العقائد الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة ( الحلقة الثانية )

الوراثة بين السنن الكونية والتكليف الشرعي الإسلامي
مايو 24, 2026
توحيد الألوهية وما له من دلالات ( الحلقة الثانية )
مايو 24, 2026
الوراثة بين السنن الكونية والتكليف الشرعي الإسلامي
مايو 24, 2026
توحيد الألوهية وما له من دلالات ( الحلقة الثانية )
مايو 24, 2026

الدعوة الإسلامية :

العقائد الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة

( الحلقة الثانية )

بقلم الشيخ السيد بلال عبد الحي الحسني الندوي

تعريب : محمد قيصر حسين الندوي

توحيد الألوهية :

فتوحيد الألوهية هو توحيد العبادات أيضاً ، معناه أن تكون العبادة وأقسامها خالصةً لوجه الله تعالى ، فأعمال الدعاء والنذر والأضحية والخضوع والخشوع التي لا تصلح إلا لله أمثال السجدة والركوع وغيرهما ، فخلاصة القول أن تكون العبادة مع أقسامها الظاهرة والباطنة خالصةً لله تعالى ، ولا يُشرك بالله أحد من الأنبياء أو الملائكة ، أو الأولياء أو الشهداء ، هذا هو التوحيد الذي ورد ذكره في هذه الآيات الآتية : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) [ الفاتحة : 4 ] ، ( فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) [ هود : 123 ] ، ( رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ) [ مريم : 65 ] .

الإله هو الذي يستحق بالعبادة ، وإن مشركي مكة كانوا يعبدون من دون الله فاتخذوا آلهةً أخرى ، ولم يكن لديهم فكرة لإله واحد ، فلما عرض عليهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوة عبادة رب واحد ، استغربوها ، وتعجبوا منها ، وقد نقل القرآن الكريم ردهم عليها قائلاً : ( أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ) [ ص : 5 ] ، فالحاجة إلى معرفة هذين المعنيين ، وقد مر سابقاً أنهم كانوا يعتقدون الرب واحداً ، ويعتبرونه خالقاً ومالكاً حقيقياً ، لكنهم كانوا يشركون في عبادتهم غيرهم ، ويؤمنون بتعدد الآلهة ، فسموا مشركين نظراً إلى شركهم في العبادة ، وقد دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى توحيد العبادة وتوحيد الألوهية ، وقال لهم : قولوا لا إله إلا الله تفلحوا [1] ، فالمعبود هو الذي يُعبد ، وقد استنكر القرآن الكريم هذا النوع من الشرك ، واستأصله من شأفته ، قال تعالى : ( وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ ) [ البقرة : 163 ] ، وقال : ( وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ ) [ المؤمنون : 117 ] .

كان مشركو مكة يؤمنون بوجود الله تعالى ، ويعتبرونه خالق السماوات والأرض ومالكها ، ويدعونه عند الشدائد ، ويعتقدونه إلهاً لهم ، لكن رغم ذلك كله سمَّاهم الله مشركين ، وحاربهم الرسول صلى الله عليه وسلم طول حياته ، فكان سبب ذلك أنهم رغم إيمانهم بالله خالقاً ومالكاً يؤمنون بالوسائط بينهم وبين الله تعالى ، وكانوا يشركونها في تقديم القرابين وأعمال العبادة لله ، فنهاهم الله عن هذا الشرك ودعاهم إلى التوحيد الخالص بكل صراحة ، قال تعالى : ( إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينِ ) [ الزمر : 2 ] ، فما أجاب هؤلاء المشركون ذكره القرآن الكريم : ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ) [ الزمر : 3 ] ، وقد صرح الله تعالى عنهم : ( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ )            [ يوسف : 106 ] .

كان مشركو مكة يشركون من دون الله في العبادة ، ويقولون : هذا ليس بشرك ، ويعتبر ذلك شركاً إذا اعتقدنا من دون الله خالقاً ومالكاً أيضاً ، فقد رفضه الله رفضاً باتاً في الآيات المذكورة أعلاه ، واعتبره شركاً محضاً .

نذكر ذلك في السطور الآتية بشيئ من التفصيل :

السجدة :

من أكبر مظاهر العبادة السجدة ، وهي تختص بالله تعالى ، فالسجود لغير الله شرك ، قال الله تعالى : ( لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) [ فصلت : 37 ] ، وجاء في الحديث النبوي عن قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري رضي الله عنه قال : أتيت الحيرة ، فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم ، فقلت لرسول الله : أحق أن يسجدوا له ؟ فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم ، فأنت أحق أن يسجد لك ، فقال لي : أرأيت لو مررت بقبرى ، أكنت تسجد له ؟ فقلت : لا ، فقال : لا تفعلوا [2] .

يتخيل كثير من الناس أن السجود لغير الله إذا كان شركاً فما أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم ، وما سجد سيدنا يعقوب وأبناؤه لسيدنا يوسف عليه السلام ، هذه وسوسة شيطانية ، كانت شرائع الأنبياء الماضين مختلفةً ، والأمة المحمدية مأمورة باتباع شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ، وكان زواج الأخ والأخت الشقيقين مباحاً في شريعة آدم عليه السلام ، كذلك كانت بعض شرائع سيدنا يعقوب ويوسف مختلفة ، فكانت عندهم سجدة التعظيم جائزةً ، لكن لا يجوز في هذه الشريعة السجود لواحد من البشر كما سبق ذكره في القرآن والحديث النبوي ، فالاستدلال بالشرائع السابقة للعمل بالأمور التي حرمت في الشريعة المحمدية ضلال وانحراف ، وإهدار لحقوق الرسول صلى الله عليه وسلم .

