جاهلية القرن الحادي والعشرين كما تصوِّرها تسريبات إبستين
مايو 24, 2026الأضاحي بين الواقع والشبهات المعاصرة
مايو 24, 2026صور وأوضاع :
مضيق هرمز وتأثيره الاقتصادي على العالم الإنساني
محمد فرمان الندوي
شهد العالم الإنساني حرباً شعواء فرضت على إيران بالهجوم الأمريكي – الإسرائيلي الكبير المباغت صباح 28/ فبراير 2026م ، وقد اغتيل فيها كبار قادة إيران ، كما استهدفت منشآت عسكرية وثكنات سكانية ، فكان رد الفعل الإيراني دفاعاً عن أراضيها ، واستمرت ضربات تلو ضربات على إسرائيل ، واستهدفت كذلك بعض القواعد الأمريكية في دول الخليج ، واللافت للنظر أن هذه الضربات والهجمات شملت البنى التحتية من مطار الكويت ، ومطار البحرين ، ومطار الإمارات وغيرها من البنايات الخاصة ، كما تعرضت لهذه الهجمات مصفاة رأس تنورة بالمملكة العربية السعودية ، وقد أشارت التقديرات الأولية إلى أن الهجوم الحالي كان ما يقارب من ألفي هجوم صاروخي ، وبطائرات مسيرة ، تعرضت لها دول الخليج ، وقد أفشلت الخليج كثيراً من هذه الهجمات ، لكنها أثارت خوفاً ودهشةً وهلعاً بالغاً في البلاد والعباد ، فلم تكن دول الخليج عرضةً لهذه الهجمات فقط ، بل سرت تأثيراتها في العالم سريان الدماء في العروق والشرايين .
استمرت هذه الحرب إلى 38/ يوماً ، ثم كان إيقاف الحرب لمدة خمسة عشر يوماً فصاعداً ، وبدأت الحرب فجاءةً بالهجوم على مدرسة للبنات ، حيث تعرضن للهلاك والدمار الشامل ، ثم تعرض أسطول بحري إيراني راجعاً من الهند للغارة ، وهلك فيه العمال والموظفون الأبرياء ، فازداد الأمر تفاقماً وتصاعداً ، وتبادل الطرفان الهجوم ، ولم يكن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي إلا تظاهراً بالهيمنة والاستيلاء العام على الشرق الأوسط ، وقد برَّرت أمريكا لهذا الهجوم أن إيران لا تزال تتقدم إلى الأسلحة النووية ، وتكاد تنجز هذه المشاريع التي تكون خطراً لجاراتها ، وكان الاتحاد الأمريكي – الإسرائيلي يظن أن تهديداتها وإنذاراتها المرعبة تجعل إيران خائفةً مذعورةً ، لكن الأمر انقلب ظهراً لبطن ، ولحقت بالاتحاد المشئوم هزيمة نكراء ، وفشل ذريع ، بحيث خابت مساعيها ومراميها ، ولم يحقق أي هدف منها ، حتى إن غايتها لتغيير قيادة إيران لم تعد بطائل ، وظلت حلماً ، ودماً راعفاً في جسمها .
مضيق هرمز : شريان الحياة :
حينما اشتدت الوطأة على إيران فإنها تبنت استراتيجيةً جديدةً ، وهي إغلاق مضيق هرمز ، وسمي هذا المضيق بهذا الاسم نسبة إلى أحد ملوك فارس ، هذا المضيق هو مضيق مائي وممر بحري يربط الخليج العربي بخليج عمان ، وهو موقع استراتيجي ذو أهمية بالغة في التجارة الدولية ، هذا الإغلاق لم يكن مجرد عمل طارئ ، بل أدى إلى خسائر فادحة ، وويلات اقتصادية وسياسية ودبلوماسية كبيرة على المنطقة ، ذلك لأن مضيق هرمز هو شريان الحياة ، وقد حلَّلت كاتبة عربية هذا الموضوع في مقالها : مضيق هرمز بين الاقتصاد والسياسية ، نذكر أهم نقاطها فيما يلي :
” (1) شلل الملاحة في المضيق – توقفت حركة الملاحة ، بشكل شبه كامل ، عدد كبير من ناقلات النفط والغاز العملاقة علقت في المياه الدولية ، في حين أوقفت شركات الشحن الكبرى رحلاتها إلى الخليج (2) دول الخليج تحت الضغط ، إن الكويت رغم امتلاكها موانئ ونقل نفط مستقلاً تتأثر بارتفاع أسعار النفط واضطرابات الأسواق العالمية ، ما يضغط على الاقتصاد العالمي ويزيد تكاليف التصدير (3) والعراق يعتمد بشكل شبه كامل على المنافذ الجنوبية لتصدير النفط ، ومع الإغلاق تتعطل عائداته النفطية البالغة في المتوسط نحو 6/ مليارات دولار شهرياً ، ما يهدد الخدمات الأساسية والرواتب ، وقطر ثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم ، توقفت صادراته بالكامل ، مع خط أنابيب محدود لا يغطي سوى جزء من السوق المحلية ، والسعودية والإمارات تمتلكان خطوط أنابيب بديلة ، لكنها لا تكفي لتعويض عشرات الملايين من البراميل التي تمر عبر المضيق يومياً (4) التأثيرات العالمية : مضيق هرمز يمر عبره حوالي ربع إنتاج النفط العالمي ، و 3 في المائة من تجارة الغاز الطبيعي المسال ، ونقص في الإمدادات سيؤدي إلى :
(الف) : ارتفاع أسعار النفط التي تجاوزت مؤخراً 82 دولاراً للبرميل ، ومن المتوقع أن تشهد قفزات كبيرة إذا استمر الإغلاق ، قد تصل إلى مستويات بين 120 – 150 دولاراً للبرميل وفق بعض السيناريوهات الاقتصادية (ب) : تضخم عالمي متزايد ، نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء والنقل (ج) : اضطرابات في سلاسل التوريد العالمية خصوصاً في آسيا وأوربا ، وزيادة البطالة في قطاعات الصناعة والنقل والخدمات (د) : تحول بعض الاستثمارات إلى ملاذات آمنة كالذهب والعقار في دبي وأبو ظبي ، بينما يفر المستثمرون من الأسهم المتأثرة مباشرة بالأزمة ” .
