من صور الالتفات في القرآن الكريم : دراسة بلاغية نحوية ( الحلقة الثانية )
أغسطس 26, 2026مساهمة الشيخ محمد حنيف الندوي في العلوم الإسلامية ( الحلقة الثانية )
أغسطس 26, 2026دراسات وأبحاث :
الخطوط العربية ومظاهرها الثقافية وتطوراتها الفنية في الهند
بقلم : د . شفيع أحمد هاشم الندوي *
الخط العربي نموذج من أقدم فنون الحضارة العربية والإسلامية ، وفن وتصميم لكتابة الحروف العربية . هو أرقى وأجمل خطوط العالم البشري على وجه الأرض . نشأ وتطور من الخط النبطي في شبه الجزيرة العربية ، واكتسب مكانةً خاصةً بسبب ارتباطه بالدين الإسلامي الحنيف ، وشهد قفزات هائلةً في المحافظة على أصالتها العربية وتراثها الحضاري عبر الأجيال . فهو لم يكن مجرد أداة للتواصل إلى أيقونة فنية تميزت بها العمارات والمخطوطات ، بل يتميز بحسن شكله وجمال هندسته وبديع نسقه وجاذبية صورته ، حتى أعجب الأجانب الغربيين وغير المسلمين ووألعوا به . واحتل مكانةً مرموقةً لدى المسلمين من مشارق الأرض إلى مغاربها . وهم لا يزالون يستخدمونه ويتفنـنـون فيه ويبتكرون له صوراً وأشكالاً بديعةً رائعةً . وجعلوه بديلاً عن التصوير في الفن الإسلامي ، تجنباً من تصوير الكائنات الحية في كثير من الفنون الإسلامية . وما أحسن وأدق قول أبي يوسف إسحاق الكندي ( 185هـ – 256هـ الموافق 801م – 871م ) : ” لا أعلم كتابةً تحتمل من تجليل حروفها وتدقيقها ما تحتمل الكتابة العربية ويمكن فيها من السرعة ما لا يمكن في غيرها من الكتابات ” [1] .
للخط العربي جذور قديمة في الهند . توجد نقوش وكتابات كثيرة باللغة العربية على القصور والمباني القديمة ، تدل على حضور الحضارة العربية الإسلامية العريقة وثقافتها الراقية عبر العصور ، وازدهرت في عهد الإمبراطورية المغولية . فقد تطور الخط العربي وفنونه حتى أصبحت عنصراً مهماً من التراث الثقافي الإسلامي ووسيلةً لزينة المساجد ، والمباني التاريخية ، وجدرانها ، ومناراتها . وتتميز النقوش العربية والرسومات الإسلامية بجودة كتابتها ، وهي مليئة بمعلومات متنوعة تاريخية .
لما طلعت شمس الإسلام في الهند خلال القرن الثامن الميلادي ، امتدت أشعتها إلى أرجائها . وجعل المسلمون يتعلمون اللغة العربية لقراءة القرآن وكتابته . وبدأ الخط العربي يتطور ويتقدم حتى جعل الملوك المسلمون وأمراؤهم يزينون قصورهم وعمائرهم وأدوات منازلهم وتحفهم بنقوش عربية ، مما لا تزال تنطق به آثارهم طول البلاد حتى اليوم . فالهند غنية بالنقوش والرسومات الفنية الرائعة على محاريب المساجد وقبابها وعلى جدران المباني والحصون والقصور وبواباتها ولوحات الأضرحة والأحجار الكريمة . يتجلى فيها فن الخط العربي بصورة رائعة مدهشة جذابة . وتعتبر تفاعلاً ثقافياً ومظهراً حضارياً لتاريخ حكم المسلمين في الهند . وتوثق مسيرة مجهودات فنية ونشاطات ثقافية للملوك المسلمين في شبه القارة الهندية عبر العصور المختلفة .
