من هم أهل السنة والجماعة
مايو 24, 2026الهجرة النبوية : دروس وعبر تصنع الأمم
أغسطس 26, 2026التوجيه الإسلامي :
من هم أهل السنة والجماعة
بقلم : العلامة السيد سليمان الندوي رحمه الله تعالى *
تعريب : محمد فرمان الندوي
( الحلقة الثامنة )
كما أن في الإسلام كثيراً من الفرق التي لا تندرج في نطاق الإسلام ، كذلك هناك فرق كثيرة تَعُدّ نفسها من أهل السنة والجماعة ، لكنها لا تمت إليها بصلة ، وكان السبب وراء ذلك أن الأصول التي رتبها علماء أهل السنة قديماً قام فيها بتحريف صريح المتأخرون من أهل السنة ، خوفاً من تساؤلات العقلانيين الآخرين ، وانحرفوا عن الجادة المستقيمة ، فإنهم يسمون أنفسهم بأهل السنة ، بل يعتبرونهم مصداقاً حقيقياً لكلمة أهل السنة .
انقسم أهل السنة منذ القرنين الثالث والرابع الهجري في ثلاثة أقسام : الأشاعرة والحنابلة والماتريدية .
الأشاعرة ينتمون إلى الإمام أبي الحسن الأشعري ( المتوفى 270 ) ، وكان يُعتبر شارحاً لعقائد الإمام الشافعي ، فجميع الشوافع أشاعرة ، والحنابلة ينسبون أنفسهم إلى الإمام أحمد بن حنبل ، والماتريدية هم أتباع أبي منصور الماتريدي ، وهو تلميذ الإمام أبي حنيفة من عدة طرق ، فاعتبره الحنفية إماماً في العقائد .
هذه الفرق التي تعتبر المشائخ أمثال أبي حينفة والشافعي وأحمد ابن حنبل مؤسسيها وأئمتها لا يثبت عنهم بسند صحيح أي كتاب في العقائد ، بل تؤثر عنهم جمل وأقوال مفردة ، وهي على آراء قدماء أهل السنة والسلف الصالح ، فالخطأ الفاحش الذي صدر من متأخري أهل السنة أنهم اختاروا أسلوب الادعاء في القضايا التي سكتت عنها الشريعة الإسلامية ، ولم يفوضوها إلى الله تعالى ، وأدرجوا كثيراً من القضايا الفلسفية التي ليست لها علاقة بالشريعة ، في باب العقائد .
الحنابلة أكثر الناس ادعاءً بانتمائهم إلى أهل السنة والجماعة ، فإنهم يعتبرون الأشاعرة ضالةً ، كما تعد الأشاعرة المعتزلة ضالةً ، ومنحرفةً ، فالخلافات العلمية التي وقعت في بغداد بين الحنابلة والأشاعرة كانت تجدِّد جهاد غزوة بدر وحنين – أعاذنا الله منها – ، والماتريدية تعتبر نفسها أهل السنة في مؤلفاتها أمثال عقيدة البزدوي وتمهيد أبي سالم وغيرها ، كذلك حال الأشاعرة ، الواقع أننا إذا قارنا بين أقوال السلف الصالح وآراء المتأخرين من أهل السنة كان حالنا كما يقول الشاعر :
كہ ياران ديگرے را می پرستند
( إن أصدقائي يحبون أحباء آخرين )
أما قول الظاهرية والحنابلة أن الله في السماء ، وأنه استوى على العرش ، وقول الجهمية والمعتزلة الذين يؤيدهم الأشاعرة والماتريدية وغيرهم من مدعي السنة أن الله ليس بموجود في حيز ، وهو منزه عن الجهة والهيئة ، فإنهم سواسية في مجاوزة حدود الشريعة ، أما قول المشبهة أن لله جسماً ، وله يد وفم ورجل ، واعتقاد الأشاعرة والماتريدية بالإضافة إلى المعتزلة أن الله ليس له جسم ولا جوهر ولا عرض ، وليس هو بمتشكل ، ولا بمتخيل ، فإن الكتاب والسنة خاليان عن دلالة هذه الأمور ، وأما اعتقاد الكرامية أن جميع الصفات الإلهية حادثة ، واعتقاد المعتزلة أن كلام الله حادث فيعتبر أصل الانحراف العقدي ، ومنبع شتى أنواع الكفر والضلال ، لكن الأشاعرة إذا لم تقل عن الصفات الإضافية مثل الخلق والرزق أزلية وقديمة ، فلماذا لا يوجه إليهم سهام الطعن أيضاً ، بحيث إن الشريعة كما سكتت عن الأول والثاني ، كذلك لم تصرح بالثالث ، وعلى هذا المنهج قول المعتزلة أن الصفات عين ذات الله تعالى ، واعتقاد الحنابلة أن الصفات غير ذات الله ، وقول الأشاعرة والماتريدية أن الصفات قائمة بالذات ، ليست عين الذات ولا غير الذات ، فإنها سواء في العدول عن الشريعة والخروج منها ، بحيث لم تصرح بها الشريعة ، وقول الجبرية أن الإنسان مسلوب الاختيار مثل النبات والجماد ، وقول القدرية أن الله كامل الاختيار ، وقول الأشاعرة أن كسبنا وعملنا أيضاً له دخل فيه ، لكن لا أثر لكسبنا في هذا الفعل ، بل هو مباشرةً فعل الله تعالى ، وقول الماتريدية أن كسبنا يدخل مع خلق الله في الفعل ، معناه أن الله والعبد خالقان على السواء في إيجاد فعل ، وهذه الأنواع الأربعة لا تتفق وروح الشريعة الإسلامية .
