من هم أهل السنة والجماعة

من هم أهل السنة والجماعة
مايو 24, 2026
من هم أهل السنة والجماعة
مايو 24, 2026

التوجيه الإسلامي :

من هم أهل السنة والجماعة

بقلم : العلامة السيد سليمان الندوي رحمه الله تعالى *

تعريب : محمد فرمان الندوي

( الحلقة السابعة )

إذا بقيت فِرق الإسلام كلها على هاتين القاعدتين الأساسيتين فلا يمكن أن تظهر خلافات العقائد الكبرى ، التي زلزلت سيولها منذ مدة طويلة أسس نظام الإسلام ، تأملوا كثيراً ، إن ما ذكر من قضايا ومعتقدات للفرق المختلفة في السطور الماضية تجلى منها أن سبب ضلالها هو الخوض في تفاصيل أمور سكت عنها القرآن الكريم ، ولم يتناول بشرحها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك من وجهين : أولاً لأنها من الأسرار والألغاز التي لا يدرك تحليلها العقل الإنساني ، وثانياً : إن علمها غير نافع للحياة العلمية للإنسان .

كشفت الشريعة عن الله تعالى أنه واحد ، وما زال ولا يزال ، وهو مصدر جميع الصفات ، ثم هذا السؤال أنه كيف هو واحد ، وللصفات أقسام ، وأي صفة توجد فيه ، وهل هذه الصفات داخلة في ذاته أو منفصلة عنها ، فإذا انفصلت فهي قديمة أو حادثة ، فإذا كانت قديمةً فيستلزم تعدد القدماء ، رغم أن القديم واحد ، وإذا كانت حادثةً ، فكان الله تعالى محل أمر حادث ، ويكون محل حادث حادثاً أيضاً ، وإذا لم تكن منفصلةً ، بل منضمةً إلى الذات ، فكان ذلك جزءاً من الذات أو كلاً منها ، وإذا كان الله جزءاً من الذات فيستلزم وجود الإله مركباً ، وإذا كان الله كلاً ، فكان عين الذات ، فيكون نفي واحد من الذات أو الصفات لازماً ، ولا تختلف صفات العلم والقدرة والسمع والبصر والإرادة ، بل تتحد وتتكاتف .

وقد وردت عن الله تعالى في القرآن والسنة كلمات اليد والرجل ، والفم والقدم ، هل يُراد منها معان حقيقية أو مجازية ، وورد في القرآن الكريم عن الله أنه : استوى على العرش ، وأينما تولوا فثم وجه الله ، وهو أقرب إليه من حبل الوريد ، فهل هو في موضع خاص ، أو هو خارج عن الموضع ، يستلزم وجود جسمه في الصورة الأولى ، وفي الصورة الثانية إذا قلنا : إنه موجود في كل مكان ، فهو دليل على السخف البسيط .

وقد ورد في الأحاديث الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته ( صحيح البخاري : 7436 ومسلم : 433 ) ، فإذا سلمنا هذا لزم أن يكون له جسم ، ويكون في موضع خاص ، وإذا سلمنا رؤيته كانت رؤيته بالعيون أو بحاسة جديدة أخرى ، فإن رؤيته بهذه العيون تستلزم لله تعالى الجسم واللون وتعيين الموضع وغيرها من الأشياء ، وفي الصورة الثانية يلزم اعتقاد أداة شعور أخرى ، غير ذرائع الشعور الحالية ، وهو بعيد كل البعد عن الفهم والقياس .

عرفنا في ضوء الشريعة أن الله تعالى خلق العالم ، وهو من مخلوقاته ، ثم الخوض في هذه القضية أن الله علة ناقصة له أو علة كاملة ، فإذا كان الله علة ناقصة فيستوجب خلق العالم إشراك علة أخري فيه ، وإذا كانت العلة كاملةً فيكون وجود العلة الكاملة والمعلول معاً ، فلا بد أن يكون العالم قديماً ، وقد أخبر القرآن الكريم أن أعمال العباد كلها تصدر بأمر الله تعالى ، ثم الخوض في هذه الأسئلة أن أمره يكون سبباً لوجود الفعل ، أو يتدخل فيه عمل العبد ، فإذا لم يكن هناك تدخل للعبد فيه فكان العبد مضطراً محضاً ، وإذا كان التدخل حقاً فهذا التدخل مؤثر أو غير مؤثر ، وإذا كان مؤثراً فكان خالقاً لفعله ، وإذا كان غير مؤثر فكان في معنىً آخر جبراً .

هذه الأمور المذكورة أعلاه وما ذُكر من تفريعاتها هي مذاهب فرقة من الفرق إيجاباً أو نفياً ، لكنكم رأيتم أن جانباً منها لم يكن بريئاً من تساؤلات التوهم العقلي ، لماذا نشأت هذه التساؤلات أو اللوازم المستحيلة أو التخبط العقلي ؟ فجوابه أننا لم نقتنع بتعاليم القرآن الكريم ، ونتطلب شرح الأمور والشئون التي يعجز عن شرحها العقل الإنساني ، وهي ليست بلازمة لحياتنا العملية .