تتميز الخطوط العربية باكتسابها أشكالاً هندسيةً مختلفةً من خلال المد والتشكيل والاستدارة والتزوية والتشابك والتداخل والتراكيب وغيرها من قواعد الزخرفة والتزيين . واستخدمت في تزيين المساجد والقصور وكتابة المصحف الشريف وتجميل عناوين المخطوطات والكتب ، وألواح الرخام ، والخشب ، وغيرها . ولعب الخطاطون والكاتبون البارعون لشبه القارة الهندية دوراً هاماً في تطور الخط العربي وفنونه . حيث قام العديد منهم بالتطوير والإبداع في الكتابات والرسمات الفنية . مما أسفرت عن أنواع متعددة للخط العربي ، ومن أشهرها الكوفي والنسخ والتعليق والثُلُثْ والرقعة والديواني والهمايوني والفارسي والإجازة والتوقيع والبِهَاري والنَسْتَـعْلِيقْ والطغراء .
الخط الكوفي :
بدأت رحلة الخط العربي في الهند مع الخط الكوفي . وهو أقدم الخطوط العربية ، وأجملها وأكثرها تطوراً وشهرةً ، عرف بهذا الاسم لأنه نشأ وبرز في الكوفة ، ثم انتشر في أنحاء العالم الإسلامي مع الفتوحات الإسلامية . واستخدم لكتابة القرآن الكريم طوال أربعة قرون هجرية حتى احتل مكانةً عاليةً مرموقةً في العصر العباسي ، حيث يعتبر العصر الذهبي للخط العربي بشكل نموذجي على طول سلسلة متعاقبة من ثلاثة كبار خطاطين ، وهم أبو علي محمد بن مقلة ( 272هـ – 328هـ ) وأبو الحسن علي بن هلال بن عبد العزيز المعروف بـ ابن البواب ( 350هـ – 413هـ ) وياقوت المستعصمي المتوفى عام 696هـ . تفنن هؤلاء الخطاطون في ترويج الخط الكوفي ، وأبدعوا كثيراً من فنون الزخرفة والتجميل . وأصبح مظهراً جميلاً للمظاهر الحضارية والفنون الثقافية العربية . وقد يتميز بزخرفة هندسية ، ويقبل التطوير والتحسين والابتكار في الشكل الجمالي العام . كما يمتاز بإيضاح الحروف وإظهار جمالها وروعتها ، ويسهل تعليمه مقارنةً بغيره من الخطوط كالثلث والديواني ، وكلماته غير متداخلة . وقام الخطاطون والفنانون بتعريف أقصى كيفية استفادة الخصائص الزخرفية لهذا الخط . وأبدعوا نماذج رائعةً عظيمةً من التوريقات والزخارف النباتية وغيرها . ومن أهم أنواع الخط الكوفي البسيط والمورق والمزهر المخمل والمضفور والخط الهندسي والتذكاري والخط المصحفي .
وأول نقش عربي تم العثور عليه في شبه القارة الهندية ، هو كتبة المسجد الجامع الذي بني في منطقة بنبهور ( Banbhore ) قرب مدينة كراتشي بولاية السند من جمهورية باكستان الإسلامية حالياً . نقشت هذه الكتبة في الخط الكوفي بعام 728م تقريباً ، وهي تعتبر أقدم النماذج الخطية في شبه القارة الهندية [2] . هي خالية من التشكيل والإعجام ، ولكنها كتبت بخط جميل واضح رصين . وتدل على أن الكتابة العربية كانت متطورةً في شبه القارة الهندية مبكراً [3] .
خط النسخ :
هو أحد الخطوط العربية الذي يجمع بين الرصانة والبساطة ، سمي بخط النسخ ، لأنه يستخدم في نسخ الكتب والرسائل حيث يشعر الكاتب أكثر سهولة وسرعة في قلمه ، ويمتاز بإيضاح الحروف وإظهار جمالها وروعتها . هو خط كامل معتدل واضح ، لا يقع قارئه بأي التباس في تشابه حروفه ، وإذا ضبط بالشكل فلا يفوقه بكماله خط آخر ، يشبه بالثلث والمحقق والريحان ، ويغلب على أشكاله الاستدارة والتساوي . انتشر في شرق العالم الإسلامي ، فاتخذه الخطاطون لكتابة المصحف الشريف منذ القرن الرابع الهجري إلى اليوم . يرجع تاريخه في الهند إلى القرن الثاني عشر الميلادي حيث بدأ حكم المسلمين في شبه القارة الهندية ، واتخذ قطب الدين أيبك مدينة دلهي عاصمة للبلاد في عام 1206م .
