الهجرة النبوية : دروس وعبر تصنع الأمم
أغسطس 26, 2026التوجيه الإسلامي :
من هم أهل السنة والجماعة
بقلم : العلامة السيد سليمان الندوي رحمه الله تعالى *
تعريب : محمد فرمان الندوي
( الحلقة التاسعة )
قال شاعر فارسي : شب آخر گشتہ وافسانہ از افسانہ مي خيزد
معناه : أوشكت الليل على الانقضاء ، وتنبثق من كل حكاية حكاية جديدة .
ذكرنا في الحلقة الماضية أن قدماء أهل السنة قد وضعوا قاعدتين :
(1) إن ما علّم النبي صلى الله عليه وسلم أمته من عقائد وأعمال لا يمكن أن يُزاد أو يُنقص فيه شيئ .
(2) يجب الإيمان بما ذكر القرآن الكريم من العقائد وذات الله تعالى وصفاته ، أو ما ثبت من الرسول صلى الله عليه وسلم بالتواتر ، وما فسَّره الرسول صلى الله عليه وسلم إجمالاً أو تفصيلاً ، فلا يصح أن يفسر ذلك بعقل الإنسان وقياسه واستنباطاته ، وليس الإيمان به جزءً من عقيدتنا .
هاتان القاعدتان لا حاجة لإثباتهما إلى مزيد من الدليل ، لأننا قلنا سابقاً أن أكثر هذه القضايا لا يحكم فيها العقل نفياً أو إثباتاً ، لأنها خارجة عن حدوده ، فكانت الحاجة إلى نبي أو رسول يعلمنا الأشياء التي تخرج عن حدود علمنا ، وتكون مفيدةً لنا إلى حد كبير ، فإذا كان الأمر صحيحاً فإن تفسير هذه القضايا عقلياً أو الزيادة فيها ، أو حذفها إبطال للدعوى السابقة .
وبغض النظر عن هذا القياس لا بد لنا أن نثبت صحة هاتين القاعدتين في ضوء الكتاب والسنة ، فنلفت أنظار قرائنا إلى السطور الماضية التي أثبتنا فيها صحة هاتين القاعدتين من الكتاب والسنة ، والآن نريد أن نقدم في ضوء أقوال أئمة السلف وقدماء أهل السنة أنه ماذا كان يُراد من كلمة أهل السنة قبل نشوء هذه الفرق المتداولة .
يذكر الإمام مالك بن أنس رحمه الله عقيدة أهل السنة :
” الكلام في الدين أكرهه ، ولا يزال أهل بلدنا يكرهونه ، وينهون عنه نحو الكلام في رأي جهم ، والقدر وما أشبه ذلك ، ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل ، فأما الكلام في دين الله وفي الله عز وجل فالسكوت أحب إلي ، لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين إلا فيما تحته عمل ” ( جامع بيان العلم ، ابن عبد البر ، باب ما يكره فيه المناظرة والجدال والمراء : ص 155 ، الطبعة المصرية ) .
فلم يذكر الإمام مالك رحمه الله هنا موقفه فقط ، بل ذكر منهج السلف الصالح من قبل ، فيتجلى منه أن ميزة السلف الصالح هي العمل لا الخيال والفكرة ، فلا يتكلمون إلا في أمور ، يجب أن نعمل بها فعلاً .
ويكتب الإمام البخاري في كتابه : خلق أفعال العباد عن منهج السلف الصالح :
” وإنهم كرهوا البحث والتنقيب عن الأشياء الغامضة وتجنبوا أهل الكلام والخوض والتنازع إلا فيما جاء فيه العلم أو بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم ” .
ويذكر الإمام الترمذي أصول أئمة الحديث :
” والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس ، وسفيان بن عيينة ، وابن المبارك ، ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء ، وقالوا : نروي هذه الأحاديث ، ونؤمن بها ، ولا يقال : كيف وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن يرووا هذه الأشياء كما جاءت ، ويؤمن بها ، ولا تفسر ، ولا يتوهم ، ولا يقال كيف ، وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه ” .
ويذكر المحدث ابن عبد البر منهج أهل السنة :
” لأن الله جل وعز لا يوصف عند الجماعة أهل السنة إلا بما وصف به رسوله ، أو أجمعت الأمة عليه ، وليس كمثله شيئ ، فيدرك بقياس أو بإمعان نظر ، وقد نهينا عن التفكر في الله ، وأمرنا بالتفكر في خلقه الدال عليه ” ( جامع بيان العلم ، ص : 513 ، طبعة مصر ) .
ويذكر الإمام البيهقي قاعدة أهل السنة المتفق عليها :
فأما الاستواء فالمتقدمون من أصحابنا رضي الله عنهم كانوا لا يفسرونه ولا يتكلمون فيه كنحو مذهبهم في أمثال ذلك .
