المجاز صوره وألوانه بين النظرية والتطبيق ( الحلقة الأولى )

السلطان عبد الحميد الثاني وقضية فلسطين ( الحلقة الثالثة )
مايو 24, 2026
إنجازات ندوة العلماء في قواعد اللغة العربية ( الحلقة الثانية )
مايو 24, 2026
السلطان عبد الحميد الثاني وقضية فلسطين ( الحلقة الثالثة )
مايو 24, 2026
إنجازات ندوة العلماء في قواعد اللغة العربية ( الحلقة الثانية )
مايو 24, 2026

دراسات وأبحاث :

المجاز صوره وألوانه

بين النظرية والتطبيق

( الحلقة الأولى )

الدكتور محمد أيوب الرشيدي *

قد بذل علماء الأدب والبلاغة مجهودات ملموسةً ، وإسهامات بالغةً في مجال الأدب العربي وصرحه البلاغي ، واعتنى بها سادتها وقادتها في الآفاق والأكناف عنايةً يفوق فوق الوصف ، حيث أخذوا الأدب وضَبَطوه ووَعوه فأدّوه ، وساروا به في منتدياتهم وحفلاتهم ، وزيّنوا به مجامعهم وندواتهم ، محتفلين به في بواديها وحواضرها وأريافها وأمصارها ؛ ليبحثوا به بُغيَتَهم في مسيرهم ، وما جال به خواطرهم من أفكارهم الأدبية وأخيلتهم أو ما هجس به هاجسهم من تصوراتهم البلاغية ورؤيتها في هذا المدى .

ومن فِئَةِ العلماء الأفذاذ الذين قاموا بأداء تلك المهمة كان لهم علو كعب في علوم التُّراث وتضلّع ثابت في البلاغة ، فأسهموا فيه خيرَ إسهام من حيثُ النُطقِ والخطابةِ في حينٍ ، والكتابة والإنشاء في حينٍ آخر حتى أدوا ما حرّروه في الصحائف وما دوّنوه في الأسفار . فخضع لمجهودهم المجتمع والشعب ، واقتنع به أجيال العربية وسار بسيرهم ما يسير به الرُّكبان عندما وجد في حوزتهم الأدبية ، وما شاهد في حقيبتهم البلاغية من أساليب البيان ومحاسن الاستعارة وألوان الكناية وأنماط التعريض وصياغة المجاز وإبداعاته ، وعذوبة البيان ولينونة الكلام ما لا يُجاري فيه قوم ولا يُباري فيه أحد .

ولا يخفى على أجيال الأمة الإسلامية أنّ مكتبات العربية اليوم وما يودع فيها من رسائل التراث ودواوين الأدب وكتب البلاغة ، وإبداعات الشعر ، والمنظوم من الكلام ومنثوره الذي ترقص له القلوب وتطرب به الأبدان – فتلك هي مجهودات متضافرة لطائفة العلماء المتضلعين والأدباء المبدعين الذين لهم باعٌ طويل وقدمٌ راسخة وسعيٌ دوؤب في الأدب والبلاغة ما يدور به القوم والشعب ، ويسبح في فلك الفخر والنباهة والمباراة والمجاراة ؛ إضافةً إلى ذلك ما وُجد فيه التنافس بين فنون البلاغة وبين التراث عند علمائها وكاتبيها التي تحتضن في نفسها من نِكاتٍ وإيحاءاتٍ ، وبراعة وإعجازٍ وإطنابٍ وإيجازٍ وما شُوهد فيه من روعةٍ وجمالٍ وصياغةٍ وأداءٍ لم يُتيسّر لكلام قومٍ ولا للُغة قبيلةٍ ولا لأدب العالم فيما نعلم من القرون الأولى ، ولا في القرون المشهود لها بالخير بلا منازعٍ .

