تطوّر الخط العربي عبر التاريخ

ندوة العلماء : دعوة إلى الفكر المعتدل والمنهج المتوازن
مايو 24, 2026
ومن طلب العلا سهر الليالي
مايو 24, 2026
ندوة العلماء : دعوة إلى الفكر المعتدل والمنهج المتوازن
مايو 24, 2026
ومن طلب العلا سهر الليالي
مايو 24, 2026

بأقلام القراء :

تطوّر الخط العربي عبر التاريخ

الباحث محمد فهيم عبد الخالق الندوي *

وأخرس ينطق بالمحكمات  وجثمانه صامت أجوف

بمكة يـــنـــطــق في خـــفـــيةٍ  وبـالصين منطقه يعرف [1]

يُعدّ الخط العربي أحد أبرز الفنون الإسلامية التي تجمع بين الجمالية والوظيفة الدينية والثقافية . وقد مرّ هذا الفن بمراحل تطور متعددة ، بدءاً من الكتابة النبطية في العصور القديمة وصولاً إلى الخطوط الموزونة في العصر العثماني .

فن الخط العربي هو فن من الفنون التي برع فيها الأتراك العثمانيون لمدة تصل إلى خمسة قرون منذ القرن الخامس عشر الميلادي وحتى أوائل القرن العشرين .

العصر الجاهلي :

كانت الأبجدية العربية تُستخدم من قبل الأنباط في أراضي سوريا والأردن الحالية ، وكانت تُعرف بـ ” الكتابة النبطية ” . وقبل الإسلام ، في زمن الجاهلية ، عُرفت خطوط بأسماء منها : الخط الأنباري ( من الأنبار ) ، والخط الحيري ( من الحيرة ) ، والخط المكي ( من مكة ) ، والخط المدني ( من المدينة ) [2] . وتعود هذه الخطوط في أصولها إلى الكتابة الفينيقية ، وتميّزت بالبساطة قبل أن تتطورها إلى الجمال الأخّاذ الذي نراه اليوم .

أول من كتب بالخط العربي :

اختلفت الروايات في أول من كتب بالعربية ، فقيل : إن مرامر بن مرة من أهل الأنبار هو من بدأ انتشار الكتابة بين الناس . وتُعدّ الكتابة العربية إحدى اثنتي عشرة كتابة عُرفت عند أمم الشرق والغرب ، مثل الحميرية ، واليونانية ، والفارسية ، وغيرها [3] .

وقيل : ” أول من كتب بالعربية ، ثلاثة رجال من بولان . وهي قبيلة سكنوا الأنبار ، وإنهم اجتمعوا فوضعوا حروفاً مقطعةً وموصولةً . وهم مرامر بن مرة . وأسلم بن سدرة . وعامر بن جدره . ويقال : مرة وجدلة . فأما مرامر ، فوضع الصور . وأما أسلم ، ففصل ووصل ، وأما عامر ، فوضع الأعجام : وسئل أهل الحيرة ممن أخذتم العربي ؟ فقالوا : من أهل الأنبار . ويقال : إن الله تبارك تعالى أنطق إسماعيل بالعربية المبينة ، وهو ابن أربع وعشرين سنة ” ، وهو قول ابن عباس [4] .

وقال محمد بن إسحاق النديم [5] : ” قرأت في كتاب () مكة لعمر ابن شبه وبخطه ؛ أخبرني قوم من علماء مضر ، قالوا الذي كتب هذا العربي الجزم ، رجل من بني مخلد بن النضر بن كنانة ، فكتبت حينئذ العرب . وعن غيره ؛ الذي حمل الكتابة إلى قريش بمكة ؛ أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة ، وقد قيل : حرب بن أمية . وقيل : إنه لما هدمت الكعبة قريش وجدوا في ركن من أركانها حجراً مكتوباً فيه ؛ السلف ابن عبقر يقرأ على ربه السلام ، من رأس ثلاثة آلاف سنة . وكان في خزانة المأمون كتاب بخط عبد المطلب بن هاشم ، في جلد أدم فيه : ذكر حق عبد المطلب بن هاشم من أهل مكة ؛ على فلان بن فلان الحميري ، من أهل وزل صنعا ، عليه ألف درهم فضة كيلا بالحديدة . ومتى دعاه بها أجابه ، شهد الله والملكان . قال : وكان الخط شبه خط النساء .