دخل النسخ في دلهي عن طريق أفغانستان مع الفتح الإسلامي ، ونال مكانةً مرموقةً لدى الخطاطين والكاتبين حتى شاع استخدامه في الشؤون اليومية وتسجيل القضايا وأوامر الحكومة ونسخ الكتب . وكانت العملات المعدنية والخواتم تضرب بهذا الخط وتتم به مسكوكاتها . تفيد دراسة الخطوط العربية بأن عدداً كبيراً من النقوش العربية التي قد تم العثور عليها في دلهي وأَجْمِـرْ وغوجرات وبنغال . في دلهي توجد آيات قرآنية وكلمات عربية ، كتبت بخط النسخ على محاريب مسجد قوة الإسلام وجدرانه ومئذنته التي تسمى بـ ” قُطُبْ مِنَار ” في اللهجة المحلية ، قد بناه السلطان قطب الدين أيبك . وفي ضاحية مجمع قطب ِمنَار بدلهي توجد قبة الضريح للسلطان ناصر الدين محمود ، وهو الولد الأكبر للسلطان شمس الدين ألْــتَـمَـشْ الذي استمر حكمه في الهند بين سنتي 1211 – 1236م . وهو أقدم ضريح تم بنائه في عام 1229م . تتضمن محاريب القبة من داخلها بنقوش قرآنية رائعة تشبه بالخط الكوفي والنسخ . وهي ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً . لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً . وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً . هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً . لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذٰلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً ) [4] .
وفي منطقة أَجْمِـرْ بـولاية راجستهان مسجد قديم يعرف بـ ” دهائي دن كا جهونبرا ” ( كوخ ذو يومين ونصف ) تم بناؤه في عام 1192م . ويوجد تشابه كبير بين مسجد قوة الإسلام وهذا المسجد ، حيث تلوح على بواباته وجدرانه نقوش عربية مبكرة بخط النسخ والكوفي ، تم تزيينه بفنون زخرفية نباتية جميلة وهندسة محفورة . وفي مكتبة خدا بخش الشرقية العامة بمدينة بـَتْـنَا عاصمة ولاية بهار مخطوطة الجامع الصحيح للإمام محمد بن إسماعيل البخاري في ثلاثة مجلدات محفوظة ، نقلها محمد بن يزدان بخش بخط النسخ ، حيث كان متداولاً لكتابة المصحف الشريف والأحاديث النبوية والكتب الدينية والعلمية .
لما استقر حكم المغول في الهند ، توافد إليها العديد من الأدباء والخطاطين والرسامين والفنانين الفرس والعرب البارزين المشهورين إلى الهند ، ودخلت فنون الخط العربي والفارسي في بلاط الإمبراطورية المغولية ، واهتم به الأمراء والملوك . فقد تعلم وأجاد الخط العربي كل من الملك شاه جهان الذي حكم بين سنتي 1628 – 1658م ، وابنيه دارا شكوه وأَوْرَنغزِيب عَالَمْكِير الذي حكم سنتي 1658 – 1707م . ويتميز أورنغزيب بين الأمراء بالخط الجميل . كان يكتب بخط النستعليق وينسخ المصحف الشريف بيديه . وله مخطوط القرآن الحكيم ولوحات محفوظة في متحف دلهي . يؤكد المؤرخ الهندي الكبير العلامة عبد الحي ابن فخر الدين الحسني في كتابه نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر المعروف بـ الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام : ” إن أورنك زيب كان بارعاً في فنون كتابة الخط العربي ، فكتب في مختلف أنواع الخطوط ، منها خط النسخ وخط النستعليق ، وخط الشِكَسْتَهْ ، حتى بلغ إلى درجة الكمال في هذا الفن الجميل . وكان يقوم بنسخ المصحف الشريف بخط يده قبل أن يعتلي عرش الهند ، وبعث تلك النسخة إلى مكة المكرمة . وبعد جلوسه على العرش كتب نسخة أخرى بيده ، وأنفق على تذهيبها وتجليدها سبعة آلاف روبية هندية ، وبعثها إلى المدينة المنورة . وانتسخ الألفية لابن مالك في مراحل الصبا وأرسلها إلى مكة المكرمة ” [5] . وكانت زيب النساء بنت أَوْرَنغزِي بعالمكير عالمةً وشاعرةً ومثقفةً وعارفةً بالأدب الفارسي والعربي وحافظة القرآن . ولها ديوان معروف للشعر الفارسي . كانت تكتب بخط النستعليق والنسخ والشِكَسْتَهْ . وآخر ملوك السلالة المغولية الهندية بهادر شاه ظفر ( 1775 – 1862 ) كان أديباً وشاعراً كبيراً يحسن الخط ، وله قطع ولوحات نادرة في المتحف الوطني للهند بقلم النسخ والطغراء والنَسْتَعْلِيق .