لمحة عن بدء أساليب علم البيان قديماً :

كما أنّ العلوم الأدبية وتُراثها العربي في الأزمنة السّالفة التي احتوت على فنون البلاغة وما انضمت إليها بهُويّةٍ يتَجسّد بين طياتها علم البيان وأساليبه المبدعة ، رغمَ أنّه لم تَشتَهر بالاسم نفسها وقت مُستَهلّها ، ولم يُشر إليها أحدٌ من الجهابذةِ وسادة العلماء إلى الأسماء المصطلحة من علم البيان وأساليبه وأنماطه كما شاعت وسارت فيما بعدُ ، إلا ما نجد في كتاب العالم النحرير أبي عبيدة مَعمر بن المثنى المتوفى 211هـ المسمّى بـ ” مجاز القرآن ” بعض النكات والإشارات ولو لم يَتفق معه بعض العلماء وطائفة البلاغيين في هذا المدى . والحق أنّ المجاز مصطلح بلاغي وُجد مصطلحه في الكتب وأسفار الأدب مُنذ قديمٍ ، وعُدّ من أقسام علم البيان وأنواعه إلاّ أنّه شاع وذاع وتَبلوَرَ متأخراً .

وأمّا ما نقل بعض سادة العلماء عن أبي عبيدة وحول كتابه : أنّه بيّن فيه تفسير المعنى وتوضيحه غيرُ مقابلٍ للحقيقة كما هو المطلوب أصلاً في القضايا البلاغية ، مستدلاً ومستشهداً ببعض ما وُجد في كتابه حسب ما فسّره المؤلف في سورة الإسراء قوله تعالى : ( لأحتَنِكَنَّ ذُريّتَه إلا  قَلِيلاً ) [1] فأوضح المؤلف معناها ، وصرّح أنّ ” مجازه لأستملينّهم ولأستأصلنّهم ، يُقال : احتنك فلانٌ ما عند فلان أجمع من مالٍ أو علم أو حديث أو غيره ، أخذه كله واستقصاه ” [2] .

فعبارته هذه صريحة في توضيح كلمات الآية وتفسيرها لا تُوجد فيه أيّ دلالةٍ على المجاز مقابل الحقيقة أوإشارة وتلميح إليه ، بل عندهم لم يَكُن الحقيقة والمجاز في توجيهه وحسبانه ، واعترض على دعوى           ” مجازيّته ” في كتابه ؛ ففي زعمهم أنّه بَعُد عن القضية – المجاز – لكن الحق ليس عندهم ، بل هو بمعزلٍ عن ما يظنون ، وأمره عكس ذلك ؛ إذْ هو يبحث عن معاني القرآن الكريم حيثُ يفسّر غريبه ودقيقَه ويشرَح إعراب كلماته وتعابيره ويبيّن حقيقته ومجازه ، فيَتجلى للقارئ والباحث بعد مشاهدة أسلوبه الموجز في كتابه ببيان كلمة ” المجاز ” حسب عادته وصنيعه بكل صراحةٍ ووُضوحٍ ما لا يَستغني عنه القارئ ولا الباحث في فهم مقصوده كما نجد في ” سورة يوسف ” أنه بين المجاز في آية ( وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ) [3] ووضّحه أبو عبيدة بلفظٍ ” أي واسأل أهل القرية ومن في العير ” [4] ، والحق أنه مثال ” مجاز حذفٍ ” فيه ضمير ، وليس هنا تفسير غريب القرآن أو كشفِ وجوه البيان كما يُعتقد .

وأيضاً نرى مثله في آية ( أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِى ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَاراً ) [5] أي أنزلنا وأمطرنا [6] فهذا مجاز كما صرّح به أبو عبيدة .

فهذه الأمثلة المذكورة نموذجية لمجاز أبي عبيدة مع أنّه تناول القرآن كله من بداية – فاتحة الكتاب – حتى آخر السورة في المصحف في شرح الكلمات شرحاً لُغوياً ، ويفسّر غريبها ويقيم إعرابها [7] ويبين مجازها وصنوفَها وأنماطها بتعبير وجيزٍ فريدٍ ما سلك عليه المتقدمون من سادة العلماء ، فالأمثلة المذكورة من المجاز البياني لأبي عبيدة صريحة بارزة في معناها مقابل للحقيقة ما نحن بصدد كتابه ” مجاز القرآن ” أوّل ما كُتب في مجال نفسه ولولم يُوافق معه أُناسٌ .

