احتكار غزة باسم استعمارها

نوع جديد من الشعوبية
مايو 24, 2026
جاهلية القرن الحادي والعشرين كما تصوِّرها تسريبات إبستين
مايو 24, 2026
نوع جديد من الشعوبية
مايو 24, 2026
جاهلية القرن الحادي والعشرين كما تصوِّرها تسريبات إبستين
مايو 24, 2026

صور وأوضاع :

احتكار غزة باسم استعمارها

محمد فرمان الندوي

” خطة ترامب للسلام في غزة ” خطة حديثة العهد ، عرفها العالم الإنساني على هامش منتدى الاقتصاد العالمي (  World Economic Forum) في دافوس بسويسرا ، جمع المنتدى قادة العالم ، وصناع القرارات من العالم كله ، وقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إطلاق مجلس السلام في قطاع غزة ، كما ناقش المنتدى قضايا عالميةً أخرى لها ، وقد وجهت الدعوة إلى 59/ دولة للمشاركة في هذا الملتقى ، فحضر ممثلو عشرين دولة ، فصدر ميثاق مجلس السلام رسمياً ، ووقعوا على توصيات وقرارات ، وكان من أبرز المشاركين وزير خارجية الولايات المتحدة ماركو روبيو ، ورئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير ، واشترط لعضوية هذا المجلس جمع مليار دولار .

هذه الخطة التي اقترحها الرئيس الأمريكي أصبحت موضوع النوادي والمجالس ، ودار حولها الحديث في الإعلام العالمي ، ولا تزال الخطة على طاولة النقاش ، ويتلخص من هذه المباحثات الإعلامية أن الرئيس الأمريكي يريد أن يجعل غزة ملكيةً خاصةً به ، وفي كلمة ترامب : Beautiful Piece of Property ، إن اسم هذه الخطة لامع وبراق ، يتأثر به كل اطلع عليه ، لكن داخلها يدل على ما تضمر هذه الخطة من نوايا تخريبية ، ومخططات سلبية بعيدة المدى ، وقد قال الرئيس الأمريكي في كلمته : إني أنظر إلى أرض غزة كملكية عقارية ، وقد قدم الرئيس الأمريكي أمام صهره خريطة جاريد كوشنر ما يريد بناءه على أنقاض غزة ، يبدو في الظاهر أن مستقبل غزة يكون مشرقاً ، لكن الواقع بالعكس .

هيئة جديدة ضد الأمم المتحدة :

إن خطوة ترامب هذه تتحدى القانون الدولي ودور الأمم المتحدة ، بل تناقضه تماماً ، وفي كلمة أخرى : إنها محاولة مشئومة لإنشاء نظام عالمي جديد بدل الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية ، كأن الرئيس الأمريكي بهذه الخطة يقوم بإنشاء هيئة جديدة بدل الأمم المتحدة ، إن الهيكلة الأساسية لإعمار غزة محاطة بالشكوك والشبهات ، فعلى سبيل المثال قد أدرج فيها اسم بنيامين نتنياهو الذي تضرجت يده بسفك دماء الأبرياء ، واعتبرته محكمة العدل الدولية مجرماً قانونياً ، وأصدرت قضاءً لاعتقاله ، فإنه دمر غزة تدميراً كلياً ، وقد استشهد حتى الآن أكثر من سبعين ألفاً من الشباب والنساء والأطفال ، وجرح عدد لا بأس به ، وقد جرى وقف إطلاق النار بين الفريقين ، لكن رغم ذلك كله لم يراع الاحتلال هذه المعاهدة ، بل خرقها بين عشية وضحاها ، وقد حول مدينةً عامرةً بالسكان إلى بلاقع ومخلفات ، واستشهد خلال هذه الفترة القليلة خمس مائة فلسطيني ، فإن إدراج اسم نتنياهو في هيئة ترامب هل يعتبر سلوكاً جائراً وأمراً مشيناً أو تحقيقاً لأحلام نتنياهو .

ومما يقضى منه العجب أن هذه الدورة السنوية لمنتدى الاقتصاد قد عُقدت واستمرت وانتهت ، واجتمع الناس فيها من أقصى العالم إلى أقصاه ، وأبدوا فيه ذلك رغباتهم وتمنياتهم ، وأدلوا بآرائهم نحو إعمار غزة وإعادة بنائها ، وذهبوا في ذلك مذاهب شتى ، واختاروا طرائق قدداً ، لكن لم يكن هناك أي ممثل من الفريق الثاني من سكان غزة ، يجري الكلام حول إعمار غزة ، لكن لم يُستشر من أي عضو منهم ، ولم يُسمح له بالحضور في هذا الاجتماع ، ولم يُوجه إليه الدعوة ، وقد شهد العالم كله أن أكثر الدول الأوربية قد اعترفت بدولة فلسطين خلال طوفان الأقصى ، وأبدت فيها آراءها الإيجابية من دون خوف ولا وجل ، حتى اعتقل الشباب والشابات في السجون والمعتقلات ، واستمرت الاعتصامات والمظاهرات باسم تحرير غزة من جهات غير مسلمة ، لكن هذه الخطة الإعمارية الترامبية لم تتناول جانباً منها ، كأن آراء الجماهير لا قيمة لها لدى هذا الدكتاتور ، والجماهير مضطرون إلى امتثال كل ما يأمر به وينهى ، فأين الجمهورية الحقيقية ؟ وأين حكومة الشعب وبالشعب وللشعب ، الواقع أنها نعرات جوفاء ، أو هتافات فارغة ، أو دعاوي كاذبة ليس وراءها قانون ولا نظام ، فالشعب مكلف لأن يكون مثالاً لهذا المثل العربي : الناس أتباع من غلب .

