تعلموا العربية ، فإنها من دينكم
مايو 24, 2026
عيد الأضحى رمز للحب والفداء
مايو 24, 2026
تعلموا العربية ، فإنها من دينكم
مايو 24, 2026
عيد الأضحى رمز للحب والفداء
مايو 24, 2026

الافتتاحية :                بسم الله الرحمن الرحيم

يا له من دين لو كان له رجال

لم تكن مقاييس القوة والضعف في الأمة الإسلامية أبداً أشياء ماديةً ، ومعادن مذخورةً وثروات منثورةً ، وإن كانت لهذه الإمكانيات والوسائل أهمية بالغة وخطورة عظيمة ، وهي التي تؤدي الإنسان إلى مدارج عالية ، ومراتب رفيعة ، لولاها لما تمكن الإنسان من أن يحقق ما يتمناه ، ولا يجد ما يتوخاه ، فإنها تساعد الإنسان على إنجاز مشاريعه ، وإكمال مخططاته ، وتنفيد برامجه ، فالواقع أن الرجل هو الأساس والعمدة في هذه الأمور ، وهو المعول عليه في نيل الغاية ، وكسب الهدف ، فإذا لم يكن الرجل كانت البرامج حبراً على ورق ، ونفخةً في رماد .

إن كل نجاح ، وكل فوز ظل رهيناً بمساعي الرجل طوال التاريخ البشري ، كلما قام الرجال ، ونهض أولو البقية من القوم ، وهبَّ أولو الحماسة والغيرة في الناس رجع الأمر إلى نصابه ، وحل الليث منيع غابه ، وظهرت له نتائج سارة ، ومكاسب مبهجة ، بعثت العزائم والهمم ، وأثارت كوامن العواطف ، ونفخت في كل شريحة من شرائح المجتمع روحاً وثابةً ، وقوةً دفاقةً ، وفكرةً وقادةً ، فآتى المجتمع أكلها وثمارها المرجوة ، فالرجولة ليست بالسن المتقدمة ، ولا بالأموال الباهظة ، والرجولة ليست بجمال المظهر ولا بجودة المخبر ، بل الرجولة هي قوة داخلية تبعث الإنسان على معالي الأمور ، وتبعده عن سفاسف الشئون ، وقد ذكر القرآن الكريم الرجولة ، وهي صفة حميدة أو ميزة بارزة تعني القوة والمروءة والكمال ، فكان الأنبياء عليهم السلام على قمة من الرجولة ، فلم يبعثوا إلا رجالاً ، فهم الذين تحملوا أعباء الرسالة ، وقادوا الأمم إلى ربها ، وقد قال الله تعالى : ( وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) [ الأنبياء : 7 ] ، وقال تعالى عن المؤمنين الصادقين الذين أراقوا دماءهم ودموعهم في سبيل الله تعالى : ( مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً ) [ الأحزاب : 23 ] .

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مربي الأجيال وصانع الرجال ، قام بتربية أمة كاملة بأسرها ، وكانت هذه الأمة خير أمة على وجه الأرض ، ورد ذكرها في التوراة والإنجيل بصفات مثالية ومزايا نادرة ، وكان إعداد هذه الأمة بلسان الإمام السيد أبو الحسن علي الحسني الندوي : ” أبرز رسول الله صلى الله عليه وسلم برسالته الفرد الصالح المؤمن بالله ، الخائف من عقاب الله ، الخاشع الأمين ، المؤثر للآخرة على الدنيا ، المستهين بالمادة ، المتغلب عليها بإيمانه وقوته الروحية ، يؤمن بأن الدنيا خلقت له وأنه خلق للآخرة ” ، وقد نشأت هذه الرجولة في الصحابة الكرام رضي الله عنهم ، فكانوا أعمق الناس علماً ، وأقلهم تكلفاً ، وأحسنهم خلقاً ، وإذا كانوا في الغزوات فكانوا خواضين فيها ، غير مكترثين بالعواقب ، ولا يخافون في ذلك لومة لائم ، ويضحون في ذلك بأنفسهم وأرواحهم حتى ينالوا إحدى الحسنيين ، وإذا مسهم طائف من الشيطان أو ظلموا أنفسهم أو تورطوا في المعاصي والمنكرات استغفروا الله تعالى ، واعترفوا بخطاياهم والتمسوا التطهير ، وطالبوا أن يقام عليهم حد الله تعالى ، وإذا فاتتهم غزوة من الغزوات تشوقوا إلى أختها ، حتى يمثلوا ضريبة الحب والحنان ، ويساهموا في الجهاد مساهمةً مثاليةً يندر وجودها في الإنسانية ، وكل ذلك لابتغاء وجه الله تعالى .

منح الله تعالى كل رجل مسلم في فجر الإسلام قوة عشرين رجلاً صابراً ، فكان الواحد يهزم عشرين مشركاً ، وكان العشرون يهزمون مائتين من المشركين ، وقد أنشأ الله الرعب والدهشة في قلوب الأعداء عند القتال ومناجزة الأعداء ، ومبارزة الأقران ، فكانوا ينخلعون خوفاً ، وتطير قلوبهم شعاعاً ، بمجرد سماع محاربة المسلمين ، لكن النفس الإنسانية أحياناً تصاب بالخور والضعف ، وتطرأ عليها عواطف الطيش والاستعجال فخفف الله تعالى هذا العدد ، وقال : ( وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ ) [ الأنفال : 66 ] ، وقد ظهرت آثارها الإيجابية في غزوة بدر ، بحيث كان هناك ألف مقاتل من المشركين ، ولم يكن عدد المسلمين إلا ثلاث مائة وثلاثة عشر ، فتغلب هذا العدد القليل على الكثير ، وتحقق وعد الله ، وكان وعد الله قدراً مقدوراً .