استعمال المجاز في السُّنة النَّبَوية :

وكثُر عند العرب استعمال المجاز إلى حد المبالغة في استخدامهم وقت نشاطاتهم وندواتهم وفي شعرهم ونثرهم حَلاًّ وترحالاً ، بل كُلّما تقصد أن تعرف عن الكلام ما يدور بينهم بالمجاز ، فتَجده مبسوطاً في أسفارهم وكُتيباتهم منبثقاً من خُطبهم ورسائلهم زمن الجاهلية وما بعده من الأزمان ، والكلام به – المجاز – يُعدّ أعلى وأفخر من كلامهم الذي يَتفوّهون به على الحقيقة إلاّ إذا ما وُجِدَ بُدٌّ غيرها ؛ لأنّه – المجاز – هو أبلغ من الحقيقة ، بل هو في ذِروَةٍ من الفصاحة ورأس البلاغة ، وقصائد الشعر الجاهلي وأقوال الشعراء المفلقين وخُطبُ سحبان [8] وقُس بن ساعدة الإيادي [9] وغيرهما أكبر شهادةً لاستعمال هذا الجانب – المجاز – في الشعر والمنظوم من الكلام والمنثور [10] ما وجدنا في الكتب وضمن بطون الأسفار .

ومثل شعراء الجاهلية وخُطبائهم ولمساتهم بالمجاز نلفت إذاً أنظارنا إلى آيات القرآن وما نجد بينها استخدام المجاز بأبلغ لفظٍ وأدق تعبيرٍ وأشملُ معنى وأعمّه لاستخدام المجاز وما إليه ، وكذلك نجده في الأحاديث النّبَويّة بعد كتاب الله بكثرةٍ كاثرةٍ ؛ لأنّه – صلى الله عليه وسلّم – ما نطق عن الهوى ، بل كلامه وحيٌ يُوحى إليه بلا مريةٍ وريب ٍ ، ومن ذلك نرى – استعمال المجاز – أبلغ استعمالاً وأحسن أداءً في عامة خطاباته ومحاوراته وجوامع كلمه – صلى الله عليه وسلّم – .

وكما نشاهد ملامح المجاز في كثيرٍ من أقواله صلّى الله عليه وسلّم الشّريفة الواردة في كُتُبٍ حديثيّةٍ مختلفةٍ ، فنظراً لجلالة ما تفوّه به صاحب جوامع الكلم – صلى الله عليه وسلّم – نُورد الحديث الصّحيح هنا ما رُوِيَ عن أنسٍ رضي الله عنه وقتَ انصرافه عليه السّلام من غزوة خيبر فقال : ” هذا جبَلٌ يُحبُّنا ونُحبُّه ” [11] .

فحُبُّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم بجبل أُحُدٍ مجازٌ [12] ؛ لأنّ الجبل غير إنسانٍ لا يُحبُّ أحداً ، ولا يَستطيع ذلك [13] ومحبّة الإنسان لغيره كنايَةٌ عن قصد النفع والخير ، أو التعظيم له ، وإطلاق هذين الأمرين على الجماد مستحيلٌ لا يصحُّ ؛ فلذلك أراد علماء البيان من الحديث المذكور : ” أنّ أُحُداً جبل يحبّنا أهلُه ونحبّ أهلَه ، وأهلُه هم أهل المدينة من الأنصار – أوسهم وخزرجهم – حبّهم للنّبيّ عليه الصلاة والسّلام وحُبُّه لهم وتعظيمهم له ، وإعظامه لقدرهم ” [14] .

فثبت أنّ كلامه – عليه الصلاة والسّلام – الشريف بهذا الشان – هذا جبلٌ – مجازٌ غير الحقيقة .

