من هم أهل السنة والجماعة
أغسطس 26, 2026من هم أهل السنة والجماعة
أغسطس 26, 2026الدعوة الإسلامية :
الهجرة النبوية : دروس وعبر تصنع الأمم
الباحث خالد . ك *
مع إطلالة شهر الله المحرم ، تتجدد في قلوب المسلمين ذكرى عظيمة ومحطة تاريخية فارقة : الهجرة النبوية الشريفة . لم تكن هذه الهجرة مجرد انتقال جسدي من مكة إلى المدينة ، بل كانت تحولاً جذرياً في مسار الدعوة الإسلامية ، ونقطة انطلاق لبناء أمة ودولة ، ورمزاً خالداً للثبات والتضحية والأمل . في هذا الشهر المبارك ، الذي يبدأ به عام هجري جديد ، يحين بنا المقام لنتدبر في الدروس العميقة والعبر الخالدة التي خطّتها هذه الرحلة المباركة ، وكيف يمكن أن نستلهم منها منهج حياة يُعيننا على بناء حاضرنا ومستقبلنا على أسس الإيمان والتخطيط والتوكل .
التضحية والإخلاص لله تعالى :
من أولى العبر التي نتعلمها من الهجرة هي التضحية العظيمة في سبيل الله . لقد ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببلده الذي أحبه ، وبذل الصحابة الكرام رضي الله عنهم أموالهم وديارهم وأهليهم في سبيل نصرة الدين وإعلاء كلمة الله . فها هو النبي صلى الله عليه وسلم يخرج من مكة وهو يقول بقلبٍ يعتصره الألم : ” والله إنك لأحب أرض الله إلى الله ، وأحب أرض الله إليّ ، ولولا أن أخرجت منك ما خرجت ” . [ رواه الترمذي في سننه ، كتاب المناقب ، باب في فضل مكة ، رقم الحديث : 3925 ، وقال حديث حسن صحيح ] . وهذا صهيب الرومي يترك كل ماله لقريش ليفسحوا له المجال للهجرة ، فيربح بيعه مع الله . وهؤلاء المهاجرون يتركون كل عزيز لديهم ، فيعوضهم الله تعالى خيراً مما تركوا ، بفتح الدنيا عليهم وتمكينهم في الأرض .
إن هذا يعلمنا أن الإخلاص في العمل لله تعالى هو أساس قبول الأعمال وبركتها . فقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يبذل ماله ونفسه في سبيل الله ورسوله ، ورغم ذلك رفض النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ الراحلة منه إلا بالثمن ، تأكيداً على أهمية أن تكون النفقة في سبيل الله خالصةً من مال المرء ، وأن كل عمل تعبدي يفتقر إلى النفقة ، الأولى أن تكون نفقته من ماله الخاص . وهذا يؤكد حديث ” إنما الأعمال بالنيات ” : ” عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ؛ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ؛ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ” . [ متفق عليه ، رواه البخاري في صحيحه ، كتاب بدء الوحي ، باب كيف كان بدء الوحي ، رقم الحديث : 1 ، ومسلم في صحيحه ، كتاب الإمارة ، باب قوله صلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال بالنية ، رقم الحديث : 1907 ] . فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه .
التخطيط المحكم والأخذ بالأسباب مع التوكل على الله :
إن الهجرة النبوية أبلغ دليل على أهمية التخطيط الدقيق والأخذ بالأسباب ، حتى مع كمال التوكل على الله . فالنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو المؤيد بالوحي ، لم يعتمد على المعجزات وحدها ، بل وضع خطة محكمة للهجرة ، ووزع الأدوار بعبقرية وحكمة . فكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه فدائياً ينام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم ، وعبد الله بن أبي بكر رضي الله عنه كان يقوم بدور الاستخبارات ونقل الأخبار ، وأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها كانت تقوم بدور التموين وإعداد الطعام ، وعامر بن فهيرة رضي الله عنه كان يزيل آثار الأقدام ، وعبد الله بن أريقط ، وهو مشرك لكنه أمين وماهر ، كان دليلاً على الطريق .
هذا التخطيط الدقيق لا يتعارض أبداً مع التوكل الصادق على الله . بل هو عين التوكل ، فالنبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن الأسباب لا بد منها ، وأن الله قادر على كل شيئ ، ولكنه أراد أن يعلمنا أن نأخذ بالأسباب مع الثقة المطلقة به . ففي الغار ، حين خاف أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم ، أجابه النبي صلى الله عليه وسلم بكل ثقة ويقين : ” لا تحزن ، إن الله معنا ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ ” [ رواه البخاري في صحيحه ، كتاب التفسير ، سورة التوبة ، باب ( إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ) ، رقم الحديث : 4683 ] . وقد رأينا كيف حول الله سراقة بن مالك ، الذي جاء طالباً لهما ، إلى ناصر ومعين يذب عنهما ، وذلك حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ” أخف عنا ” . [ رواه البخاري في صحيحه ، كتاب مناقب الأنصار ، باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة ، رقم الحديث : 3906 ] .