ومن كتاب العرب أسيد بن أبى العيص أصيب في حجر بمسجد السور عند قبر المربين ، وقد حسم السيل عن الأرض ، فيه : أنا أسيد بن أبى العيص ، ترحم الله على بنى عبد مناف ” .

ورُوي أن إسماعيل عليه السلام هو أول من كتب بالعربية ، كما ورد عن أبي عمر بن عبد البر مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم :        ” أَوَّلُ مَنْ كَتَبَ بِالْعَرَبِيَّةِ إِسْمَاعِيلُ ” [6] . لكن الإمام الذهبي علّق في التلخيص بأن أحد رواة الحديث ( عبد العزيز ) ضعيف [7] . وقال أبو عمر : هذا أصح من رواية من قال : إن إسماعيل أول من تكلم بالعربية [8] ، وإن إسماعيل لما حصل في الحرم ونشأ وكبر تزوج في جرهم آل معاوية بن مضاض الجرهمي ، فهم أخوال ولده ، فتعلم كلامهم ولم يزل ولد إسماعيل على مر الزمان يشتقون الكلام بعضه من بعض ، ويصنعون للأشياء أسماء كثيرةً بحسب حدوث الأشياء الموجودات وظهورها ، فلما اتسع الكلام ظهر الشعر الجيد الفصيح في العدنانية ، وكثر هذا بعد معد بن عدنان ، ولكل قبيلة من قبائل العرب لغة تنفرد بها وتؤخذ عنها ، وقيل : إن أول من وضع الكتاب العربي نفيس ونضر وتيما ودومة هؤلاء ولد إسماعيل ، وضعوه مفصلاً ، وفرقة قادور بنت بن هميسع بن قادور ، قال : وإن نفرا من أهل الأنبار من أياد القديمة وضعوا حروف ألف ب ت ث ، وعنه أخذت العرب .

قال شارح القصيدة العقيلية للشاطبي : هو الخط الكوفي استنبط منه نوع نسب إلى ابن مقلة ثم آخر نسب إلى عليّ بن البوّاب ، وعلى هذا استقرّ رأي الكتاب ، انتهى .

وانتمت قضاعة إلى ابن حمير مالك بن حمير حتى قال قائلهم يفتخر بذلك :

نحن بنو الشيخ الهجان الأزهر     قضاعة بن مالك بن حمير [9]

الخط العربي في العصر الإسلامي المبكر :

مع بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وظهور الإسلام ، اكتسب الخط العربي مكانةً رفيعةً ، خاصةً بعد الهجرة النبوية عام 622م ، حيث أصبح الوسيلة الأساسية لتدوين القرآن الكريم . وكان الدافع الديني هو الأساس في نشأة هذا الفن .

وفي عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وبعد انتقال مركز النشاط السياسي إلى الكوفة والبصرة سنة 18هـ ، نشطت حركة الكتابة والقراءة . وأُطلق على الخط المكي والحجازي تسميات جديدة ، فصار يُعرف بـ ” الخط الكوفي ” في الكوفة و ” الخط البصري ” في البصرة ، ثم غلب اسم الخط الكوفي على كليهما .

العصر الأموي وتطور التشكيل :

وفي العصر الأموي ( 661 – 750م ) ، تطوّر نظام الكتابة العربية بشكل كبير ، حيث يُنسب إلى أبي الأسود الدؤلي ( 603 – 688م ) وضع علم النحو ، وأسس نظام التشكيل والتنقيط الذي كان يوضع فوق الحروف أو تحتها . ورُوي أن أبا الأسود الدؤلي ، بإرشاد أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه ، هو أول من نقط المصاحف ووضع علامات الإعجام          ( النقاط المميزة للحروف المتشابهة ) ، إذ يبعد أن الحروف مع تشابه صورها كانت عربيةٌ عن النقط إلى حين نقط المصحف [10] . ووضع نقطةً فوق الحرف ليدلّ على الفتحة ، ونقطةً تحته ليدلّ على الكسرة ، ونقطةً على يسار الحرف للدلالة على الضمّة ، ونقطتين فوق الحرف ، أو على يساره للدلالة على التنوين ، أمّا بالنسبة للحرف الساكن فتركه دون أيّ نقاط ، وفي تلك الفترة لم يُستعمل هذا الضبط إلا في القرآن الكريم .

