عيد الأضحى رمز للحب والفداء
مايو 24, 2026الافتتاحية : بسم الله الرحمن الرحيم
دور التضحية في تقدم الأمم ونهضة الشعوب
اليوم العاشر من شهر ذي الحجة يوم مشهود للأمة الإسلامية ، يقوم فيه المسلمون بإحياء سنة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، ونسميها سنة الأضحية ، وهي في الواقع أثر من آثار ذلك الفتح العظيم والنصر المؤيد بالإخلاص والإيمان الذي توارثه هذه الأمة عن سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وإعلان أن حياة المؤمن كلها تقوم على التضحية والإيثار ، وهو يفتقر في كل لحظة من حياته إلى الجد المتواصل والسعي المستمر والجهد الدائم ، وإلى دافع الإيثار والتضحية ، بروح نابضة بالإيمان لا يزال يستمد منها المؤمن الحياة والدوام ، وعليها يقوم أساس الحياة الإسلامية الأول ، فالحياة الإنسانية لا متعة فيها ولا روح بدونها ، ففي القرآن الكريم حيث جاء ذكر العذاب للكافرين ، قد بين علة ذلك العذاب بقوله : ( إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلَا يَحْضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ) [ الحاقة : 33 – 34 ] ، وقوله : ( فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ، مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ) [ المدثر : 40 – 44 ] ، ولا شك في أن إطعام المساكين تضحية أيضاً ، وقد أنزل في الصحابة رضي الله عنهم : ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) [ الحشر : 9 ] .
حياة إبراهيم عليه الصلاة والسلام كلها مرآة للتضحيات الدائمة التي تتراءى فيها تلك النماذج للفداء والإخلاص ، والإيثار ، فجزاه الله ذلك بخلته ، ولقبه بخليل الله ، وأكرم أسرته بشرف النبوة التي استمرت في ذريته ، إلى أن جاء النبي محمد رسول الله وخاتم الأنبياء والمرسلين .
ومن مآثره الحية الخالدة ، بيت الله الذي جعله قبلةً للمسلمين في العام كله ، وكتب حجه على من استطاع إليه سبيلاً إلى يوم القيامة ، وفرض على الحجاج كل عام في موسم الحجاج تقليد ما قام به من فداء واستماتة وتضحية الله الواحد الصمد ، وقامت السنة الإبراهيمية للأبد ، فقررت القسطاس المستقيم بين الهداية والضلالة ، وبين الحق والباطل .
هذا هو مقياس العدل المستقيم الذي لم يزل يعلن منذ زمان إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن هزيمة الكفر والشرك ، وعبادة الأصنام والأوثان وعدم صلاحية المادة ، ومن مآثر هذا القسطاس المستقيم ، وميزاته الأساسية ، هو الدافع الذي عاش في قلب إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، حتى أكرمه الله بخلته ، ووفقه إلى بناء الكعبة المشرفة .
وقد ثار إبراهيم عليه الصلاة والسلام على بيئته التي نشأ فيها ونما ، وعلى كل ما يشوب بعبادة غير الله تعالى ، وعلى كل ما يتسم بوضع الجبين أمام غيره ، والاعتماد عليه ، وما رضي للحظة أن يرى الناس أنهم قد تلوا جبينهم أمام الطاغوت ، وأن الأصنام تُنحت وتُباع ، إنما كان هذا الدافع الكبير للتضحية والفداء الذي جعله يتبرأ من والده والانتماء إلى عزة أسرته وعظمتها ، ويبتعد عن كل راحة ورفاهية ، ولم يبال بالنتائج العاجلة المريرة بتاتاً ، وألقاه قومه في النار ، ولكنهم ما استطاعوا أن يلينوه ويزعزعوا فيه دافع التضحية والفداء .
الواقع أن عيد الأضحى يوم تذكير بتضحية إبراهيم عليه الصلاة والسلام التاريخي ، وإعادة عصره ، ورمز للمسلمين لنيل رضا الله تعالى ، أنهم لن ينالوا السعادة والفوز والطمأنينة في حياتهم إلا بالتضحية وببذل المحبوب المضنون : ( لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) [ آل عمران : 92 ] .
التضحية لها دور كبير في تقدم الأمم ونهضة الشعوب ، فكل عمل جليل مدين بهذه الخصيصة ، والتي إذا اصطنعتها أمة في حياتها وتاريخها تميزت عن غيرها في كل شيئ ، وخلفت آثاراً عظيمةً وأعمالاً جليلةً وصنائع فائقةً في التاريخ الإنساني العام .
ولم يزخر التاريخ بالآثار الرائعة الخالدة ، والبطولات الكبيرة إلا بفضل التضحية والفداء والإيثار والتفاني ، فلولا أن الله سبحانه ألهم عباده بتمثيل هذه الميزة الكبرى على مسرح الحياة ، لم يكن للتاريخ البطولي دوي في المجتمع الإنساني ، ولم يعرف الناس من تاريخ الحروب والمعارك وقصص الشهادة والفداء شيئاً ما .
إن الإنسان يجد في نفسه اندفاعاً إلى التضحية كلما واجهه أمر مهم لا يُدرك إلا بنوع من التضحية بالنفس أو المال أو الوقت ، إنه يستقبل الموت بوجه باسم في سبيل الكرامة والمجد ، ويرحب بالشهادة في الانتصار للحق ودحض الباطل ، لأنه يعرف أن حياة الذل والصغار ، والاستسلام للظلم والهوان لا يليق إلا بالأنعام ، فالموت في سبيل العدل والكرامة ، والحق ، خير من حياة ليس فيها إلا الجور والعسف والطغيان ، ولا تقوم إلا على أساس من الخنوع والنفاق .
وليست هذه الأضاحي التي يقدمها المسلمون في جميع أنحاء العالم في هذا الشهر إلا رمزاً لما تقوم عليه حياة المسلم ، من تضحيات كثيرة وإيثار وفداء ، وهي ترمز إلى أن الحياة جد وكفاح ، وجهود وجهاد ، فلا تتحقق الغاية التي ينشدها إلا بالدماء والدموع ، لا بالراحة والنعيم ، ولا يصل إلى النجاح المنشود إلا بما يقدمه من النفس والنفيس في سبيله .
إن المسلم هو الذي يتفرد بهذه الخصيصة الكبرى ، لأن تعاليم دينه تبعثه على التضحية والإيثار دائماً ، بالعكس من الديانات الأخرى التي تخلو من مفهوم التضحية والفداء بتاتاً ، ولا ترضى بنوع من الإيثار والتضحية إلا بحكم الإكراه والاضطرار .
يقول الله تعالى في محكم كتابه : ( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، هُوَ اجْتَبَنكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي حَرَجٌ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّنكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن مِن قَبْلُ وَفِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا هَذَا الصَّلَوَةَ وَمَاتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَنَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِير ) [ الحج : 7 ] .
والله يقول الحق ، وهو يهدي السبيل .
سعيد الأعظمي الندوي
3/12/1447هـ
21/5/2026م