الإخاء والتعاون وبناء المجتمع :
في المدينة المنورة ، تجلت معاني الإخاء والإيثار بأبهى صورها بين المهاجرين والأنصار . لقد تناسى أهل المدينة خلافاتهم وحروبهم القديمة ، واحتضنوا إخوانهم المهاجرين بكل حب وإيثار . كان الأنصاري يقاسم أخاه المهاجر كل ما يملك ، بل ويعرض عليه ماله وبيوته وزوجاته ، في مشهد لا مثيل له في تاريخ الإنسانية ، بينما كان المهاجر يتعفف ويطلب أن يدله على السوق ليعمل ويكتسب . هذا التآخي هو الأساس الذي قامت عليه الدولة الإسلامية في المدينة ، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ، وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) [ آل عمران : 103 ] .
إن هذا الدرس يدعونا إلى نبذ التهاجر والتناحر والاتحاد على كلمة سواء ، لبناء مجتمعاتنا ووطننا . فالأمة الإسلامية متى اجتمعت واتحدت ، لم يستطع أحد النيل منها ، لأن يد الله مع الجماعة .
السعي على الرزق والكسب والعمل :
من الدروس العملية المهمة في الهجرة ، التأكيد على قيمة السعي على الرزق والكسب الحلال . فعلى الرغم من الإيثار العظيم من الأنصار ، لم يقعد المهاجرون عن العمل ، بل سعوا في الأرض طلباً للرزق . ومثال ذلك عبد الرحمن بن عوف الذي سأل سعد بن الربيع أن يدله على السوق ، وما هي إلا فترة وجيزة حتى أصبح من أغنى أغنياء المدينة .
لقد حث الإسلام على العمل والاحتراف ، وقد كان جميع الأنبياء عليهم السلام يعملون ويتكسبون . فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِياً إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ . فَقَالَ أَصْحَابُهُ : وَأَنْتَ ؟! فَقَالَ : نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ ” . [ رواه البخاري في صحيحه ، كتاب الإجارة ، باب رعي الغنم على قراريط ، رقم الحديث : 2272 ] . ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان يعمل بيده ويساعد أهله ، ليرغب المسلمين في العمل والبناء والتعمير . فمن العار أن يكون المسلم عالةً على غيره ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، كما في الحديث : ” لأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَتَصَدَّقَ مِنْهُ فَيَسْتَغْنِيَ بِهِ عَنْ النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلاً أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا أَفْضَلُ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ ” . [ رواه الترمذي في سننه ، كتاب الزكاة ، باب ما جاء في كراهية المسألة ، رقم الحديث : 681 ، وقال : حديث حسن صحيح ] .
الثبات على الموقف والبحث عن الحل الشامل :
الهجرة تعلمنا أيضاً الثبات على الموقف الحق ورفض الحلول الترقيعية والتخديرية . فالنبي صلى الله عليه وسلم رفض كل مساومات المشركين التي كانت تهدف إلى التنازل عن مبادئ الدين ، ومضى يبحث عن حل شامل لدعوته ، وهو إقامة دولة الإسلام . وهذا يؤكد أن الحل الشامل لأزمات الأمة يكمن في استقلالها الكامل والتخلص من التبعية الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية لأي جهة .
هجرة المعاصي والآثام :
ختاماً ، تذكرنا الهجرة النبوية بمعنى أعمق للهجرة ، وهي هجرة المعاصي والآثام . فالمهاجر الحقيقي هو من هجر ما نهى الله عنه . قال تعالى : ( وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ) [ المدثر : 5 ] . وقال صلى الله عليه وسلم : ” المُسلم من سَلِم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر مَن هجر ما نَهى الله عنه ” . [ متفق عليه ، رواه البخاري في صحيحه ، كتاب الإيمان ، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، رقم الحديث : 10 ، ومسلم في صحيحه ، كتاب الإيمان ، باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل ، رقم الحديث : 40 ] . وإذا لم يكن في حقنا الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام ، فإنه يجب علينا الهجرة من معصية الله إلى طاعته وطاعة رسوله . وعلينا أن نخرج من المظالم ، فلا نظلم عاملاً ولا أي إنسان ، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم : ” الظلم ظلمات يوم القيامة ” . [ رواه البخاري في صحيحه ، كتاب المظالم والغصب ، باب الظلم ظلمات يوم القيامة ، رقم الحديث : 2447 ] .
إن الهجرة النبوية هي حدث خالد في ذاكرة الأمة ، يحمل في طياته دروساً لا تنضب ، لو استلهمتها الأمة وطبقتها في واقعها ، لعادت لها عزتها ومجدها . فاللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه .
* باحث الدكتوراه ، تحت إشراف د . فردوس ، قسم اللغة العربية بكلية أم إي أس ممباد ، جامعة كالكوت ، كيرالا ، الهند .