الخط البِهَارِي :
هو خط عربي ، نشأ وتطور في ولاية بـِهَارْ إحدى الولايات الهندية شمال البلاد ، لذا يسمى بالخط البهاري . والحقيقة أن اسم ” بِهَارْ ” محرف ومأخوذ من ” وِيْهَارْ ” الذي يطلق على المعابد البوذية باللغة البالية ( Pali Language ) ، وسميت ولاية بهار باسمها نسبةً إليها . عرّف هذا الخط العلماء المسلمون لتلك المنطقة وكتابها بواسطة خط النسخ ، وروّجوه في كتاباتهم للمصحف الشريف . وذلك في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين قبل استقرار الحكم المغولي في الهند . ثم انتشر إلى المناطق الأخرى من بنغال ودلهي وتونك وغوجرات . وجاء في معجم مصطلحات المخطوط العربي قاموس كوديكولوجي ( Codicology ) إشارة إلى الخط البهاري ” خط استعمل في الهند من القرن 8هـ /14م إلى القرن 10هـ /16م ” [6] . يمتاز بطول حرف الصاد ، والضاد ، والطاء ، والظاء . ورؤوس العين والغين والواو والفاء والقاف ترسم مثلثة الشكل . والواقع أنه هو شقيق ملازم لخط النسخ الديواني . ويمكن التعرف على النص البهاري من خلال تركيزه على العناصر الخطية لأشكال الحروف العربية ، والتي تكون سمكيته في مراكزها ومنقوشاً مثل السيوف في أطرافها . توجد نماذجها المختلفة بشكل مخطوطة المصحف الشريف وهي مسجلة ومصنفة في مكتبات دول العالم ومتاحفها من مكتبة الكونغرس بواشنطن ومكتبة خدا بخش الشرقية العامة بـ ” بَتْنَا “عاصمة ولاية بهار والمتحف الوطني نيودلهي وأحمد آباد وكَلْـكَـتَّـا ومتاحف باكستان وبنغلاديش ومجمع القرآن الكريم بالشارقة ، كما يوجد له نموذج في المكتبة الظاهرية بدمشق مخطوط ” جامع الأصول في أحاديث الرسول لابن الأثير الجزري ” تحت رقم 210 ، والصفحة الأولى لهذا المخطوط كتبت بالخط البهاري . ومن أقدم نماذج هذا الخط مصحف محفوظ في مجموعة الأمير صدر الدين آغا خان رقم AKM281 في قلعة غَوَالِيَارْ – مادهيابراديش – الهند [7] .
خــط الـثُـلـُث :
هو من أشهر الخطوط العربية التي استخدمت في الهند ، ونال قبولاً واسعاً لدى الخطاطين الفنانين في شبه القارة الهندية تماشياً مع التطور الحضاري والثقافي الإسلامي في الهند . يتميز هذا الخط بالمرونة ومتانة التركيب وبراعة التأليف ، ويتحلى بحروفه الكبيرة والأنيقة والانحناءات الفنية . لذا تتواجد النقوش العربية المبكرة على البوابات والجدران والمحاريب للمساجد والأضرحة والعمائر القديمة بما فيها مسجد قوة الإسلام ومنارته المعروفة بـقُطُبْ مِنَار في دلهي . تمتد حول جداريته الخارجية الطويلة أفاريز من الكتابات القرآنية على الحجر الرملي الأحمر يشد بعضها إلى بعض . وقد يشبه بعض هذه الكتابات ببعض التحف المعدنية في مصر التي ترجع إلى عصر السلطان المنصور سيف الدين قلاوون .
