تربية الأولاد وتعليمُهم ¨
مايو 24, 2026بعث الحكمة الإسلامية
مايو 24, 2026الدعوة الإسلامية :
الصيام وسعة الرزق
الدكتور أشرف شعبان *
لقد نوع الإسلام في عباداته ، فمنها ما يتمثل في القول كالدعاء وذكر الله والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الجاهل وإرشاد الضال وما يدور في هذا الفلك ، ومنها ما يتجلى في الفعل بدنيا كالصلاة أو مالياً كالزكاة أو جامعاً بينهما كالحج والجهاد في سبيل الله ، ومنها ما ليس قولاً ولا فعلاً ، ولكنه كف وامتناع فقط ، وذلك كالصوم الذي هو امتناع عن الأكل والشرب ومباشرة النساء من طلوع الفجر إلى غروب الشمس [1] وقد شرع الله الصوم إيقاظاً للروح ، وتصحيحاً للجسد ، وتقويةً للإرادة وتعويداً على الصبر وتعريفاً بالنعمة وتربيةً لمشاعر الرحمة وتدريباً على كمال التسليم لله رب العالمين [2] وإذا كان الصيام هكذا إلا أنه إذا أدى كما شرع الله يجني الصائمون من بين ثماره سعةً في أرزاقهم وفي أرزاق فقرائهم وفقراء أهل ذمتهم أيضاً .
وسبل سعة الرزق بالصيام هي : بالصيام تقضى الحاجات وتستجاب الدعوات [3] ، فقد جاءت آية الدعاء في القرآن الكريم ، وهي قوله تعالى في سورة البقرة الآية 186 ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) بين ثنايا آيات الصيام والتي ورد ذكرها في نفس السورة الآيات من 183 إلى 187 قال ابن كثير : وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة بل وعند كل فطر ، وفي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ثلاثة لا ترد دعوتهم : الإمام العادل والصائم حين يفطر ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة ، وتفتح لها أبواب السماء ويقول : بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين ” ، كما روى الإمام أبو داود عن عبد الله ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة ” ، وروى ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد ” [4] .
والصيام من سبل التقوى وتلك التقوى وهي الغاية التي ينبغي أن ترجى من الصيام ، وهي الثمرة التي جعلها القرآن مرجوةً بحصوله ، وهي الحكمة التي يفسر بها لماذا فرضه الله علينا وعلى الذين من قبلنا كما في قوله تعالى في سورة البقرة الآية 183 ( يا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) [5] ، إذا تحققت في نفس الصائم وتحلى بها واصطبغت حياته بها قلباً وقالباً وقولاً وفعلاً ما ظهر منها وما بطن تعود آثارها عليه رزقاً ، ومن ثم على من حوله سعةً في الأنفاق كما تعود عليهم بالعدل والإحسان في معاملته لهم .
ولما كان لأعمال الفرد سواء كانت خيراً أو شراً جملة آثار تعود عليه ويجني ثمارها في الدنيا قبل الآخرة ، فإن كانت من الحسنات أثرت في الرزق بالسعة وإن كانت من السيئات أثرت في الرزق بالنقص ، قال ابن عباس : إن للحسنة ضياء في الوجه ونوراً في القلب وقوةً في البدن وسعةً في الرزق ومحبةً في قلوب الخلق ، وأن للسيئة سواداً في الوجه وظلمة في القلب ووهناً في البدن ونقصاً في الرزق وبغضةً في قلوب الخلق [6] ، فما بالنا بالصيام الذي يتجاوز ثوابه قانون التقدير والحساب ، فمن المعلوم إن كل حسنة بعشرة أمثالها إلى سبع مائة ضعف إلا الصيام فالله يجازي به كيفما شاء إذ قال الله تعالى فيما حكاه عنه نبيه صلى الله عليه وسلم ” كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ” من حديث أبي هريرة رضي الله عنه [7] .
وفي شهر رمضان المادية يزداد رزق المؤمن وإلى ذلك أشار رسول الله صلى الله عليه في خطبته عندما حضر رمضان فقال : ” يا أيها الناس ! قد أظلكم شهر عظيم مبارك شهر فيه ليلة خير من ألف شهر جعل الله صيامه فريضةً وقيام ليله تطوعاً ، من تقرب فيه بخصلة كان كمن أدى فريضةً فيما سواه ، ومن أدى فريضةً فيه كان كمن أدى سبعين فريضةً فيما سواه ، وهو شهر الصبر ، والصبر ثوابه الجنة ، وشهر المواساة ، وشهر يزاد فيه رزق المؤمن ، من فطر فيه صائماً كان مغفرةً لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيئ ” ، قالوا يا رسول الله ! ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” يعطي الله هذا الثواب من فطر صائماً على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن ، وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار ، ومن خفف عن مملوكه فيه غفر الله له وأعتقه من النار ، فاستكثروا فيه من أربع خصال : خصلتين ترضون بهما ربكم وخصلتين لا غناء بكم عنهما ، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه ، وأما الخصلتان اللتان لا غناء بكم عنهما فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار ، ومن سقى صائماً سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخله الجنة ” رواه ابن خزيمة في صحيحه والبيهي وأبو الشيخ الأصبهاني في الثواب مختصراً ونقله الحافظ ابن المنذر في الترغيب والترهيب . وزيادة الرزق هنا إما معنوية بجعل القليل كثيراً وإما بزيادة حسية بأن يفتح الله تعالى على المؤمن في هذا الشهر من أبواب الرزق ما لم يخطر له على بال ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، ومن المشاهد أننا نرى الزيادة الحسية المادية ظاهرة في شهر رمضان عن غيره من الشهور ، وهذه من بركة الشهر الكريم [8] .
وشهر رمضان هو شهر الإكثار من الصدقات والإحسان وكافة أنواع القربات ، روى صدقة بن موسى عن ثابت عن أنس قال قيل يا رسول الله ! أي الصدقة أفضل ؟ قال : ” صدقة في رمضان ” [9] ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود ما يكون في رمضان خصوصاً عند لقاء جبريل ، فقد ورد عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة ، رواه البخاري ، وعن أنس خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم عند السحور : ” يا أنس ! إني أريد الصيام فأطعمني شيئاً ” فأتيته بتمر وأناء فيه ماء ، وذلك قبل الفجر بيسير فقال لي : ” يا أنس . . انظر رجلاً يأكل معي ” فدعوت زيد بن ثابت فدخل وتسحر معه ثم قام فصلى ركعتين ، ثم خرج إلى الصلاة أخرجه النسائي ، وكذلك كان أصحابه الأجلاء عليهم جميعاً رضوان الله يواسون الفقراء من إفطارهم أو يؤثرون على أنفسهم ، ويطوون هم على الجوع ، فقد روى أن ابن عمر رضى الله عنهما كان يصوم ولا يفطر إلا مع المساكين ، فإذا لم يجد أو منعه أهله عنهم لم يتعش تلك الليلة ، وكان إذا جاءه سائل وهو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام وقام فأعطاه للسائل فربما رجع فوجد أهله قد أكلوا ما بقي من الطعام ، فيصبح صائماً وما أكل شيئاً ، يقول الشافعي رضي الله عنه : أحب للصائم الزيادة بالجود في شهر رمضان اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحسبك قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ” . . . . من فطر فيه صائماً كان مغفرةً لذنوبه وعتقاً لرقبته من النار ، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيئ ” ، قالوا يا رسول الله ! ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” يعطي الله هذا الثواب من فطر صائماً على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن ” ، كما قال : ” من سقى صائماً سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ بعده حتى يدخل الجنة ” [10] .
وفي شهر رمضان تشهد الأسواق التجارية بمختلف أنواعها انتعاشاً اقتصادياً ملحوظاً حيث يقبل الصائمون في أوله على شراء ما لذ وطاب من الأطعمة حيث تختص بعض الأطعمة بالإقبال عليها في هذا الشهر فقط دون غيره من الشهور كما تشهد بعض المأكولات زيادة الطلب عليها أكثر من أي شهر آخر ومن يقتصر في صيامه على وجبتي الإفطار والسحور دون تبذير ولا إسراف ، سيؤدي ذلك حتماً إلى خفض الاستهلاك مما سيكون له تأثير إيجابي على ميزانية الأسرة وستصبح أيام الصيام أيام توفير وادخار ، وفي آخر الشهر الكريم يحرص الصائمون على اقتناء الملابس الجديدة ما قل سعرها وما علا استعداداً لعيد الفطر المبارك .
