توحيد الألوهية وما له من دلالات ( الحلقة الثانية )
مايو 24, 2026مقاصد الأخلاق ومناهجها في التشريع الإسلامي
مايو 24, 2026الدعوة الإسلامية :
الاستقامة في الدين : مقتضياتها ونواقضها
بقلم : الأستاذ فيصل أحمد الندوي *
الاستقامة : مشتقة من القيام : ومعناها : القيام على حد المأمور به والمنهي عنه ، أو هي التوسط والاعتدال والمضي على المنهج المقرر دون أي انحراف ، فلا إفراط ولا تفريط ، ولا غلو ولا تقصير ، فإن كلاً منهما زيغ عن الصراط المستقيم ، وحيد عن سواء السبيل .
قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه : الاستقامة : أن تستقيم على الأمر والنهي ، ولا تروغ روغان الثعلب [1] .
وقال أبو القاسم القشيري : الاستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها ، وبوجودها حصول الخيرات ونظامها ، ومن لم يكن مستقيماً في حالته ضاع سعيه وخاب جهده .
قال الله تعالى : ( وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً ) [2] ، ومن لم يكن مستقيماً في صفته لم يرق من مقام إلى غيره ، ولم يبق سلوكه على صحته [3] .
وقال بعض العلماء : الاستقامة هي الدرجة القصوى التي بها كمال المعارف والأحوال ، وصفاء القلوب في الأعمال ، وتنزيه العقائد عن سفاسف البدع والضلال [4] .
والاستقامة تعرف باتباع الكتاب والسنة ، ولزوم الجماعة ، كما قال الحارث المحاسبي : أصل الاستقامة في ثلاثة : ” اتباع الكتاب والسنة ، ولزوم الجماعة ” [5] .
وللاستقامة جوانب كثيرة ، وليست الكتابة عنها أمراً يسيراً ، حتى نعرج على جميع جوانبه ، ولا غرو إذ الأمر بالاستقامة كان حملاً ثقيلاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” شيبتني هود وأخواتها ” ، وذلك لأنه أمر فيها بالاستقامة بقوله تعالى : ( فَاستَقِم كَمَا أُمِرتَ ) [6] .
وهي تشمل العقائد والأفكار والعبادات والأعمال ، فالاستقامة في العقائد تقتضي الإيمان بالله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ، والاستقامة في العبادات والأعمال تقتضي التزام كتاب الله وما فسرته سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بدون تحكم بالرأي والقياس ، وقد انحرف كثير من الناس عن الصراط المستقيم ، فهناك طائفة من أهل العلم من المتكلمين حملوا صفات الله تعالى على غير ما وصف الله به نفسه ، واتبعوا ما تشابه من عالم الغيب ، كما أن طائفة من أهل العبادة والزهد من المتصوفين ابتلوا بالمغالاة في أمر التوحيد والعقائد والعبادة ، ومخالفة ظاهر الشريعة بتأويلات كاسدة .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : والمسلم الصادق إذا عبد الله بما شُرع فتح الله عليه أنوار الهداية في مدة قريبة ، فالمهتدون من مشائخ العباد والزهد يوصون باتباع العلم المشروع ، كما أن أهل الاستقامة من العلم يوصون بعلمهم الذي يسلكه أهل الاستقامة من العباد والزهاد ، وأما المنحرفون من الطائفتين فيعرضون عن المشروع ، إما من العلم وإما من العمل ، وهما طريق المغضوب عليهم ، والضالين .
قال سفيان بن عيينة : كانوا يقولون : ” من فسد من العلماء ففيه شبه من اليهود ، ومن فسد من العباد ففيه شبه من النصارى ” [7] .
وعن عاصم قال : قال أبو العالية : تعلموا الإسلام ، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه ، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام ، ولا تحرفوا الإسلام يميناً وشمالاً ، وعليكم بسنة نبيكم والذي كان عليه أصحابه ، وإياكم وهذه الأهواء التي تُلقي بين الناس العداوة والبغضاء . فحدثت الحسن ، قال : صدق ونصح . قال : فحدثت حفصة بنت سيرين ، فقالت : يا أبا علي ! أنت حدثت محمداً بهذا ؛ ( تعني أخاه محمد بن سيرين ) قلت : لا ، قالت : فحدثه إذاً [8] .