وقد قال صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بيومين أو ثلاثة أيام : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد [3] ، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث بأن لا تتخذ أمته قبره مساجد كما اتخذت الأمم الأخرى قبور أنبيائها مساجد ، الواقع أن السجود لقبر النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يكن مباحاً فكيف يجوز لقبر ولي أو شيخ ، وهو عمل شركي يستحق اللعنة ، وقد ابتليت به طائفة من الأمة ، وهي تكفر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم علناً وجهاراً .

فكما أن السجود لقبر من القبور شرك كذلك السجود للأحياء أو للأشياء المادية الأخرى شرك ، ويوجد هذا الشرك في بعض المناطق أن الناس يسجدون لأوليائهم ، فلا شك أن إيمان الساجد والمسجود له يبطل ، لأن السجود عبادة ، وإذا كانت العبادة لغير الله فهي الإشراك في الألوهية الذي بعث نبينا ورسولنا صلى الله عليه وسلم لإزالته ومحوه ، فإذا قال قائل : إن هذه السجدة ليست للعبادة بل للتعظيم فكان جوابه : من يكون أكثر تعظيماً من النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم ؟ لكن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى الأمة عنه ، كما مر في الحديث المذكور أعلاه ، وكانت هذه السجدة تعظيميةً لكن منعت منها الأمة ، وقد أجمعت الأمة على أن السجدة أياً كان نوعها لا يجوز لأحد غير الله ، وهو شرك ، قال تعالى : ( وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً ) [ الجن : 18 ] ، ولا يصح أن يقوم أحد أمام كبير عاقداً يده مثل الصلاة ، وقد أشار إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه فقال : من سرَّه أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار [4] ، ولا يحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يجلس في مجلسه على مكان مرتفع ، وكان دأبه أنه يجلس في موضع ويجلس الصحابة الكرام رضي الله عنهم حوله .

الدعاء :

الدعاء أيضاً عبادة خالصة ، وهو مختص بالله تعالى ، فإذا سئلت حاجة من غير الله فهذا شرك ، وقد سبق ذكر هذه الآية : ( فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً ) [ الجن : 18 ] ، وقد كشفت الآية أن رجلاً إذا سأل الله وحده ، ودعاه وقت الحاجة ، لكن يشرك أحياناً نبياً أو ولياً في دعائه ، ويسأل منه حاجته فهذا أيضاً شرك ، وقد نهى الله تعالى عنه أيضاً .

من أعمال العصر الحاضر الشركية أن الناس يزورن القبور ويطلبون منها قضاء حوائجهم ، فيطلبون من صاحب قبر ولداً ، ومن صاحب قبر أرزاقاً وحوائج أخرى ، ويعتقدون أن صاحب القبر هذا يكمل حاجته ، هذه كلها أعمال شركية ، وكثير من الناس يطلبون حوائجهم من رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ، ويعتقدونه قاضي الحاجات ، هذا أيضاً شرك ، فالدعاء من الأعمال التي تختص بالله تعالى ، وقد ذكر الله في آيات عديدة بكل صراحة أن لا يسأل الإنسان حاجته إلا منه ، ولا يدعوه إلا إياه ، قال تعالى : ( وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ ) [ يونس : 106 ] ، وقال في موضع آخر : ( وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ . إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا ٱسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ) [ فاطر : 13 – 14 ] ، فالأولياء والأنبياء الذين يسأل منهم قضاء الحاجات إنهم لا يستطيعون أن يقضوا الحوائج ، ويبرئون أنفسهم يوم القيامة عن أعمال الشرك التي كانوا المشركون يرتكبونها أنها أمور مصطنعة ما أنزل الله بها من سلطان .

وقال عز وجل في موضع : ( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ ) [ الأحقاف : 5 ] ، فالخلاصة أن الدعاء لا يسأل من أحد سوى الله ، وإذا سئل فكان ذلك شركاً ، وقد شرح النبي صلى الله عليه وسلم هذا الموضوع في حديثه إلى هذا الحد ، فقال : فليسأل أحدكم ربه حاجته كلها ، حتى يسأله شسع نعليه إذا انقطع [5] .

إن حاجة في الدنيا والآخرة سواءً كانت صغيرةً أو كبيرةً لا بد أن تطلب من الله تعالى وتسأل منه ، إن الاعتقاد عن أحد أنه عالم الغيب ، وهو يقضي حاجاتنا شرك ، إلا أن التماس الدعاء من أولياء الله ليس بجائز فحسب ، بل اعتبر ذلك عملاً محموداً ، وليعلم علماً تاماً أن هؤلاء الأولياء يدعون الله فقط ، ويلتجاؤن إليه ، وهم أقرب إلى الله فتغشاهم الرحمة وتستجاب دعواتهم ، لكن إذا اعتقد أحد أن دعاءهم لا يرفض فهذه عقيدة شركية ، وليس هنا في العالم أعظم من النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا يكون إلى يوم القيامة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يود أن يسلم أبو طالب ، لكن الله ما قدَّر ذلك ، فلم يسلم أبو طالب رغم دعاء ومشيئة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنزل الله هذه الآية : ( إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ) [ القصص : 56 ] .

فاتضح منه أن الله ليس بمضطر إلى أن يقبل دعاءنا ، وهو القادر المطلق إذا شاء استجاب دعاء أحد ، وإذا شاء رفضه .

( للحديث صلة )

[1]  مسند الإمام أحمد بن حنبل : 1902 .

[2] سنن أبي داؤد : 2142 .

[3] صحيح البخاري : 1330 .

[4] سنن الترمذي : 2979 .

[5] مسند الإمام أحمد بن حنبل : 1079 .