مكارم الأخلاق جوهر الإنسان

ومن طلب العلا سهر الليالي
مايو 24, 2026
مايو 24, 2026
ومن طلب العلا سهر الليالي
مايو 24, 2026
مايو 24, 2026

بأقلام القراء :

مكارم الأخلاق جوهر الإنسان

بقلم : الأخ محمد إنعام الحق *

(1) المقدمة :

إن مكارم الأخلاق ملاك الفضائل ونظام عقدها ، ومحور فلكها ، وأكثرها إعداداً وتأهيلاً لكسب المحامد والأمجاد ، ونيل المحبة بين الناس والاعتداد . وفي حديث صحيح : قالوا : يَا رَسُولَ اللهِ ! مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ الْعَبْدُ ، قَالَ : ” خَلُقَ حَسَنٌ ” [1] .

(2) تعريف مكارم الأخلاق :

مكارم : جمع المكرمة والمكرم : معناها فعل الكرم ، وفعل الخير ومحاسنه ، والأخلاق: جمع الخلق ( بضم اللام وسكونها ) : وهو الدين والطبع والسجية [2] .

وأما في اصطلاح الأخلاق قد عرفها العلماء بتعريفات عديدة ، فأحسن ما قاله الإمام أبو العباس القرطبي ( أستاذ الإمام القرطبي المعروف ) : وهي عبارة عن أوصاف الإنسان التي بها يعامل غيره ، ويخالطه [3] .

فمكارم الأخلاق : هي أن يكون سهل العريكة ، لين الجانب ، طليق الوجه ، قليل النفور ، طيب الكلمة [4] .

(3) أركان مكارم الأخلاق :

حسن الخلق يقوم على أربعة أركان لا يُتصور قيام ساقه إلا عليها : الصبر ، والعفة ، والشجاعة ، والعدل ، ومنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة [5] .

(4) منزلة الأخلاق في الإسلام :

الأخلاق الفاضلة لها منزلة رفيعة في دين الله ، وأن التحلي بها يفتح الطريق أمام الإنسان للسعادة والرضا في الدنيا والآخرة ، والأخلاق الإسلامية هي القيم والمبادئ والأدب التي يجب أن يتصف بها الإنسان ويتحلى بها ، ولقد حث الإسلام على مكارم الأخلاق ، فهي عبادة يتقرب بها المسلم إلى ربه ، وقد امتدح الله نبيه الكريم بحسن خلقه فقال : ( إِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم ) [6] .

وفي حديث صحيح قَالَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” مَا شَيْءٌ أَثقلُ فِي مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خَلْقٍ حَسَنٍ ” [7] .

وقال صلى الله عليه وسلم : ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ” [8] ، فهذا الحديث يدل بمنطوقه ومفهومه الموافق إلى أن الأخلاق الحسنة كانت موجودةً لدى كفار مكة مع رذائلها ونقصانها وقصورها ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم بإكمالها وإتمامها الحسنة وإنكارها السيئة الرذيلة .

(5) أقسام الأخلاق :

قسمها العلماء على قسمين : محمود ومذموم ، فالمحمود : إن كانت تصدر عن الشخص الأفعال الجميلة المحمودة عقلاً وشرعاً سميتها خلقاً حسناً ، ومنها : صفات الأنبياء ، والأولياء والفضلاء ، كالصبر ، والحلم ، والإحسان ، طاعة الوالدين ، وتحمل الأذى ، وكف الأذى عن الناس ، والتواضع ، والتعاون ، والتسامح ، والمسارعة في حوائجهم ، والرحمة ، والشفقة ، والتثبت في الأمور ، ومجانبة المفاسد والشرور ، وغيرها ، والمذموم : إن كان الصادر عنه الأفعال القبيحة سميتها خلقاً سيئاً ، ومنها : نقيض ما ذكرته كله [9] .