وما أحسن ما قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه : يا معشر القراء ! استقيموا وخذوا طريق من كان قبلكم ، فوالله لئن اتبعتموهم لقد سبقتم سبقاً بعيداً ، ولئن أخذتم يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً [9] .
ومما يلاحظ أن الله ذكر في أكثر الآيات التي فيها الأمر بالاستقامة النهي عن الطغيان واتباع الهوى ، تأمل الآيات التالية :
( وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ) [10] .
وقوله تعالى : ( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ، وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ) [11] .
وقوله تعالى : ( فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) [12] .
والاستقامة في حاجة إلى الصبر ، ومن ثم كان التعقيب على الأمر بالاستقامة هو قوله تعالى : ( وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) [13] .
والصبر تحت الأمر والنهي ، هو روح التصوف ، كما قال أبو عمرو إسماعيل بن نجيد السلمي ، وهو جد أبي عبد الرحمن السلمي لأمه – وكان من أكبر مشايخ وقته ، وقد لقي الجنيد ، توفي سنة 366هـ ، سئل عن التصوف ، فقال : الصبر تحت الأمر والنهي [14] .
وهي كذلك في حاجة إلى اليقظة الدائمة والتحري الدائم لحدود الطريق ، وأن لا يتطرق إليه إغفال ولا إهمال ، ولا تهاون ولا تكاسل في أي لمحة من لمحات الحياة وفي أي حركة من حركاتها ، ولا شك أن هذا أمر عسير في غاية العسر ، ولذلك لما نزل قوله تعالى : ( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ) [15] شَقَّ عليه صلى الله عليه وسلم هذا الأمر حتى قال : ” شيبتني هود وأخواتها ” يعني به قوله تعالى : ( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ) [16] ، كما ذكرنا ، حتى قال ابن عباس رضي الله عنهما : ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد ولا أشق عليه من هذه الآية [17] .
إذا تبين لك هذا تعرف حقيقة قولهم : الاستقامة عين السلامة ، وكذلك قولهم : الاستقامة خير من ألف كرامة ، ولذلك قال بعض العارفين : كن صاحب الاستقامة ، لا طالب الكرامة ، فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة ، وربك يطالبك بالاستقامة .
ومن أجل هذا أكّد النبي صلى الله عليه وسلم أمته بالاستقامة أيما تأكيد ، فقد روى مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله ! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك – وفي رواية : غيرك – قال : قل : آمنت بالله ثم استقم [18] .
ومن ثم ندرك مدى أهمية الاستقامة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بعد الإيمان إلا بالاستقامة ، لأنها هي جامعة لجميع أمور الدين : مأموراته ومنهياته ، فكأنها عين الدين .
إذا كانت الاستقامة شأنها هذا فإن جزاءها جزاء موفور :
أولاً : نزول الملائكة على صاحبها .
ثانياً : عدم خوفه يوم الفزع الأكبر .
ثالثاً : عدم حزنه يوم يحزون .
رابعاً : البشرى له بالجنة ، مع ما يشتهي ويتمنى .
خامساً : ولاية الملائكة له في الدنيا والآخرة .
سادساً : إكرامه من الرب الرحيم بتقديم النزل له .
سابعاً : تمتعه بالرزق الحسن في الدنيا .
اقرأ قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ) [19] .
وقوله تعالى : ( وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً ) [20] .
هذا ، ولما كانت الاستقامة بمعنى الاعتدال كما فصلنا أخطأ بعض الناس خطأ فاحشاً ، لأنهم يعنون بالاعتدال المداهنة ، فيدعون إلى توحيد الديانات ، وبهذا يحققون رغبات الأعداء من غير المسلمين ، وقد قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم : ” وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ” [21] ، ويؤولون قوله تعالى : ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) [22] ، تأويلاً لا يريده الله ، وبتعبير أصح : تأويلاً يخرجهم عن الدين ، فيقولون : هناك اختبار في قبول الدين ، ولا إكراه على أحد في ذلك ، كما قال تعالى : ( فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) [23] .
نقول لهم بكل صراحة : ليس هذا من الاختبار في شيئ ، إنما هو تشديد وتهديد ، انظر ما عقبه الله تعالى على ذلك : ( إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ) [24] ثم بشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالأجر العظيم وجنات النعيم .
