عقائد اليهود واتجاهاتهم الدينية
أغسطس 26, 2026الخطوط العربية ومظاهرها الثقافية وتطوراتها الفنية في الهند
أغسطس 26, 2026دراسات وأبحاث :
من صور الالتفات في القرآن الكريم : دراسة بلاغية نحوية
( الحلقة الثانية )
الأستاذ أيمن ياسين العمر *
فوائد وأسرار الالتفات البلاغية :
ينطوي الالتفات على فوائد بلاغية متعدّدة ، منها ما هو عام ، ومنها ما هو خاص :
(1) فوائد عامة :
تتجلّى في التنويع الأسلوبي الناتج عن الانتقال من صيغة إلى أخرى ، كأن يُنتقل من الغَيبة إلى الخطاب ، أو من الماضي إلى الحاضر ، مما يُسهم في تنشيط ذهن السامع ، وجلب انتباهه ، وتوسيع أفق التلقي لديه . كما يسهم هذا الأسلوب في كسر الرتابة ، ويُعين على سهولة الوزن والقافية ، خصوصاً في السياقات المسجوعة أو ذات الإيقاع البلاغي العالي .
(2) فوائد خاصة :
وتظهر من خلال كل نوع من أنواع الالتفات ، حيث تختلف الغاية البلاغية باختلاف الموضع والسياق . فلكل التفات هدف تعبيري يتعلّق بالحالة النفسية للمتكلم ، أو بتبدل الحال ، أو بتعظيم المعنى ، أو استحضار المشهد ، أو تقوية التأثير ، ما يُضفي على الخطاب القرآني حيويةً وثراءً دلالياً .
الأغراض البلاغية للالتفات : للالتفات أغراض كثيرة ، لعل أهمها :
(1) التنظيم في قوله تعالى : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) جاء لفظ العبادة مع الخطاب ليناسب تعظيم حال المخاطب .
ومن أمثلة التعظيم بوصفه غرضاً بلاغياً في الالتفات ، قوله تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ ) [ النساء : 64 ] . ولم يقل : واستغفرت لهم ، وذلك ليظهر تعظيم الاستغفار .
وقد يكون الالتفات من المتكلم إلى الاسم الظاهر ، وذلك لأجل التضخيم ، كما في قوله تعالى : ( يا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـى وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىِّ ٱلأُمِّىِّ ) [ الأعراف : 158 ] . فكان من المنتظر أن يقول بعد قوله : (إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ . . . ) فآمنوا به ، لكنّه عدل إلى الاسم الظاهر بقوله : ( آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىِّ ٱلأُمِّىِّ ) . والغرض البلاغي من الالتفات هنا هو التفخيم .
(2) المبالغة : ففي قوله تعالى : ( حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم ) [ يونس : 22 ] . صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة لأجل المبالغة .
(3) الاختصاص : من أغراض الالتفات الاختصاص ، كما في قوله تعالى : ( وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذٰلِكَ ٱلنُّشُورُ ) [ فاطر : 9 ] . إذ عدل عن لفظ الغيبة إلى التكلم ، وذلك لغرض الاختصاص ، وذلك لأنّ إحياء الأرض وإحياء الموتى يختص به الله وحده .
(4) التتميم : يرى الزركشي في قوله تعالى : ( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ . أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ . رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ) [ الدخان : 4 – 6 ] ، أنّ أصل العبارة إنّا كنا مرسلين رحمةً منّا ، لكنه وضع الاسم الظاهر وهو : ( رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ) موضع المضمر للإنذار بأنّ الربوبية تقتضي الرحمة للمربوبين ، وفي هذه الآية تتميم لمعنى الربوبية وهو الرحمة .
(5) الاهتمام : كما في قوله تعالى : ( ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ . فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ) [ فصلت : 11 – 12 ] . عدل عن الغيبة في قوله : ( قَضَاهُنَّ ) و ( أَوْحَىٰ ) إلى التكلم في قوله ( زَيَّنَّا ) ، وذلك للاهتمام بالإخبار عن نفسه يجعل الكواكب في السماء الدنيا ، لذلك عدل إلى التكلم في ( زَيَّنَّا ) السماء الدنيا .
(6) التوبيخ : من الأغراض البلاغية للالتفات التوبيخ ، كما في قوله تعالى : ( وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً . لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً ) [ مريم : 88 – 89 ] .
الشاهد : عدل عن الغيبة إلى الخطاب ، وذلك للدلالة على أنّ قائلاً مثل قولهم ينبغي أن يكون موبخاً ، وتوبيخ الحاضر مخاطباً أبلغ في الإهانة من الغائب فلم يقل : لقد جاؤوا شيئاً إدّاً ، فقال : لقد جئتم شيئاً إداً . . . ) .
(7) التنبيه : كقوله تعالى : ( إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ وَٱلْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ . وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ ) [ البقرة : 169 – 170 ] . في هذه الآية عدل من الخطاب إلى الغيبة لأن الضمير في (لهم) عائد على الناس ، وذلك لغرض التنبيه على الضلال .