وعلماء البيان نوّروا القضيةَ المذكورة بتعبيرٍ آخرٍ ، توضيحاً لها وتطبيقاً بها ، وأوردوا حديثاً طويلاً بسندٍ صحيحٍ ما رُوي عن أُبيٍّ عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال : ” ولو سلكَ الأنصارُ شِعْباً وسلك النّاسُ شِعْباً ، لسلكت شِعْب الأنصار ، ولولا الهجرةُ لكُنتُ إمرَأً من الأنصار ” [15] .

ثُمّ ننظر أثر المجاز في ترتيب كلماته وسياقه في حديثٍ صحيحٍ مرويٍّ عن ابن عمر رضي الله عنه ، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولفظه :    ” إنّ الإسلامَ بدأ غريباً وسَيَعودُ غَريباً ” [16] .

فقوله – صلّى الله عليه وسلّم – المذكور من أحسن الاستعارات وأبدع المجازات ، حيث شبّه الإسلام في بداياته بالرّجل الغريب قليل الأنصار والأعوان بعيد الدّيار ، والإسلام في باديء ذي بدء على هذه الصّفة ثمّ ثبّتت قواعده واشتدّت معاقده وكثر أعوانه ، وقوله عليه السّلام فيما بعدُ – وسيَعود غريباً – تصريحٌ على عودة الإسلام إلى سيرته الأولى في آخر الأزمان – معناه سيَقلّ العاملين بشرائع الإسلام والقائمين بواجباته ، وليس معناه أن يمحى الإسلام وسماته ، أو تَندرس آياته [17] .

المنكرون عن استعمال المجاز في كلام العرب :

المجاز أكثر استعمالاً عند العرب مُنذُ زَمن الجاهليةِ وما بعده في الإسلام ودَورِ خُلَفائه كما سلف ، فبعد تصفّح أقوال الشعراء المفلقين والخطباء المبدعين ، وسرح النظر في كلام الناظمين والناثرين فوُجد أنّهم في حاجةٍ ماسةٍ إلى استعمال المجاز بدلاً واستعاضاً عن الحقيقة ، حتى لا يَجدوا بُدّاً سواه ، كما شُوهِد في السّالف بعضُ أمثلةٍ من آيات كتاب الله ولمحاتٌ خاطفةٌ من أمثلة كلام أفصح العرب – صلّى الله عليه وسلّم – [18] .

ورغمَ ذلك أنكرت طائفةٌ من العُلَماء الأجلاء عن وجود المجاز أصلاً في اللغة العربية ، كان هو في زمن الجاهليةِ أو بعده في دور الإسلامِ وعلى رأسهم الإمام أبو إسحاق الإسفرائيني [19] .

وينص بقوله : ” لا مجاز في لغة العرب ” لأنّ العرب ينطقون بالحقيقة والمجاز كليهما على وجه واحد ، ولم يفرّق بينهما على أصل وأساسٍ حيث إنّ المعنى الأوّل مثلاً حقيقةً ، وبعده المعنى الثاني يُعدّ مجازاً ، ولا مساغ في كلام العرب لتقسيم الكلام بهذا الشكل ، بل هي – الحقيقة والمجاز – يُعدّ تحكّماً في كلام العرب كما أنّ السّبُع مثلاً وُضِع للأسد ، فكذلك وُضع للرجل الشجاع بعده ثانياً ، وهذا لوفرة الاستعمال في الثاني – الرجل الشجاع – دون أن يفرّق بينهما بالحقيقة أوّلاً وللمجاز ثانياً .

ومن ذلك كلمة الغائط يستعملها العرب للموضع المطمئن من الأرض كانوا يرتادونه عند قضاء الحاجة ، فلما كثُر ذلك نُقل الاسم إلى الفضلة ، وهذا يطلب منا أن نسميه بالمنقول المتقدم ، والمنقول إليه متأخراً .