فإذا حصرنا هذه المعتقدات في النطاق الذي خطه منزل الوحي الإلهي على لوح الإسلام ، كان هذا الحصار لنا قلعةً ناعمةً ، وأصبحنا مصونين من كثير من الهجمات والتخوفات الخارجية ، التي تعود علينا نظراً إلى تفاصيلنا العقلية ، لا بتصريحات القرآن الكريم ، ونعتبر سببها بالخطأ ديننا الإسلامي ، وقد صدر هذا الخطأ الفاحش من جميع الفرق أن العقل والفلسفة كلما طلب جواباً عن أي أمر أو شأن قامت كل فرقة بتقديم حلها من عندها ، وضمتها نفياً أو إثباتاً في دينها .

كنا نتوقع خيراً كثيراً من الأشاعرة ، لكن يا للأسف لم يسلموا من هذا الخطأ الفاحش أيضاً ، حتى المسائل الفلسفية الخالصة التي لا علاقة لها بالدين مثل جزء لا يتجزأ ، وقضية الطغرة وأسباب الرؤية ، وقضية الاستطاعة مع الفعل وغيرها جعلوها قضية الكفر والإيمان ، إذا فتشنا كتب العقائد الموجودة في المكتبات الإسلامية كان نصف المكتبات حافلاً بهذه الكتب التي تتحدث عن هذه القضايا ، وكان الأولى والأهم أن تدرج القضايا التي سكت عنها الإسلام في العقائد نفياً أو إثباتاً ، وكان جواب هذه الأسئلة دينياً السكوت وعدم الخوض فيها ، ولو كانت جزءً لازماً من الدين لما كان الشارع المعصوم صلى الله عليه وسلم ساكتاً عن ذكرها ، ولما لم ينطق بهذا فعلم أنها لا علاقة لها بالدين ، وليس علينا معرفتها دينياً .

فالصراط المستقيم الذي سلكه أهل السنة والجماعة هو يمكن أن يكون سفينة نوح في ثورة الأفكار وفيضان الأخيلة ، لكن الذي يبعثنا على الأسف أن المسلمين حينما نالوا الرقي والازدهار بعد مائتي عام في القرنين الثالث والرابع ، وارتجت البلدان الإسلامية بالفتوحات الواسعة قام رجال من أهل السنة والجماعة ، وتركوا الطريق القديم وشقوا طريقاً جديداً بين أهل السنة والفرق الأخرى ، وجعلوا منهجهم المنهج المتشكك بين العقل والنقل ، والفلسفة والسنة ، إنهم ظنوا أنهم لا يبتعدون عن الكتاب والسنة مثل المعتزلة من هذا العقل في ضوء تطبيق الفلسفة والشريعة ، والعقل والنقل ، ولا يكونون أضحوكةً للفلاسفة مثل المحدثين وأهل الظواهر ، فكانت نتيجة ذلك أن معتقداتهم وقضاياهم لم تكن وفقاً للكتاب والسنة ، ولم تكن ثابتةً ومحكمةً لدى العقل والفلسفة .

فعلى سبيل المثال كانت هناك فرقة قد أنكرت تبعاً للمعتزلة جسمية الله تعالى ، وقامت بتأويل الآيات التي وردت فيها كلمة الفم واليد ، وآمنت برؤية الباري تعالى مع أهل الظواهر ، فكانت نتيجة ذلك أنها لم تكن مع أهل السنة ، ولم تصاحب الفلسفة ، فاضطرت إلى رفض الحقائق الناصعة والبديهيات أن الرؤية لا تحتاج إلى جسم مرئي ، ومكان متحيز ، وذي لون خاص ، وأن يكون الجسم أمام الأعين ، وكان على مسافة منه ، وقد خاضت هذه الفرقة في قضية أخرى ، وتوسعت إلى حد كبير ، وهي قضية الجبر والقدر ، فقالت في جانب : إن خالق جميع الأفعال هو الله ، واختارت بهذا القول منهجاً آخر منفصلاً عن المعتزلة والقدرية ، وأثبتت في جانب آخر للإنسان الكسب بحيث لا يلزم الجبر ، لكن حينما سئلت أن هذا الكسب مؤثر لوجود كسب الفعل ؟ فأجابت : لا ، فكانت نتيجة ذلك أنها لم تكن أحسن من الجبرية ، قال أستاذنا العلامة شبلي النعماني في شعره الفارسي :

دو دل بودن دريں ره سخت ترغيب است سالك را                   خجل هستم ز كفر خود كه دارم بوئے ايمان هم

( إن تردد قلب المحب في سبيل الحب ابتلاء عظيم ، وإني متأسف على كفري وغفلتي ، لأني أحمل في قلبي رائحة الإيمان واليقين ) .

( للبحث صلة )

* كبير علماء الهند ، وشيخ الندويين .