وقد يكون الالتفات في أحد الأمور التالية :
أولاً : في الضمائر :
لقد أجمع علماء البلاغة على ورود الالتفات في الضمائر ، وذلك من خلال الانتقال في الكلام من التكلم إلى الخطاب ومن التكلمُّ إلى الغيبة ومن الخطاب إلى التكلم ومن الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى التكلم وإلى الخطاب وهكذا . . . ولكن بشرط أن يعود الضمير الثاني على الضمير الذي يعود عليه الضمير الأول ، ومن هنا على هذا الأساس ينتج لدينا ستة أساليب بلاغية للالتفات ، إذ ينتقل المعنى من ضمير إلى آخر .
وقد ذكر الزمخشري فائدة هذا الانتقال : تجديد ونشاط لحال السامع والمتكلم من السّأم أو الضجر من اتباع أسلوب واحد .
وفيما يلي أمثلة على بعض الصور البلاغية في الالتفات :
صور الالتفات :
(1) الالتفات من أسلوب التكلم إلى الغائب : وفي هذا الأسلوب الكثير من الشواهد في القرآن الكريم ، ومنه قوله تعالى : ( إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ . فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ ) [ الكوثر : 1 – 2 ] .
جاء بأسلوب التكلم ثم انتقل إلى أسلوب الخطاب فقال : ( لِرَبِّكَ ) ولم يقل ( لنا ) والالتفات هنا في ( أَعْطَيْنَاكَ ) وفي ( لِرَبِّكَ ) لكي يفهم السامع قصد المتكلم من كلامه ، والسِّر البلاغي هو التحريض على القيام بالصلاة لحق الربوبية ، لأن من يربيك يستحق العبادة ، ومنه قوله تعالى : ( يا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـى وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ) [ الأعراف : 158 ] . وجه الاستشهاد : إنّي رسول الله إليكم ، ثم انتقل إلى قوله : ( فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ) . وفي هذا الالتفات سران بلاغيان :
أ. أنّ الرسالة تجري على الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وهذا أكبر دليلٍ على صدقه .
ب. يدفع عنه التهمة ؛ فلو كان القرآن من عنده صلى الله عليه وسلم لكان فيه تعصب لنفسه ، ولذلك لم يقل : ( آمنوا بالله وبي ) .
(2) الالتفات من التكلم إلى الخطاب : إنّ بلاغة هذا الأسلوب تكمن في حث السامع على الاستماع للمتكلِّم ، ومثاله : قوله تعالى : ( وَمَا لِىَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) [ يس : 22 ] . والالتفات هنا من خلال الانتقال في الكلام من المتكلم ( مَا لِىَ لاَ أَعْبُدُ ) إلى المخاطب وهو ( تُرْجَعُونَ ) . وأصل الخطاب كان يقتضي ( وإليه أرجع ) لكي يتناسب مع المتكلم . والغرض البلاغي هو حث السامع للاستماع للمتكلم ، وذلك لمزيد من العناية والاهتمام بالمخاطب .
(3) الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ، ومثاله : ( وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً . إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً ) [ الإنسان : 21 – 22 ] .
الالتفات من الغائب في قوله ( سَقَاهُمْ ) إلى الخطاب في قوله : ( كَانَ لَكُمْ جَزَآءً ) ولو لم يلتفت لقال : ( كان لهم جزاء ) .
والغرض البلاغي هنا التأكيد على حتمية الجزاء وقرب المؤمنين من الله سبحانه وتعالى . والغرض البلاغي منه التعجب والاستبعاد .
ومنه قوله تعالى : ( وَكَتَبْنَا لَهُ فِى ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ ) [ الأعراف : 145 ] . الالتفات في قوله : ( سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ ) ، والغرض البلاغي هو المبالغة في الحث على الأخذ ، وهذا الالتفات من الغيبة إلى الخطاب .
ومن الأسرار البلاغية التي يحملها الالتفات من الغيبة إلى الخطاب تأكيد الشيئ ، كما في قوله تعالى : ( ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً . وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً ) [ مريم : 70 – 71 ] .
فالالتفات هنا من الغيبة إلى الخطاب في قوله : ( وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ) والغرض البلاغي هو التأكيد على الورود على النّار .
(4) الالتفات من الخطاب إلى الغائب ، والشاهد في قوله تعالى : ( حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ) [ يونس : 22 ] .
الالتفات في هذه الآية ، من الخطاب في قوله ( إِذَا كُنتُمْ ) إلى الغائب في قوله : ( وَجَرَيْنَ بِهِم ) حيث إنّ مقتضى الظاهر في القول ( وجرين بكم ) .
والسِّر البلاغي من الالتفات هنا هو التعظيم والتعجب من فعل الكفَّار (1) .
ويرى الزركشي أنّه : كان الخطاب للناس جميعاً مؤمنهم وكافرهم ، وذلك بدليل قوله تعالى : ( هُوَ ٱلَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ) .
