المقاربات التعليمية وعلاقتها باكتساب اللغة
مايو 24, 2026تجَلِّيَاتُ اَللُّغَةِ اَلْعَرَبِيَّةِ فِي تَعْزِيزِ البعد اَلْعَرَبِيُّ
مايو 24, 2026دراسات وأبحاث :
الصيام ومرض السكر
رؤية طبية في ضوء المقاصد الصحية للصيام
د . يوسف محمد الندوي *
مرض السكر من أكثر الأمراض المزمنة شيوعاً في العصر الحديث ، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بنمط الحياة والغذاء . ويأتي الصيام في الإسلام عبادةً ذات أبعاد روحية وصحية متكاملة ، تجمع بين تهذيب النفس وتنظيم الوظائف الحيوية للجسم . تهدف هذه الدراسة إلى بيان الأثر الصحي للصيام عند مرضى السكري في ضوء النصوص الشرعية والمقاصد الصحية للصيام مع قراءة طبية معاصرة تُبرز حدود الاستفادة منه ، وضوابط ممارسته ومتى تُقدَّم الرخصة الشرعية حفظاً للنفس . وتخلص الدراسة إلى أن الصيام المنضبط قد يحقق فوائد صحيةً معتبرةً لفئات من مرضى السكري ، خاصةً غير المعتمدين على الإنسولين ، مع التأكيد على ضرورة الالتزام بالإرشادات الطبية ، انطلاقاً من قاعدة التيسير ورفع الحرج التي قررها القرآن الكريم .
الكلمات المفتاحية : الصيام ، داء السكر ، المقاصد الصحية ، الطب الوقائي ، رمضان .
المقدمة :
داء السكر من أكثر الأمراض المزمنة انتشاراً في العالم المعاصر ، ويتميّز بارتفاع مستوى السكر في الدم عن الحدود الطبيعية ، وقد يصاحبه ظهور السكر في البول . ومع ذلك فإن وجود قدرٍ من السكر في الدم أمرٌ ضروريّ لكل إنسان ، إذ يُمثّل الجلوكوز المصدرَ الأساسي للطاقة التي يحتاجها الجسم لأداء وظائفه الحيوية . يحصل الإنسان على السكر من تناوله للأغذية النشوية والسكرية ( الكربوهيدرات ) ، حيث تُهضم في القناة الهضمية وتتحول إلى جلوكوز يُمتص تدريجياً إلى مجرى الدم . وتمتاز هذه العملية – في الحالة السوية – بالتدرّج والانتظام ، مما يُسهم في المحافظة على توازن مستوى السكر في الدم . غير أن الإفراط في تناول هذه الأغذية يؤدي إلى ارتفاع غير طبيعي في مستوى الجلوكوز يفوق حاجة الجسم الفعلية .
التنظيم الفسيولوجي لسكر الدم :
تتجلّى حكمة الخالق سبحانه وتعالى في آلية تنظيم السكر في الجسم ؛ إذ يقوم الجسم السليم بتخزين الفائض من الجلوكوز في الكبد – وهو المخزن الرئيسي – وفي العضلات ، ليستفيد منه الإنسان عند الحاجة أو نقص الغذاء . كما يتميّز الجسم بآلية دقيقة تضمن عودة مستوى السكر إلى حدوده الطبيعية بعد الوجبات . ويؤدي البنكرياس دوراً محورياً في هذه العملية من خلال إفراز هرمون الإنسولين ، الذي يُسهِم في إدخال الجلوكوز من الدم إلى داخل الخلايا ليستعمل مصدراً للطاقة . وعندما يختلّ إفراز هذا الهرمون أو تضعف استجابة الخلايا له ، يظهر مرض السكري وتبدأ المضاعفات الصحية إن لم يُضبط علاجياً وغذائياً .
الصيام في المنظور الشرعي والمقاصدي :
شرع الله تعالى الصيام تشريعاً ربانياً يجمع بين المقصد التعبدي والمصلحة الصحية ، فقال سبحانه : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) [ البقرة : 183 ] .