الرد على منكري المجاز في كلام العرب :

وقول الإسفرائيني بمعزلٍ عن مجالات استعمال هذا الرُّكن اللازم من أركان الكلام ، ولا يُوافق رأيَه مع فُصَحاء القوم وأصحاب البلاغةِ ، ورُدّ على قوله السخيف الباطل ولا يرضى برأيه مِنْ خُبَراء من له مُسكة بأصناف البيان وألوانه ، بل رُبما نفقد معظم كلام العرب لأجل رأيه المذكور ويَفسد الكلام الفصيح ، وصرّح بذلك الإمام ابن قتيبة الدينوري المتوفى 276هـ – تلميذ الجاحظ ، وردّ على منكري المجاز في زمانه رداً عنيفا ونقداً حاسماً ، وتبِعه آخرون من أهل البلاغة في ذلك ، وأبدى رأيه في تقسيم كلام العرب إلى الحقيقة والمجاز حيث يُدافع عن وجود المجاز في القرآن اندفاعاً قويّاً حتى ما بقي لكل من يُجاري ويُباري في نفس القضية ، ونصّه : ” إذا كان المجاز كذبا فأصبح أكثر كلامنا باطلاً إذاً ؛ لأنّنا نقول مثلاً : نبت البقل ، وطالت الشجرة ، وأينعت الثمرة ، ورخص السعر ، وأقام الجبل ” وكذلك تقول : كان الله –  فكان بمعنى حدث – والله جلّ وعلا قبل كل شيئ بلا غايةٍ ، لم يحدث فيكون بعد أن لم يَكن ، فكل هذه الأمثلة الشائعة في كلام العرب مجازٌ .

ثمّ نوّر دعواه بإيراد آيةٍ من كتاب الله ، وهي ” فوجدا فيها جداراً يُريد أن يَنقضّ فأقامه ” [20] فلو قلنا للمنكر مثلاً كيف تقول في جدارٍ رأيته على شفا انهيارٍ ؟ لم يَجد بُداً من أن يَقول : يهم أن ينقضّ أو يَكاد ، أو يُقارب فإن فعل فقد جعل فاعلاً ، ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيئ من ألسنة العجم إلا بمثل هذه الألفاظ [21] .

ونرى كذلك أسلوب المجاز في آية ” يا أيّها النّاس عُلّمنا منطق الطير ” وإنما الحيوان الناطق : الإنس والجن والملائكة ، فأمّا الطير فهو لا يَستطيع النُّطق ، ومع ذلك قولُ نطقِ الطير في كلام الله بهذا الشأن لملاحة المجاز واتّساعه [22] .

وفي قول الله تعالى ” فبشّرهم بعذاب أليمٍ ” نُشاهد أنّ العذاب لا يُبشّر به ، وإنّما يُبشّر بأمر الخير والثّواب ، فاستعمال هذا الأسلوب هنا في آية سورة آل عمران مجازٌ .

وفي قول ابن قتيبة ردّ صريح على منكري المجاز أمثال الإسفرائيني وكل من هبّ ودبّ في القضية نفسها رداً مقنعاً ،حتى أوضح فكرة تلك الطائفة الباطلة بأسلوب سديد صريح في القضية المذكورة .

المجاز عند الإمام الجاحظ :

الإمام عمرو بن بحر الجاحظ ت 255هـ صاحب الفصاحة والبيان وهو في الحقيقة أوّل من قام باستخدام المجاز في القرآن الكريم بمعنى قسيمٍ ومقابلٍ للحقيقة ، واستعمل المجاز على ما قصده البلاغيون وأهل البيان قديماً وحديثاً ، وكتاباه – الحيَوان والبيان والتبيين – أوضح شاهدين على ما أشار إلى المجاز والاستعارة أثناء بيانه ، مثلاً نرى في ” الحَيَوان ” في باب آخر ما في المجاز والتشبيه بالأكل وهو قوله تعالى : ( إنَّ الّذِينَ يَأكُلُونَ أَموَالَ اليَتَامَى ظُلماً ) وقوله جلّ وعلا : ( أَكَّالُونَ لِلسُّحتِ ) [23] وقد يُقال لهم ذلك ، وإن شربوا بتلك الأموال للأنبذة ولبسوا الحُللَ ، وركبوا الدّواب ، ولم ينفقوا درهماً واحداً في سبيل الأكل . وقد قال الله تعالى : ( إنَّمَا يَأكُلُونَ في بُطُونِهِم نَارَاً ) وهذا مجازٌ آخر .