ولو قال : ( وجرين بكم للزم الذم للجميع ) .
ويرى الزركشيُّ أيضاً : أنهم وقت الركوب خافوا الهلاك وتقلب الرياح بهم ، فناداهم نداء الحاضرين وعندما جرت بهم الرياح ، ذكرهم بصيغة الغائب .
(5) الالتفات من الغيبة إلى التكلم ، والشاهد : قال تعالى : ( وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا ) [ فصلت : 12 ] ، موطن الشاهد : التفت من أسلوب الغائب في قوله ( وَأَوْحَىٰ ) إلى أسلوب التكلم في قوله ( وَزَيَّنَّا ) ، وجاء أسلوب الخطاب للغائب ليفيد معنى العموم ، وفي خطاب التكلم ليفيد معنى التخصيص .
ومن الأسرار البلاغية للالتفات من الغيبة إلى التكلم ( التعظيم ) ، كما جاء في قوله تعالى : ( سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) [ الإسراء : 1 ] ، إذ التفت من الخطاب الغائب ( بِعَبْدِهِ ) إلى خطاب المتكلم ( بَارَكْنَا ) ، الالتفات هنا من الغيبة إلى الخطاب ، والشاهد في قوله تعالى : ( مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ . إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ، الالتفات من الغيبة في قوله ( مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ ) إلى الخطاب ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) .
والسر البلاغي هنا : أن الحامد لله تعالى بلغ إلى الذروة في الحمد حتى أصبح يخاطب ربه بالإقبال ، وكأنه في حضرة الله تعالى .
ومنه قوله تعالى : ( وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً . إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً ) [ الإنسان : 21 – 22 ] . التفت من الغيبة في قوله ( رَبُّهُمْ ) ثم عدل إلى الخطاب في قوله : ( لَكُمْ ) ومقتضى السياق ( لهم ) ، والسر البلاغي في الالتفات هنا هو تعظيم شأن المخاطب .
ثانياً : الالتفات في الأفعال :
وهو الانتقال في الأفعال من الماضي إلى المستقبل ، ومن المستقبل إلى الماضي ، ومن المستقبل إلى الأمر ، ومن الماضي إلى الأمر وهكذا . . . [1] .
– الالتفات من الفعل الماضي إلى فعل الأمر : الشاهد قوله تعالى : ( قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِٱلْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَٱدْعُوهُ ) [ الأعراف : 29 ] . التفت من الماضي في ( أَمَرَ ) إلى الأمر في ( أَقِيمُواْ ) ولو كان الكلام على أسلوبٍ واحد لقال ( أمر ربي بالقسط وأمر أن تقيموا وجوهكم ) ، أي : أمر بإقامة الصلاة ، وذلك ليؤكد أهمية الصلاة من بين العبادات ، والسر البلاغي هنا حث المسلمين على التوجه إلى العبادة الصادقة .
– الالتفات في العمل من المستقبل إلى الأمر : والشاهد في قوله تعالى : ( قَالَ إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّى بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ . مِن دُونِهِ فَكِيدُونِى جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ) [ هود : 54 – 55 ] . وجه الاستشهاد : أشهدُ اللهَ واشهدوا إذ التفت من المضارع إلى الأمر .
ومقتضى السياق يقول : أشهد الله وأشهدكم ، لكنه قال : واشهدوا ، والسر البلاغّي هنا التفخيم والتعظيم .
– الالتفات من الفعل الماضي إلى الفعل في المستقبل : قال تعالى : ( وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذٰلِكَ ٱلنُّشُورُ ) [ فاطر : 9 ] .
الالتفات من الفعل الماضي ( أَرْسَلَ ) إلى المضارع في ( تُثِيرُ ) ، وسياق المقام يقول : ( أرسل فأثارت ) ، لكن جاء بالفعل الدال على المستقبل ( تُثِيرُ ) لأن التعبير بالفعل المضارع يدل على الاستمرارية والاستحضار في الذهن ، والسّر البلاغيّ هنا استحضار الصورة البديعية ، وكذلك يفيد هذا الالتفات في تأكيد وقوع الحدث .
– الالتفات من الفعل المضارع إلى الفعل الماضي : الشاهد في قوله تعالى : ( وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِى ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ ) [ النمل : 87 ] .
التفت من الفعل المضارع ( يُنفَخُ ) إلى الماضي ( فَزِعَ ) ، وسياق المقام يقول ( يفزع ) لكنه قال ( فَفَزِعَ ) ، ولذلك لسرِّ بلاغي وهو الدلالة على تحقق الفزع وثبوته ، وأنه كائن لا محالة واقع على أهل السموات والأرض ، وهذا ما قاله الزمخشري في كتابه الكشاف [2] .
( للبحث صلة )
* جامعة الزيتونة الدولية – كلية الدراسات العليا ، aymanalmr054@gmail.com
[1] الالتفات في البلاغة العربية ، د . طاهر عبدالرحمن قحطان .
[2] الكشاف ، الزمخشري .