وتُشير التقوى هنا إلى ضبط السلوك والشهوات ، وهو ما يتجلّى طبياً في الانضباط الغذائي وتنظيم أوقات الأكل ، مما ينعكس إيجاباً على التمثيل الغذائي ، ويؤكد القرآن أن الصيام عبادة محدودة الزمن : ( أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ ) ، وهو توصيف دقيق ينسجم مع المفهوم الطبي الحديث للصيام المتقطّع ، الذي يمنح الجسم فترات راحة منتظمة دون إلحاق الضرر به .
الرخصة الشرعية وأساسها الطبي :
من مظاهر رحمة الشريعة الإسلامية مراعاتها لحالات المرض ، إذ يقول الله تعالى : ( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) ، ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) [ البقرة : 184 – 185 ] .
وتُعدّ هذه الآيات أصلاً مقاصدياً يتوافق تماماً مع المبادئ الطبية الحديثة التي تُقدّم سلامة المريض ومنع الضرر على أي التزام قد يفاقم حالته الصحية .
الأثر الصحي للصيام عند مرضى السكري :
تشير الخبرة الطبية والدراسات الحديثة إلى أن الصيام المنضبط قد يحقق فوائد صحيةً لعدد كبير من مرضى السكري ، خاصةً غير المعتمدين على الإنسولين . فخلال ساعات الصيام يقل تناول السكريات ، وينخفض مستوى الجلوكوز في الدم ، ويبدأ الجسم بالاعتماد على مخزونه في الكبد ، ثم على الدهون المختزنة ، مما يُسهم في تحسين التمثيل الغذائي وإنقاص الوزن ، كما يُساعد الصيام على تدريب المرضى على تنظيم أوقات الطعام والاعتدال في الكمية ، والابتعاد عن العشوائية الغذائية التي تُعدّ من أهم أسباب اضطراب سكر الدم . ويؤكد هذا المعنى ما ورد في الحديث الصحيح : ” الصيام جُنّة ( متفق عليه ) أي وقاية شاملة ، تشمل الوقاية الروحية والطبية .
أما الحديث المشهور : ” صوموا تصحّوا ” ، فمع أن في سنده خلافاً ، إلا أن معناه العام تؤيده التجربة الطبية والمشاهدات السريرية .
تصنيف مرضى السكري من حيث القدرة على الصيام :
أولاً : غير المعتمدين على الإنسولين ، وهم غالباً الأقدر على الصيام ، لا سيما من يعتمدون على الحمية الغذائية أو الأدوية الفموية ، بشرط الالتزام بنظام غذائي متوازن ، وتجنّب الإفراط في الحلويات الرمضانية .
ثانياً : المعتمدون على الإنسولين ، وتختلف حالاتهم من شخص لآخر ؛ فبعضهم يمكنه الصيام بعد تعديل الجرعات وتحت إشراف طبي دقيق ، بينما يُنصح آخرون بالفطر ، عملاً بالرخصة الشرعية وحفظاً للنفس .
إرشادات طبية لمرضى السكري في رمضان :
- استشارة الطبيب قبل بدء الصيام
- عدم إهمال وجبة السحور وتأخيرها
- الاعتدال في وجبة الإفطار
- تجنّب السكريات السريعة والمقليات
- الإكثار من شرب الماء
- المراقبة المنتظمة لمستوى السكر
- الإفطار فوراً عند ظهور أعراض هبوط السكر
الخاتمة :
يؤكد هذا العرض أن الصيام في الإسلام عبادة قائمة على التوازن بين مقاصد الدين ومصالح الجسد ، وقد لخّص القرآن هذا المعنى بقوله تعالى : ( وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ، فهو خيرٌ في العبادة ، وخيرٌ في الصحة ، وخيرٌ في تقويم نمط الحياة . ومن عجز عنه فله في الرخصة الشرعية طاعة وأجر ، ويبقى شهر رمضان فرصة سنوية لإعادة بناء الإنسان روحياً وصحياً وفق منهج رباني متكامل . جعلنا الله من المقبولين الصيام والصلاة وسائر العبادات .
* الأمين العام : رابطة الأدب الإسلامي العالمية ، فرع كيرلا ، والأستاذ المساعد ، كلية دار الأيتام المسلمين بويناد .