وقد ازدهر هذا النظام في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي ( 661 – 714م ) [11] . قال  محمد بن إسحاق [12] : ” فأول الخطوط العربية : الخط المكي ، وبعده المدني ثم البصري ، ثم الكوفي ، فأما المكي والمدني ففي ألفاته تعويج إلى يمنة اليد وأعلى الأصابع وفي شكله انضجاع يسير ، وهذا مثاله ” .

العصر العباسي :

في العصر العباسي ( 132 – 750هـ ) ، شهدت حركة العلم والفن تطوراً واسعاً ، ما زاد من اهتمام الناس بالكتب ، وظهر ما يُعرف بـ              ” الورّاقين ” الذين اهتموا بنسخ الكتب . وقد استُخدمت خطوط متميزة في نسخ هذه الكتب ، مثل : الخط الوراقي ، والنسخي ، والعراقي . واعتباراً من أواخر القرن الثامن الميلادي ، ظهرت الكتابات الموزونة التي راعت الجماليات ، وصارت تُعرف باسم ” الخط الأصلي ” أو ” الخط الموزون ” .

قول ابن النديم في نشأتها بتدريج ، وهو يقول : ” أول من كتب في أيام بني أمية قطبة ، وقد استخرج الأقلام الأربعة واشتق بعضها من بعض ، وكان أكتب الناس على الأرض بالعربية ، ثم كان بعده الضحاك بن عجلان الكاتب في أول خلافة بني العباس فزاد على قطبة . فكان بعده أكتب الخلق ، ثم كان بعده إسحاق بن حماد الكاتب في خلافة المنصور والمهدي ، فزاد على الضحاك ، ثم كان لإسحاق بن حماد عدة تلامذة منهم : يوسف الكاتب الملقب بلقوة الشاعر ، وكان أكتب الناس ، ومنهم إبراهيم بن المحسن زاد على يوسف ، ومنهم شقير الخادم ، وكان مملوك مؤدب القاسم بن المنصور ، ومنهم ثناء الكاتبة جارية ابن فيوما ، ومنهم عبد الجبار الرومي ، ومنهم الشعراني والأبرش وسليم الخادم الكاتب خادم جعفر بن يحيى وعمرو بن مسعدة وأحمد بن أبي خالد وأحمد الكلبي كاتب المأمون ، وعبد الله بن شداد وعثمان بن زياد العايل ومحمد بن عبد الله الملقب بالمدني وأبو الفضل صالح بن عبد الملك التميمي الخراساني ، هؤلاء كتبوا الخطوط الأصلية الموزونة التي لا يقوى عليها أحد ” [13] .

ومن أبرز رواد هذا الفن ابن مقلة ( 272 – 328هـ/886 – 939م ) ، وهو أول من وضع قواعد الخط وأسسه ، وبلغ به درجةً عاليةً من الإتقان ، حتى سُمي خطه بـ ” الخط المنسوب ” .

وقال [14] أبو عبيد البكري الأندلسي صاحب التصانيف ، خط ابن مقلة أنشد :

خط ابن مقلة من أرعاه مُقْلَتَه ودّت جوارحه لو أصبحت مُقَلا

ومن بعده ، جاء الخطاط الكبير ابن البواب ( أبو الحسن علي بن هلال ، المتوفى 413هـ/1022م ) ، الذي فاق أهل عصره براعةً ، واشتهر اسمه في المشرق والمغرب . وقد أشار إليه أبو العلاء المعري في إحدى قصائده ، فقال :

ولاح هلالٌ مثلُ نونٍ أجادها  بماءِ النُّضارِ الكاتبُ ابنُ هلالِ

أي أنه قصد به ابن البواب هذا [15] .

ومن بعده ، نبغ خطاطون ماهرون ، من أبرزهم الحسن بن علي الجويني ، المعروف بـ ” فخر الملك الجويني ” ( ت 586هـ ) ، وكان يُلقب      بـ ” فخر الكُتاب ” . قال ياقوت الحموي [16] : ” سمعتُ جماعةً من أهل الكتابة المتحققين بها يقولون : لم يكتب أحدٌ بعد ابن البواب أجود من الجويني ” .