صورة عملية للاحتكار :

تشير خطة ترامب للسلام إلى أنه تكون على ساحل البحر الأبيض المتوسط مبان ناطحات للسحاب وأبراج عالية ، ومنتزهات سياحية ، ووحدات سكنية ومطار جديد ، وهلم جراً ، لكن ماذا يكون مستقبل غزة ؟ لم يأت فيها ذكر لرفاهية سكان غزة ، وكما أشار المحللون والخبراء أن سكان غزة يُستخدمون كعملاء وأجراء في العمليات البنائية ، وتغتصب أراضيهم ، ولا يُرجى أن المباني الجديدة التي تبنى ستكون فيها أسهم وشراكة لمواطني غزة ، لأن ترامب لم يأت بهذه الخطة لتوفير الأمن والسلام وإحلاله في غزة ، بل يعمل كل ذلك لمصالح تجارية ، كما أشار إلى ذلك من قبل : إني سمسار عقارات ، ووكيل عقاري ، وغزة جزء من أراض جميلة ، وقد نشر كوشنر خريطة مصورة لهذه المنطقة ، فإذا كان الأمر هكذا فكانت غزة مركزاً عالمياً للتجارة والسياحة حسب مشروعهم .

محاولات سابقة للسيطرة :

هذا في جانب ، وفي جانب آخر قد أعلن ترامب من قبل عن صفقة القرن ، وتحقيقاً لهذا الهدف عقد مؤتمر في باسم ورشة العمل من أجل الازدهار في 25 – 26/ من يونيو عام 2019م في البحرين ، وذلك برئاسة جاريد كوشنر صهر ترامب ، وكان المؤتمر يهدف إلى حل نزاع بين إسرائيل وفلسطين وضخ استثمارات لهم ، وذلك بتقديم خمسين مليار دولار ، وأطلق كوشنر سيلاً من الوعود المعسولة لإسرائيل ، وأغفل حقوق الفلسطينينن ، هذا ما سمي بصفقة القرن ، قاطع هذا المؤتمر أهل فلسطين حكومةً وشعباً قائلين : لا يمكن الحديث عن الجانب الاقتصادي قبل التطرق إلى الحلول السياسية الممكنة ، وقالت القيادة الفلسطينية : إن ترامب منحاز تماماً لصالح إسرائيل .

هذا في الفترة الأولى من رئاسته ، وفي هذه الفترة أعلن ترامب عن نقل مواطني غزة وسكانها إلى مصر والأردن ، لكن هذا الإعلان لم يلق إليه أحد بالاً ، ولم يعد بطائل ، واعتبر هباءً منثوراً ، ثم أصدر في 29/ من شهر سبتمبر 2025م ، خطةً مفصلةً عن وقف إطلاق النار في القطاع ، تشتمل على 20/ بندا ، وهي تسعى لتكون غزة منطقةً منزوعة السلاح ، ويعاد تطويرها لصالح سكانها ، رحب العالم الإنساني حتى قيادة حماس بهذه الخطة ، وبدأ تسليم الرهائن وتبادلهم بين الطرفين ، لكن الاحتلال ظل خارقاً للخطة منذ أول يومها ، رغم أن حماس التزمت بالمبادئ التي اشتملت عليها الخطة .

مجلس السلام بين مؤيد ومعارض :

مجلس السلام لترامب أثار جدلاً شائكاً على الصعيد العالمي ، فانقسم الناس بين رافض ومتردد وصامت وموافق ، وقد استجابت الدول الخليجية بهذه الخطة ، وانضمت إليها أمثال الإمارات والسعودية وقطر والبحرين ، ومصر والأردن والمغرب ، وتركيا وباكستان وألمانيا وكازاخستان وإندونيسيا ، واعتبرتها قراراً جماعياً ، وقد رفضت بريطانيا رغم أنها حليفة لأمريكا بسبب توسيع مهامها ، الانضمام إلى مجلس السلام ، ولم يوافق الرئيس الفرنسي على هذا القرار ، كما تقبل دعوة ترامب إسبانيا والسويد والنرويج وغير ها من الدول .

إن إنشاء المجالس وتكوين الهيئات وصياغة المنظمات والأكاديميات من الأعمال الإيجابية ، وهي تؤدي دوراً رئيسياً في تطوير المجتمعات الإنسانية وتفعيل النشاطات المتنوعة ، لكن إذا كان وراءها نوايا غير صالحة ، ومصالح غير مرضية ، فإن هذه الهيئات والمنظمات لا تسمن ولا تغني من الأسماء البراقة ، وقد وضعت كثير من المصطلحات في هذا الزمان ، وهي مسترعية لانتباه الناس ، ولافتة لأنظارهم ، لكنها في الواقع تمثل قول الله تعالى : ” ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب ” ، فلا يُرجى من هذا المجلس الجديد إلا هذا ، لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً .