تطوّر الخط العربي عبر التاريخ
مايو 24, 2026مكارم الأخلاق جوهر الإنسان
مايو 24, 2026بأقلام القراء :
ومن طلب العلا سهر الليالي
الأستاذ عبد الوكيل مسرور العمري *
العلم سلّم للصعود إلى المنازل الرفيعة ، به يعرج إلى الكمال في الدنيا والآخرة ، طرقه وعرة صعبة المسالك ، شائكة عسيرة المنافذ ، لا يسلكها إلا من تسلح بالأسلحة التي تقاوم بها أخطار تلك الطرق بكل شجاعة وجرأة ، إنها السبل لا يماشيها من تزلزل عزمه ، وضعفت همته ، وتضاءل ضوء إرادته وأفلت شمس عزيمته ، وخبت نار إقدامه وأجدبت أرض كدحه ، وأقلعت سماء رغبته .
إنها الطرق لا يسايرها من تلفظ همته أنفاسها الأخيرة من حياتها ، وروح صبره تزهق ، وبنيان ثباته يتضعضع ، وجبل استقامته ينسف نسفاً ، وماء شوقه يصبح غوراً يوماً فيوماً ، وشجرة سعيه تيبس يبساً ، ووردة حرصه تذبل شيئاً فشيئاً ، وأوراق إخلاصه تتهافت تهافتاً ، وكأس معصيته تدهق ، ومصباح تقواه يكاد ينطفئ ، وإله هواه يعبد .
إنما ينال هذا العلم من تحلى بحلية التقوى وكسا نفسه ثوب الإخلاص وركب الكد والكدح وامتطى صهوة الجلد والصبر ، ولا يناله إلا من فارق المذاق لسانه ، وجانب النوم عينه وتجافى جنبه عن المضجع ، وقليلاً من الليل هجع ، وصفر الجوع وجهه ، وأضمر الجد بطنه والعطش جفف شفته ، وأثقل الحفظ صدره وأنهكت المراجعة قوته ، وقرح السفر رجله والتأمل شيب رأسه والمطالعة شغلته عن الدنيا وما فيها ، وإمعان النظر أنساه نفسه وأهله ومن حوله ، والكتاب ألهاه عما في الجراب ، مسافر هذا الطريق يتزود ذكاءً يغذي به في سفره ، وحرصاً واجتهاداً يلازمهما طيلة رحلته وإرشاداً يخالِلُه مع طول عهد يتقن علمه ، أدباً يلزمه ، وصمتاً بالغ الصمت يصحبه ، واستقامته لا تنقطع ، وتضحيته لا تنفك عنه وإخلاصاً في أوله وآخره يتحلى به ، وعملاً صالحاً يرضي ربه .
إذاً فلا تتوقع – أيها الطالب للعلم – أنك إذا خرجت تطلب العلم وجدت حدائق الثمار الغناء ذات الأغصان المورقة الناضرة ذات القطوف الدانية ترحب بك طيلة سفرك في الطريق تدعوك إلى الاستظلال بظلها والاقتطاف من ثمارها ، كلا … بل تيقن أن بحر المشاق والشدائد يموج أمامك موجاً ، وصخور المصايب تنحدر عليك لتسد طريقك في حين أنك ترى رياح النوائب تهب في كل جهة فتتراكم سحب البلايا ثم تمطر عليك مطراً ، وعواصف الفقر والاحتياج تريد أن تصرعك في الطريق ، وزوابع المكاره تريد أن تقلع عزيمتك ، وليالي الهموم والأحزان المدلهمة ترخي عليك أستارها حتى لا تهتدي إلى صبح السرور والأفراح ، وحيات الأمراض تلدغك لدغاً وثعابين الفوادح تنهشك نهشاً ، ونحل الرزايا تلسعك لسعاً ، ورحى الكوارث تطحنك طحناً ، ورياح الخطوب تجري حول سفينة عافيتك لكي تغرقها غرقاً .
فيا طالب العلم ! إذا كان سفر هذا الطريق مليئاً بمثل هذه الأخطار فقاومها بالأسلحة التي تقدم ذكرها ، وأزل بها حواجز هذا الطريق وعراقيلها وعوائقها ، وكن صامداً أمام جميع تحدياته متحلياً بصدق العزيمة إن شاء الله .
إذا واصلت مسيرك وفقاً للشروط السالفة ستجد مطلبك وتنال مقصدك وتبلغ غايتك المنشودة وهدفك الذي تسعى إليه بإذن الله ومشيئته وتحصل على مرضاة الله التي هي أساس هذا العلم ورأسه ، وعماده وقوامه ، وبالتالي تسعد في دنياك وآخرك إن شاء الله .
قال أبو حاتم رحمه الله : ” لا ينال العلم براحة الجسم ” .
وقال الشاعر :
تريدين لــقــيان المعالي رخيصة ولا بد دون الشهد من إبر النحل
وقال آخر :
بقدر الكد تكتسب المعالي ومــن طـلــب الــعلا سـهـر الليالي
فالورد لا يطلع إلا من خلال الأشواك ناشئاً في حجرها ، ومتربياً في أحضانها ، والعسل لا يُحصل إلا من خلال إبر النحل مترعرعاً في مهدها .
* أستاذ اللغة العربية بجامعة دار السلام بعمرآباد – الهند .