(6) وسائل اكتساب الأخلاق الحسنة :

لا ريب أن أثقل ما على الطبيعة البشرية تغيير الأخلاق التي طبعت عليها النفس ، إلا أن ذلك ليس مستحيلاً ، بل هناك وسائل وأسباب يستطيع الإنسان من خلالها أن يكتسب حسن الخلق ، ومنها :

(1) سلامة العقيدة والدين : شأن العقيدة عظيم ، وأمرها جليل ، فالأخلاق ثمرة لما يحمله الإنسان من العقيدة والدين ، والانحراف إنما هو ناتج عن خلل في العقيدة ، فإذا صحت العقيدة حسنت الأخلاق تبعاً لذلك ، وقال النبي صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” كَرَمُ الرَّجُلِ دِينَهُ ، وَمُرُوءَ لَهُ عَقْلَهُ ، وَحَسَبُهُ خَلْقَه ” [10] .

(2) المجاهدة : أن الخلق الحسن نوع من الهداية يحصل عليه المرء بالمجاهدة ، قال تعالى : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) [11] .

(3) المحاسبة : أن النفس إذا ارتكبت أخلاقاً ذميمةً ، وحملها على ألا تعود إلى تلك الأخلاق مرةً أخرى ، وإذا أحسنت فلها الثواب ، وإذا قصّرت فلها العقاب .

(4) علو الهمة : فعلو الهمة يستلزم الجد والإباء ، فمن علت همته وخشعت نفسه اتصف بكل خلق جميل ، ومن دنت همته وطغت نفسه اتصف بكل خلق رذيل كما قال ابن القيم [12] .

(5) الدعاء : فمن رغب في التحلي بمكارم الأخلاق ورغب في التخلي من مساوئ الأخلاق ، فليلجأ إلى ربه ليرزقه حسن الخلق ويصرف عنه سيئه ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعاء الاستفتاح :       ” اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلا أَنْتَ ، وَاصْرِفْ عَنِّي سيئها لا يَصْرِفُ عَنِّي سَيئهَا إِلا أَنْتَ ” [13] .

(7) مخاطر الأخلاق المذمومة :

قد ينتج عن سوء الأخلاق عدد من التصرفات في حياة الإنسان كالمشاكل واختيار رفقة السوء التي تؤدي بهم المسالك الجرائم والمخدرات ، وشرب الخمور وما إلى ذلك ، فتغيب عقولهم وتكثر سلبياتهم ويشيع الفساد فيمن حولهم ، ولا يسلم منهم الصغير والكبير بمختلف أشكال الأذى ، ثم لا مرد لهم من أمرهم إلا إلى الله عز وجل .

(8) الخاتمة :

وللأخلاق دور كبير في التأثير على الواقع وتغييره ، ويتميز الشخص عن غيره بأخلاقه الحسنة في الحاضر والبادي والمجتمع والوطن ، فهي فرضية دينية وضرورية اجتماعية ، لذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ” ، ونادت جميع الأديان السماوية المختلفة بالأخلاق ، وتغنى بها الشعراء في قصائدهم المختلفة للحث على التمسك بها وقد قيل :

إني سمعت من العطور جميعها    وعرفت أطيبها على الإطلاق

كل الـــعطور سينتهي مفعولها    ويدوم عطر مكارم الأخلاق

* الباحث في الدكتوراه بقسم الشريعة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة .

[1] رواه ابن ماجه برقم 3436 (2/1137) ، وأحمد برقم 18454 (30/394) ، وصححه ابن حبان برقم 478 (2/226) ، والحاكم في المستدرك (4/220) .

[2] مختار الصحاح ، ص 268 ، لسان العرب (10/86) .

[3] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي (6/116) .

[4] أدب الدنيا والدين الماوردي ، ص 243 .

[5] مدارج السالكين لابن قيم الجوزية (2/294) .

[6] سورة القلم : 4 .

[7] رواه الترمذي برقم 2002 (4/362) ، صححه الألباني وغيره .

[8] السنن الكبرى للبيهقي برقم 20782 (10/323) ، وصححه الحاكم في المستدرك (2/670) .

[9] إحياء علوم الدين (3/53) ، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي (6/116) .

[10] مسند أحمد (14/381) ، الدار قطني برقم 3804 (4/466) ، شعب الإيمان برقم 4335 (6/365) ، صححه الحاكم في المستدرك برقم 425 (1/212) ، وابن حبان برقم 483 (2/232) .

[11] سورة العنكبوت : 69 .

[12] الفوائد لابن القيم ، ص 144 .

[13] صحيح مسلم برقم 771 (1/535) .