وورد في سنن دار قطني حديث برواية نهشل الخراساني [1] أنه قد اجتمع في مسجد خيف بمكة المعظمة ضحاك بن مزاحم ، وحسن بن أبي الحسن ، وطاؤس اليمني ، ومكحول الشامي ، وعمرو بن دينار المكي الذين كانوا أئمةً ، ومحدثين وتابعين في بلادهم ، وتكلموا حول القدر ، فقال طاؤوس الذي كان أعرفهم : اسكتوا قليلاً حتى أسمعكم حديث أبي الدرداء رضي الله عنه ، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله افترض عليكم فرائض فلا تضيعوها ، وحدد لكم حدودا فلا تعتدوها ، ونهاكم عن أشياء من غير نسيان فلا تكلفوها ، رحمة من ربكم فاقبلوها .
وإن ما قال العلامة الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث جدير بالذكر بهذه المناسبة : ” لم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه من طريق صحيح التصريح بوجوب تأويل شيئ من ذلك ، ولا المنع من ذكره ، ومن المحال أن يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بتبليغ ما أنزل إليه من ربه ، وينزل عليه ( اليَومَ أكمَلتُ لَكُم دِينَكُم ) ، ثم يترك هذا الباب ، فلا يميز ما يجوز نسبته إليه ، مما لا يجوز مع حضه على التبليغ عنه بقوله : ليبلغ الشاهد الغائب حتى نقلوا أقواله وأفعاله وأحواله وصفاته ، وما فعل بحضرته فدلّ على أنه متفق على الإيمان بها على الوجه الذي أراده الله منها ، ووجب تنزيهه عن مشابهة المخلوقات بقوله تعالى : ( لَيسَ كَمِثلِهِ شَيئ ) ، فمن أوجب خلاف ذلك بعدهم فقد خالف سبيلهم ، وبالله التوفيق ” ( فتح الباري ، باب قول الله : واصنع الفلك ) .
إن مدلول الحافظ ابن حجر من هذه العبارة أن الله تعالى قد بلَّغ إلى الناس ما أراد أن يبلغ على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، ثم بلغ الصحابة رضي الله عنهم من بعدهم ما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم ، فلو كانت هذه المسائل من أصول الدين وثوابته لانضمت إلى تعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكان النبي صلى الله عليه وسلم ركز عليها كثيراً ، يقول الإمام أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي رحمه الله :
” واعلم أن الله سبحانه وتعالى أجل من أن يدرك بالعقول أو الحواس أو تكون صفاته أعراضاً قائمةً به ، كقيام الأعراض بالجواهر ، أو تكون على وجه تدركه العقول العامية ، أو تؤديه الألفاظ المتعارفة ، ومع ذلك فلا بد من تعريف الناس به ، ليحصل لهم من كمال الإنسانية ما يمكن حصوله ، فلا مناص من استعمال هذه الألفاظ في حقه تعالى ، على وجه يفهم منه لوازمها وآثارها ، لا حقائقها ، فنثبت له الرحمة ، ونريد بها إفاضة الإحسان ، لا رقة القلب ، ونثبت له القدرة والعزة ، ونحو ذلك على ما يليق بجلاله ، ونستعير لذلك الألفاظ الموضوعة في الأصل لأحوال البشر ، إذ لا نجد في لغتنا ما هو أولى منها ، وكذلك تستعمل ألفاظ التشبيه بشرط ألا يُراد بها حقائقها ، بل المعاني اللائقة بالله تعالى ، وقد اتفقت الشرائع الإلهية على هذا ، وعلى إمرار هذه الألفاظ كما جاءت ، وترك التعمق والبحث فيما وراء ذلك ، وكان هذا مذهب القرون المشهود لها بالخير ، ثم حدث بعدهم أقوام خاضوا في هذه المباحث بغير نص قاطع ، ولا دليل محكم ” ( حجة الله البالغة ، باب في حقيقة التوحيد ) .
ويقول الإمام الدهلوي في رسالة تتحدث عن وصاياه باللغة الفارسية :
” أول دعوة لهذا الرجل المسكين هي التمسك بالكتاب والسنة في العقيدة والعمل ، والتأمل والاستمرار في التفكير ، واعتماد معتقدات قدماء أهل السنة ، وعدم الخوض والبحث فيما لم يبحثوا فيه ، وعدم الالتفات إلى الشكوك الساذجة للعقلانيين ” .
( للبحث صلة )
* كبير علماء الهند ، وشيخ الندويين .
[1] آخر كتاب الأشربة ، دار قطني ، المجلد الثاني ، نهشل راو ضعيف ، فيمكن أن هذا الحديث لا يصل بسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، لكنه ينكشف منه حال ذلك الزمان على الأقل ، وكان هذا العصر عصر تبع التابعين .