كان العرب في الزمن الجاهلي مفطورين على المروءة والفروسية ، توجد عندهم الرجولة في أتم صورتها وأبرز أشكالها ، وكانوا يخوضون المعارك والحروب ، ويلبسون السرابيل والدروع الحربية ، وكانوا يستميتون في سبيل الحفاظ على الغيرة والحمية ، ولا يحبون أن يموتوا على فراشهم ، حتى إذا قيل : مات فلان حتف أنفه كان ذلك عاراً وشناراً له ، وقد كان من مقومات الرجولة ضبط النفس وعلو الهمة والنخوة والعزة والإِباء والوفاء ، يقول بعض الشعراء :

إني لمن معشر أفنى أوائلهم  قول الكماة : ألا أين المحامونا

هذه الصفات العليا ورثها العرب كابراً عن كابر ، فكانوا في الزمن الجاهلي ممثلين لهذه الصفات ، وقد امتازوا بها في المجتمعات الإنسانية ، فلما بزغت شمس الإسلام قويت هذه الصفات الإيجابية ، واستحكمت جذورها ، وتأصلت أصولها حتى انتشرت في كل فرد من أفراد هذا المجتمع الإنساني .

فإعداد الرجال وتربية الأجيال حاجة كل عصر ومصر ، فالرجال هم إكسير الحياة ومحور الإصلاح ، وعماد المجتمعات ، وروح النهضات ، كلما كان الرجال مفعمين بالقوة والنشاط كانت المجتمعات أكثر نشاطاً وحماسةً ، وقد تمنى كثير من الناس وجود الرجال العاملين في المجتمعات ، وقد روى الإمام أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة ( 1280 ) أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله جلس مع جماعة من أصحابه في إحدى دور المدينة ، فقال لهم : تمنوا ، فقال بعضهم : أتمنى أن تمتلئ هذه الدار فضةً أنفقها في سبيل الله ، وقال آخر : أتمنى أن تمتلئ هذه الدار ذهباً أنفقه في سبيل الله ، وقال آخر : أتمنى سيوفاً ورماحاً أمد بها المجاهدين ، وقال عمر رضي الله عنه : أما أنا فإني أتمنى أن تمتلئ هذه الدار رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل ، فأستعملهم في طاعة الله تعالى .

إن العالم الإسلامي لا ينقص اليوم شيئاً من الأشياء المادية ، فإن أراضيها تسيل بالغاز والبترول والحديد والنحاس والمعادن الأخرى ، وإن مبانيها وأبراجها وفنادقها تناطح السحاب ، ومعلوم أن كثرة البنايات ووفرة المطاعم الشهية لا تنجب الرجال ، ولا تخرج الأجيال ، فبناء الأجيال يحتاج إلى تخطيط وتصميم ، وبرمجة وتنسيق ، كما كان نظام إعداد الرجال في عهد الرسالة والنبوة ، وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم في المجتمعين المكي والمدني بإعداد كوادر ، وإنشاء أفراد من كل نوع : من العلم والجهاد والسياسة والاجتماع والقانون والمدنية ، فهذا أبو هريرة رضي الله عنه يعد من حفاظ الحديث ورواته الكبار ، وهذا حسان بن ثابت يرد بشعره على دعايات الكفار رداً شنيعاً ، حتى يسل النبي صلى الله عليه وسلم منهم كما تسل الشعرة من العجين ، وهذا خالد بن الوليد سيف من سيوف الله ، يجهزه النبي صلى الله عليه وسلم للقتال والجهاد ، وهذا بلال بن رباح الحبشي رضي الله عنه قد أسند إليه الرسول صلى الله عليه وسلم الأذان والإقامة ، والمراقبة التامة على الشئون المالية ، وهذه السيدة رفيده رضي الله عنها قد أشاد النبي صلى الله عليه وسلم بمعالجة المرضى ومداواة الجرحى ، وهلم جراً .

ظل جيل الشباب منذ عهد التاريخ الأول مركز آمال الأمة إلى إيجابية الحياة وبناء المستقبل السعيد اللامع للمجتمع البشري ، ومن ثم كان التركيز على تربيته الأساسية في المجتمعات والعائلات على جميع المناهج العملية والبرامج التربوية لتنشئة الشباب والمراهقين على خلال السلوكيات الجميلة والأخلاق الفاضلة باعتباره الحجر الأساسي في بناء صرح العز والسعادة للعالم البشري ، هؤلاء هم الشباب والأجيال الذين كانوا ضالة العالم في كل مكان ، وكانوا بغية الأنبياء والرسل في عصورهم ليحملوا رسالة السماء إلى أهل الأرض ، فالحاجة ماسة إلى إعداد الأجيال وتربية الرجال في ضوء الشريعة الإسلامية ، قال الله تعالى :   ( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ) [ الكهف : 13 ] .

والله يقول الحق ، وهو يهدي السبيل .

سعيد الأعظمي الندوي

2/11/1447هـ

20/4/2026م