هكذا كتبت آيات قرآنية على محاريب تاج محل وجدرانه ، كما تعتبر الزخارف الخارجية لتاج محل من أجمل زخارف العمارة الإسلامية في العالم . قام الخطاط الكبير عبد الحق أمانت خان الشيرازي بتصميم النقوش الكتابية بخط الثلث والنستعليق على محاريب وأبواب تاج محل ، واختار ألواحاً رخاميةً بيضاء لنقش آيات قرآنية عليها كعناصر جمالية بديعة .
خط النَسْتَعْلِيق :
النستعليق يتكون من كلمتين هما نسخ وتعليق . يتصف بصفات خطي النسخ والتعليق ، ويعد أكثر رشاقة من باقي الخطوط اللينة حتى أصبح من أكثر الخطوط شيوعاً . يقول محمد طاهر المكي في كتابه : ” إن خط التعليق يسمى بـنستعليق ، ومعنى ذلك أن الناس كانوا أكثر مما ينسخون من الرسائل والكتب في العهد المذكور بخط التعليق . فأطلقوا عليه نسخ تعليق لكثرة استعماله ” [8] . وقد يسمى الخط الفارسي عند العرب . فهو واحد من الخطوط الرئيسية المعروفة في شبه القارة الهندية ، ويعتبر أكثر نضوجاً ومرونةً ، شاع وانتشر في العالم الإسلامي منذ القرن الرابع عشر الميلادي ، واستعمله الخطاطون الإيرانيون والهنود والعثمانيون والأفغان ، وبقيت آثارهم تراثاً فنياً إسلامياً بين الخطوط العربية الأخرى . وأصبح أكثر استعمالاً وتداولاً في الهند وبلغ مبلغ الكمال والتمام . بادئ ذي بدء قد استخدم في كتابة المخطوطات المتنوعة والنقوش الحجرية ، ثم زاد استعماله لنقل المصحف الشريف والرسائل الرسمية والشخصية .
يتميز هذا الخط بخفّة ولطافة وليونة في استدارته ، وبانسيابية كبيرة ، وبضآلة خطوطه القائمة وامتلاء مداته وبتوازن حروفه وانسياب امتداداته والوضوح في كتابته . يضطر الخطاط في كتابته إلى تبديل وضع القلم بحيث يختلف عرضه من جزء إلى آخر في الحرف الواحد . جمال هذا الخط يعتمد على مهارة هذا التغيير . وهو أطوع في اليد وأسلس انقياداً من خط التعليق الذي تفرع منه . يغلب على أشكال حروفه الاستدارية البيضوية المفتوحة ، وبعض أجزاء حروفه تحتاج إلى الرسم برأس القلم . ومن مميزات هذا الخط خلوه من التشكل والوسائط التقليدية ، ولا تُخلط حروفه بحروف الخطوط الأخرى ، وإذا دخل عليه حرف من حروف الخطوط الأخرى كالنسخ مثلاً يُسمّى حينئذ ” قرمة تعليق ” وهذه تسمية تركية [9] .
نال هذا الخط قبولاً واسعاً في مختلف دول العالم من إيران وأفغانستان وشبه القارة الهندية والدولة العثمانية ، وبرز فيه خطاطون مجيدون ، وتفننوا بأساليبه لم يسبقهم إليه أحد من قبل . وما زالت في إيران والهند وباكستان حتى الآن تكتب الفارسية والأردية بأسلوب هذا الخط . وقد يسمى هذا الخط بالخط الفارسي نسبةً إلى بلاد فارس ويسمى عند الأتراك العثمانيين خط التعليق أو قرمة تعليق . ويتضح من خلال دراسته بأن النستعليق خط مستخرج من خطوط الرقاع والتوقيع ، حيث استخدم بداية في كتابة المتون وحواشي المخطوطات حتى القرن التاسع عشر الميلادي ، كما يؤدي إلى سرعة الكتابة بهذا الخط وجماليته الفنية . وأقدم مخطوط بخط النستعليق ، كتبه أبو بكر البيهقي ( 384هـ – 458هـ ) ، كان عالماً فاضلاً حافظاً للقرآن الكريم ، صاحب التصانيف الجليلة والآثار المنيرة . وهو يعتبر مخترع قلم النستعليق حيث حدد له أصولاً وشروطاً ، وله مخطوطات كثيرة . ومن آثاره الباقية : مخطوط بنج كنج ( الكنوز الخمسة ) للشاعر الفارسي نظامي الكنجوي ، ومخطوط الديوان الشعري للشاعرالفارسي المعروف سعدي الشيرازي ، ومخطوط الديوان الشعري للشاعر الهندي الكبير أمير خسرو الدهلوي .