يقول المعتزلة عن القرآن : إنه مخلوق وحادث ، فبناءً على هذا أفتى أهل الظواهر من المحدثين في ذلك العصر بأنهم كفار ، وبالرغم من المعتزلة أبدوا هذا الفكرة أن القرآن غير مخلوق ، وحادث ، لا من حيث المعنى بل من حيث اللفظ أيضاً ، انظروا إلى الدليل أن اسم الله تعالى في القرآن الكريم ، وهل الله مخلوق وحادث ؟ ومن اعتقد في كونه مخلوقاً غير حادث فليس هو إلا كافراً ، وفي نهاية المطاف رفض المتأخرون منهم أي الأشاعرة والماتريدية هذا الدليل السخيف استهزاءً به ، وبعد ما دققوا تدقيقاً فلسفياً قدموا هذا التفصيل أن للكلام مفهومين : الأول ما يكون في قلب المتكلم ، والثاني ما يكون مجموعة ألفاظ وكلمات ، وهي تعبر عن المفهوم الأصلي والكلام الداخلي ، فالأول قديم ، وغير مخلوق ، والثاني حادث ومخلوق .
لكن الذين كانوا أتباع الكتاب والسنة في ذلك الزمان ، ويعتبرون أنفسهم من أولي البصر والبصيرة لم يبالوا بهذا الجدال الشعبي ، ولم ينحرفوا عن العدل والصدق في معاداة المعتزلة ، بل قالوا بكل صراحة : القرآن كلام الله تعالى فحسب ، فلا نقول عنه : إنه خالق ، ومخلوق ، فكان هذا الجواب صحيحاً ، لأن الكلام عن القرآن أنه مخلوق كما هو شر ، كذلك الاعتقاد أنه ليس بمخلوق يحمل فساداً وزيغاً .
فيتضح من هذه التصريحات أن تاركي السنة ومتأخري أهل السنة الذين قاموا بتعديل في مبادئ أهل السنة منبهرين بالمعتزلة والفرق العقلانية الأخرى ، وحاولوا صياغة دينهم وفق الأصول العقلية ، لم يكن بينهما فرق كبير من حيث النتيجة ، ولا علاقة لأقوال هؤلاء المتأخرين بعقائد وأفكار أهل السنة والسلف الصالح ، وإذا كانت هناك أي صلة فهي أنهم يكونون أقرب إلى الكتاب والسنة .
فإذا ما أخبرت الشريعة عن قضية ، ولم تعتبر معرفتها وبيان تفاصيلها بالعقل أساساً للإيمان ، ولم يطالب بالإيمان بها داعي الإسلام من أتباعهم من أي جهة ، فهل يكون اختياركم الرأي نفياً أو إثباتاً عنها واعتبارها دعامةً أساسيةً للإسلام استكشافاً للحقيقة ؟ وهل يكون عملكم في هذا الأمر إزاء أعمال فرق أخرى مستحسناً ؟ فإذا كانت عقولكم دليلاً على حل هذه المعضلات فتتقدمون إلى الأمام ، وتستغنون عن بعثة الأنبياء والرسل – والعياذ بالله – .
وقد بايع على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم حوالي مائة ألف من الناس بيعة الإيمان والإسلام ، هل تعرفون تلك البنود التي يقوم عليها إيمانهم وإسلامهم ؟ وهل جاءت أمامهم أي قضية من قضاياكم الكلامية البالغة إلى مئات ، فإذا كان الجواب في نفي فماذا تقولون عنهم في ضوء الأصول والمبادئ المفروضة ؟ وكان إيمانهم كما ذكر في أول وآخر سورة البقرة ، قال الله تعالى : ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) [ البقرة : 285 ] ، وقال تعالى في بداية سورة البقرة : ( يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) [ البقرة : 4 ] .
وهناك آيات كثيرة من هذا النوع ، ذكر الله تعالى فيها الأسس التي يجب الإيمان بها ، فإذا آمن رجل بالقرآن وبما يوجد فيه فإنه آمن بكل ما فيه إجمالاً أو تفصيلاً ، وقد تضمن هذا الإيمان الإيمان بصفات الله التي ذكرت فيه ، وما ورد فيه من الكتب السماوية والملائكة والرسل ، وما ذكر من القيامة والحشر والنشر والجنة والنار ، فكانت عقيدة أهل السنة والسلف الصالح أن يكون الإيمان بكل من هذه الأمور في ضوء الشروط والاعتبارات والحدود ، التي طالب بها القرآن وثبت ذلك بالسنة الصحيحة والمتواترة ، لأنه قد ثبت إجماعاً أن العقائد لا تثبت إلا بالقرآن الكريم ، وبالأحاديث التي رويت بالتواتر ، لأن خبر الآحاد لا يستلزم اليقين ، فلا يكون أساساً للأمور اليقينية ، والإيمان عبارة عن الأمور اليقينية .
وقد أصيب الظاهرية وعامة المحدثين بعدم رعايتهم لهذه النكتة بالخطأ الفاحش ، وجمعوا كل رطب ويابس وأخبار الآحاد والمتواتر ، وقالوا : لا بد بها من الإيمان ، فعلى سبيل المثال طالعوا كتب البيهقي : الأسماء والصفات ، فإذا كان هناك حذر وحيطة كان علم كلام المحدثين علم الكلام للإسلام .
( للبحث صلة )
* كبير علماء الهند ، وشيخ الندويين .

