمي محمد القاعود ، الواقعية الإسلامية في روايات نجيب الكيلاني ، ص 108 .
[5] عبد الفتاح محمد عثمان ،الرواية الإسلامية وبناءها الموضوعي والفني ، مجلة الأدب الإسلامي ، العدد الثاني .
[6] فاطمة الزهراء ، محمد بشير مسالتي ، أدلجة الخطاب في رواية ليالي تركستان لنجيب الكيلاني ، مجلة إشكالات في اللغة والأدب ،العدد 4 .
[7] نجيب الكيلاني ، ليالي تركستان ، ص 44 .
[8] الكيلاني ، قاتل حمزة ، ص 266 .
[9] الكيلاني ، الظل الأسود ، ص 24 .
[10] المصدر السابق ، ص 51 .