وكذلك قوله تعالى في آخر سورة الكافرين : ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) [25] ، فهو في غاية من التهديد ، ولكنهم يوردونه في مقام الاستدلال بقطعه عن السياق .
وهذا كما قال تعالى : ( وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ) [26] .
وقال : ( وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ) [27] .
والآيات في هذا الباب كثيرة .
وأما قوله تعالى : ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) [28] فهذا فيه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ومن تبعه من الدعاة ، وذلك نحو قوله تعالى : ( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ) [29] ، وقوله تعالى : ( قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ) [30] ، ونظائرها كثيرة ، وهذا المعنى ظاهر من السياق ، لأن الله تعالى قال بعد ذلك ( قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) [31] ، أي لا حاجة إلى الإكراه ، ولا داعي إلى الإجبار ، لأن سبيل الرشد واضح ، وطريق الهداية ظاهر ، وقد قال تعالى بكل تأكيد : ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ) [32] ، وقال : ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) [33] .
فلابد إن أراد النجاح في الدنيا والفلاح في الآخرة من أن يقبل على الإسلام إقبالاً كلياً ويقبله بقلبه وقالبه ، ويلتزم بجميع شرائعه ، ويستقيم على جميع تعاليمه ، ومهما انحرف أحد عن الاستقامة انحط وانهار ، وكان على شفا جرف هار ، ومن تمسك بها تقدم ، ولم يزل في رقي وإزدهار وسيكون له دار القرار .
قال تعالى : ( وَالْعَصْرِ . إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) [34] .
وكفى بالعصر شهادة !!
* أستاذ التفسير والحديث ، دار العلوم لندوة العلماء ، لكناؤ .
[1] مدارج السالكين ، 2/101 .
[2] القرآن الكريم ، سورة النحل ، الآية : 92 .
[3] الرسالة القشيرية ، ص : 94 .
[4] انظر دليل الفالحين بشرح رياض الصالحين ، 1/286 .
[5] رسالة المسترشدين ، ص : 189 .
[6] هود ، الآية : 112 ، وانظر تفسير الطبري وتفسير ابن كثير في تفسير الآية .
[7] الاستقامة ، 1/100 .
[8] نفس المصدر ، 1/254 .
[9] صحيح البخاري ، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ، رقم الحديث : 7282 .
[10] القرآن الكريم ، سورة الشورى ، الآية : 15 .
[11] القرآن الكريم ، سورة هود ، الآيتان : 112 – 113 .
[12] القرآن الكريم ، سورة يونس ، الآية : 89 .
[13] القرآن الكريم ، سورة هود ، الآية : 115 .
[14] طبقات الصوفية للسلمي ، ص : 454 – 457 .
[15] القرآن الكريم ، سورة هود ، الآية : 112 .
[16] القرآن الكريم ، سورة هود ، الآية : 112 .
[17] تفسير البغوي ، 2/468 ، وانظر أيضاً تفسير القرطبي ، 9/92 .
[18] صحيح مسلم ، كتاب الإيمان ، باب جامع أوصاف الإسلام ، رقم : 159 (38) .
[19] القرآن الكريم ، سورة فصلت ، الآيات : 30 – 32 .
[20] القرآن الكريم ، سورة الجن ، الآية : 16 .
[21] القرآن الكريم ، سورة القلم ، الآية : 9 .
[22] القرآن الكريم ، سورة البقرة ، الآية : 256 .
[23] القرآن الكريم ، سورة الكهف ، الآية : 29 .
[24] القرآن الكريم ، سورة الكهف ، الآية : 29 .
[25] القرآن الكريم ، سورة الكافرون ، الآية : 6 .
[26] القرآن الكريم ، سورة هود ، الآيتان : 121 – 122 .
[27] القرآن الكريم ، سورة هود ، الآية : 93 .
[28] القرآن الكريم ، سورة البقرة ، الآية : 256 .
[29] القرآن الكريم ، سورة الغاشية ، الآيتان : 21 – 22 .
[30] القرآن الكريم ، سورة الأنعام ، الآية : 66 .
[31] القرآن الكريم ، سورة البقرة ، الآية : 256 .
[32] القرآن الكريم ، سورة آل عمران ، الآية : 19 .
[33] القرآن الكريم ، سورة آل عمران ، الآية : 85 .
[34] القرآن الكريم ، سورة العصر ، الآيات : 1 – 3 .