العصر العثماني :

بعد خمسة قرون من ريادة بغداد ، انتقل مركز فن الخط إلى اسطنبول بعد الفتح العثماني . فاسطنبول وهي تتحول بعد الفتح إلى مركز جذب للعلوم والفنون أعدت الأرضية اللازمة لتشيكل فن الخط العثماني ، وأعدت الأرضية التي عاشت عليها دورات نضوجه ، وتكون عليها الأسلوب الخاص بالخط العثماني ، فوصل فن الخط إلينا من خلال طريق طويل يجري فيه التعليم تحت إشراف أستاذ من أصحاب الإجازات ، ومن خلال علاقة المعلم ( الأسطة ) بالعامل ، ويتم تجديده ضمن الحدود الخاصة به .

كان فن الخط لدى العثمانيين من أبرز الفنون الإسلامية ، حيث حظي بمكانة مرموقة ، وحظي الخطاطون بتقدير كبير ، حتى غدت تركية تستضيف ميراثاً ثرياً في تقدير الخط والخطاطين ، ولا غرو أن لديها ثلاثة أرباع الآثار الكتابية والمخطوطات الموجودة في العالم الإسلامي وكما هو حالهم في الشعر والموسيقى ، كان لدى السلاطين العثمانيين كفاءة ومهارة ، لا يمكن الاستهانة بهما في فن الخط أيضاً . فأعمال السلاطين وكبار رجال الدولة الخطاطين تعكس صفاتهم الشخصية ، وتعطي أطراف الخيوط عن مفهومهم للإدارة والحكم . أي أن السلاطين ورجال الدولة الفنانين يقومون بتشفير أنفسهم في أعمالهم . فالعمارة والشعر والموسيقى والخط كان فرعاً من فروع الفن التي تعكس ميزات الحضارة الإسلامية العثمانية .

إن الفخامة والرحابة والهدوء والسكينة هي أسس العمارة ، والعمارة العثمانية توقظ الإنسان في جو بعيد عن القسوة .

* قسم التدريب العلمي لندوة العلماء – لكناؤ .

[1] وقال الثعالبي : لم أسمع في حسن الخط أحسن من قول أبي إسحاق :

وكم من يدٍ بيضاء حازت جمالها  يدلك لا تـسود إلا من النقس

إذا رقشت بيض الـصحائف خلتها  تطرز بالظلماء أردية الشمس

( أحسن ما سمعت ، ص 26 ) .

[2] الخط والخطاطون ، ص 45 .

[3] التاريخ المعتبر في أنباء من غبر : 3/63 .

[4] الفهرست لابن النديم ، ص 11 .

[5] الفهرست لابن النديم ، ص 12 .

[6] وما بعدها عن عبد العزيز بن عمران حدثني إسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال : أَول مَنْ نَطَقَ بِالْعربية وَوَضَعَ الْكِتَابَ عَلَى لَفْظِهِ وَمَنطقه ثُمَّ جُعِلَ كِتَاباً واحداً ، مثل بسم الله الرحمن الرحيم ، الموصول حتى فرق بين بينَ . وَلَدِهِ إِسْمَاعِيلُ بْن إِبْرَاهِيمَ – صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا . . هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .

[7] المستدرك وبذيله التلخيص ، 2/553 .

[8] التعريف والإعلام للسهيلي ، ص 110 ، صبح الأعشي : 3/14 .

[9] تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس لابن الديار بكري ، ط – مؤسسة شعبان : 1/147 .

[10] مفتاح السعادة لأبي الخير : 1/89 .

[11] انظر ترجمته في سلم الوصول إلى طبقات الفحول : 2/11 .

[12] الفهرست ، ص 13 .

[13] الفهرست ، ص 15 ، وكذا في أبجد العلوم للقنوجي : 2/269 .

[14] وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان : 3/342 .

[15] سرور النفس بمدارك الحواس الخمس ، ص 66 ، النجوم الزاهرة : 4/257 ، شروح سقط الزند : 3/1197 .

[16] معجم الأدباء : 2/941 .