وفي العصر المغولي برز الخطاط الأستاذ غلام محمد هَفْت قَلْمِي الذي تلمذ عند قُدْرَت الله خان في النستعليق ، وكان مطلعاً على الآداب الفارسية والعربية ، ويكتب بالأقلام السبعة فعرف بـ هفت قلمي ( ذو سبعة أقلام ) . أقام في دلهي ثم رحل إلى مدينة لكناؤ . وله مؤلفات في فن الخط ، منها ” تذكرة الخطاطين ” . ومن الخطاطين المشهورين الآخرين تشندر بَهان المُنْشِي ، وسبح بهان ، وعنايت الله الشيرازي ومحمد إسماعيل الغافل المازندراني ومحمد أفضل اللاهوري وأحمد بن الله يارخان وأخوه محمد حفيظ خان وسيد محمد أمير الرضوي وآغا ميرزا وغيرهم الكثير .
الطُغْرَاء أو الطُغْرَى :
هي إحدى الخطوط العربية الرئيسية التي استخدمت في الهند . تكتب طُرَّة ، وطُغْرَى ، وطُغْراء ، يرجع أصلها إلى ” طورغاني ” بلغة التتار ، تعني علامة مرسومة على رسالة أو وثيقة . وهو شكل جميل وعلامة رسمية سلطانية . كان يستخدم في الأوامر السلطانية والعملات والنقود والأختام والطوابع البريدية . يكتب بخط الثلث على طراز مخصوص . ولكل حقبة زمنية أسلوب خاص بها . فتطور نظراً لتغيير الأوضاع لكل زمان ومكان . وكان لها موظف خاص يعمل في ديوان الدولة باسم ” الطغرائي ” .
والواقع أن فن الخط العربي تطور وازدهر كثيراً في الهند . واهتم به الأمراء والملوك وقاموا بتشجيع الخطاطين والفنانين والكاتبين ورعايتهم ، ولم يكن هذا الفن مقتصراً على استخدام النقوش واللوحات الحجرية فحسب ، بل لعب دوراً ملموساً في نسخ المخطوطات وكتابة المصحف الشريف .
* مستشار مركز البحوث والوثائق التاريخية – دولة الكويت .
[1] محمد طاهر بن عبد القادر المكي الخطاط ، تاريخ الخط العربي وآدابه ، مكتبة الهلال ، السكاكيني ، جمهورية مصر العربية ، 1939م ،ص 160 .
[2] محمد يوسف صديق ، دراسة النقوش العربية في الدولة المغولية في بلاد الهند وأثرها الحضاري ، رسالة الدكتوراه غير مطبوع ، العام الدراسي 1987 – 1986م ، جامعة أم القرى ، مكة المكرمة ، المملكة العربية السعودية .
[3] Rahman, Pares Islam Syed Mustafizur. Islamic Calligraphy in Medieval India. University Press Limited, Dhaka, Bangladesh,1979, P.22-23.
[4] سورة الفتح : الآية 1 – 5 .
[5] نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر المعروف بــ الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام ، العلامة عبد الحي فخر الدين الحسني ، دار ابن حزم ، بيروت ، لبنان ، 1999م .
[6] معجم مصطلحات المخطوط العربي ( قاموس كوديكولوجي ) أحمد شوقي بنبين ، مصطفى طوبي ، مطبعة الوراقة الوطنية ، مراكش ، المغرب ، ط ١ ، سنة 2003م ، ص 43 .
[7] موقع شبكة https://collections.agakhanmuseum.org/collection/artifact/quran-manuscript-akm281
[8] محمد طاهر بن عبد القادر المكي الخطاط ، تاريخ الخط العربي وآدابه ، مكتبة الهلال ، السكاكيني ، جمهورية مصر العربية ، 1939م .
[9] التكوين الفني للخط العربي وفق أسس التصميم ، د . أياد حسين عبد الله الحسيني ، وزارة الثقافة بغداد ، ٢٠٠٣م ، ص ٣٢ .