ومن بين المنافع المادية لفريضة الصيام التي تعتبر مصدر رزق للمنتفع بها ، فدية الإفطار ، حيث يرخص للشيخ الكبير ، والمرأة العجوز ، والمريض الذي لا يرجى برؤه ، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو أولادهما ، والذين يسترزقون من ممارسة أعمال شاقة وليس لديهم مصدر للرزق غيرها ، يرخص لهؤلاء جميعاً في الفطر إذا كان الصيام يجهدهم ويشق عليهم مشقةً شديدةً طوال أيام السنة . ويجب على كل منهم فدية إطعام مسكيناً عن كل يوم قال تعالى في سورة البقرة آية 184 ( وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ) قال ابن عباس : رخص للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً ولا قضاء عليه ، رواه الدارقطني والحاكم وصححاه . وروى أبو داود عن عكرمة قول ابن عباس رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكيناً ، والحبلى والمرضع إذا خافتا ” يعني على أولادهما ” أفطرتا وأطعمتا رواه البزار ، وزاد في آخره : وكان ابن عباس يقول لأم ولد له حبلى : أنت بمنزلة الذي لا يطيقه ، فعليك الفداء ولا قضاء عليك وصحح الدارقطني إسناده . وعن نافع أن ابن عمر سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها فقال : تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكيناً مدا من حنطة ( رواه مالك والبيهقي ) . فالحبلى والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو أولادهما أفطرتا ، وعليهما الفدية ، ولا قضاء عليهما ، عند ابن عمر وابن عباس . وفي الحديث ” إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحبلى والمرضع الصوم ” وعند الأحناف وأبي عبيد وأبي ثور أنهما يقضيان فقط ولا إطعام عليهما . وعند أحمد والشافعي أنهما إن خافتا على الولد فقط وأفطرتا فعليهما القضاء والفدية وإن خافتا على أنفسهما فقط أو على أنفسهما وعلى ولدهما فعليهما القضاء لا غير . والمريض الذي لا يرجى برؤه ويجهده الصوم مثل الشيخ الكبير ولا فرق وكذلك العمال الذين يضطلعون بمشاق الأعمال . قال الشيخ محمد عبده : فالمراد بمن ( يطيقونه ) في الآية الشيوخ الضعفاء والزمنى ونحوهم كالفعلة الذين جعل الله معاشهم الدائم بالأشغال الشاقة كاستخراج الفحم الحجري من مناجمه . ومنهم المجرمون الذين يحكم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة إذا شق الصيام عليهم بالفعل وكانوا يملكون الفدية [11] .
* جمهورية مصر العربية .
[1] العبادة في الإسلام ، يوسف القرضاوي ، ص 286 .
[2] العبادة في الإسلام ، يوسف القرضاوي ، ص 294 .
[3] عقيدة المؤمن ، أبو بكر جابر الجزائري ، ص 103 .
[4] البركة في القرآن ، محمد أحمد طه ، ص 159 و 160 .
[5] مجلة الهداية ، العدد 271 ، السنة الثالثة والعشرون ، رمضان 1420هـ ، يناير 2000م ، ص 19 ، مقال بعنوان ( لماذا نصوم ؟ ) .
[6] الوابل الصيب والكلم الطيب لابن قيم الجوزية ، ص 69 .
[7] إحياء علوم الدين ، أبى حامد الغزالي ، ج 1 ، ص 205 .
[8] البركة في القرآن ، محمد أحمد طه ، ص 163 .
[9] شعب الإيمان ، أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي ، ج 3 ، ص 312 .
[10] من وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم ، طه عبد الله العفيفي ، ج 1 ، ص 301 – 306 .
[11] فقه السنة ، السيد سابق ، ج 1 ، ص 439 – 441 .