استراتيجية حكيمة في الحروب :
ظل إغلاق مضيق هرمز زلزالاً في عالم الاقتصاد ، وازدادت البطالة في العالم ، ونشأت ظروف مثل كورونا في بعض البلدان ، حتى اضطرت الدول إلى إعادة علاقات دبلوماسية مع إيران ، وقد استنزف الإغلاق المخزونات الاستراتيجية ، وزاد في أسعار النفط زيادةً مدهشةً ، فتفاقمت أزمة الوقود بشكل غير مسبوق ، وتلمس آثاره الآن على الصعيد العالمي ، وهذه الاستراتيجية التي اتخذتها إيران في الآونة الأخيرة كانت ذات تأثير كبير ، فالحروب لا تكون ناريةً فقط ، بل تكون اقتصاديةً وسياسيةً ، ودبلوماسيةً ، وتكون لها ضغوط كثيرة على المستوى العالمي ، كما كان إغلاق مضيق هرمز بمثابة زلزال كبير للعالم كله ، فاتخاذ أمثال هذه القرارات نداء الوقت ، إن دراسة السيرة النبوية العطرة تكشف لنا عن نواحي الاستراتيجية الحربية التي اتخذها النبي صلى الله عليه وسلم سلاحاً للتغلب على الأعداء ، يكتب أصحاب السير أن عبقرية النبي صلى الله عليه وسلم القيادية العسكرية تجلت في قيادته للجيش ، وتعبئته الحكيمة ،وسده لمنافذ الخطر والهجوم ، وتقديره الصحيح لقوة العدو الحربية وعدده ومواضع نزوله ، وفي غزوة بدر مضت قريش ، حتى نزلوا بجانب من الوادي ، ونزل المسلمون بجانب ببدر ، فجاء الحباب بن المنذر رضي الله عنه ، وقال : يا رسول الله ! أرأيت هذا المنزل ، أمنزل أنزلكه الله ، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخره عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال : بل هو الرأي والحرب والمكيدة ، فقال : يا رسول الله ! فإن هذا ليس بمنزل ، وأشار عليه بأرض تصلح للحرب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد أشرت بالرأي ، ونهض ومن معه من الناس ، فأتى أدنى ماء من القوم فنزل عليه ( سيرة ابن هشام ) ، وكان من خطواته الحكيمة في غزوة أحد أنه عين خمسين صحابياً على جبل الرماة ، لئلا يهاجم الكافرون من الخلف ، وقد وقع ما يخشى ، بحيث ترك الرماة الجبهة الخاصة ، فأدى ذلك إلى خسارة كبيرة ، أما غزوة الخندق ، فلم يكن هناك تجربة سابقة في المدينة المنورة لحفر الخنادق ، لكن بإيعاز من الصحابي سلمان الفارسي رضي الله عنه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق ، وهكذا دواليك من الاستراتيجيات الدبلوماسية التي أتت بحاصل كبير ونفع عظيم .
فالإسلام الذي ننتمي إليه ، ونتشبث بذيله يأمرنا بأن لا نكون متغافلين عن اتخاذ أساليب حكيمة وفقاً للظروف والأوضاع ، ونكون واقعيين في مقاومة كل فتنة داخلية أو خارجية ، وكلما مست الحاجة إلى اختيار تدابير مناسبة ، أو خطوات جادة لصالح الإسلام والمسلمين ، فلا يصدر منا تقصير ولا ضعف ، لأن خطأ ثانية واحدة تارةً يؤدي إلى أضرار جسيمة ، وكوارث خطيرة ، فالحاجة إلى دراسة الأوضاع والظروف ، واتخاذ خطوات حكيمة حسب مصالح الإنسانية ، ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الحكمة ضالة المؤمن ، أنى وجدها فهو أحق بها ( رواه الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه ) .