فالإمام الجاحظ أوّل من وزّع الكلام إلى الحقيقة والمجاز بعد أبي عبيدة تقسيماً طبَعيّاً صريحاً ، يعني مجازه قسيمٌ للحقيقة ومقابلها ، وكذلك تصادفنا في كتاب ” البيان والتبيين ” بعض إشارات بيانيةٍ وتلميحاتٍ بلاغيةٍ كما ذكر بعد آية ( هَذَا نُزُلُهُم يَوم الدِّين ) . والعذاب لا يكون نُزلاً ، ولكن لما قام العذاب لهم في موضع النّعيم لغيرهم سُمي باسمه كما قال بعد ذكر سورة غافر ( وَقَالَ الّذِينَ في النَّارِ لِخَزَنَةِِ جهنّم ) والخزنة – الحفَظةُ ، وجهنّم لا يضيع منها شيئ فيُحفظ ، ولا يختار دخولها إنسان فيُمنع منها ، ولكن لمّا قامت الملائكة مقام الحافظ الخازن سُمّيت به .

فهذه بعضُ اللمَحاتِ التي قُدّمت من كلام الإمامِ الجاحظ بوِجازةٍ وغاية اختصارٍ نموذجاً لتوضيح بعض أساليب البيان دون قصد الإكثار أو التطويل ، وملخّص كلامه أنّ المجاز عنده ” هو استعمال اللفظ في غير ما وُضع له بمعنى القسيم ومقابلها ” وبذلك سلك البيانيون مسلكَه ، ومهّد به معالم طريق لمن جاءوا بعده من أهل البلاغة والبيان ثُمّ تبعوه حذواً بحذو في باب المجاز ، وأسّس صرح البيان العربي لصناعة البيان والبلاغة .

المجاز عند الإمام عبد القاهر الجرجاني :

الإمام عبد القاهر الجُرجاني من أفذاذ علماء أهل السنّة ، ” دلائل الإعجاز ” وقِمّةٌ ثابتةٌ عند كافة البلاغيين بلا منازعٍ في علوم البلاغة وفلسفتها ، فالمجاز عنده : هو ذكر الكلمة بحيثُ لا يُراد منها معناها الأصلي ، بل المُراد رِدفُها أو شبيهُها ، وهذا تجوّزٌ في الكلمة ، وبسببه تكون لفظة الكلمة متروكَةً ظاهراً ، ومعناها مقصودةً أصلاً من غير تنويةٍ إلى التوريّة والتعريض ، كما نقول مثلاً نهارك صائمٌ وليلُك قائمٌ ، أو ( فَمَا رَبِحَت تِجَارَتُهم ) [24] . فهذه الأمثلة كلّها مجازٌ عنده ، لكن ليس لأجل ذوات الكلمِ أو الألفاظِ بل المجاز هُنا عند الإمام الجُرجاني في أحكامٍ أُجريت عليها ؛ لأنّ التّجوّز ليس في نفس ” صائم وقائم ” بل في نسبتهما إلى النّهار والّليل ، كذلك ليس المجاز في لفظة ” ربحت ” نفسها بل المجاز هنُا في إسناد التِّجارة إليها [25] .

وعُصارة قول الجُرجاني : أنّ المجاز عنده في الأمثلة المذكورة أو غيرها ليس في نفس اللفظ أو الكلمة ، مع أنّ اللفظ موجودٌ في العبارة ، فإذا كان المجاز لم يَكُن في نفس اللفظ فلا محالة كان هو في الحُكم ، وتبعه في ذلك الزّمخشري متابعة قدمٍ بقدمٍ وما حاد عن رأي الإمام في نفس القضية وما خرج عن نطاقه قدرَ شبرٍ وما اعتزل عنه ، وكتابه ” أساس البلاغة ” أكبر شاهدٍ على طرازه وِفقَ الجُرجاني وما سلك على منواله [26] .

ردّ الإمام الجرجاني على منكري المجاز :

ثُمّ ردّ الإمام الجرجاني على منكري المجاز وجاحديه ، وتمسّك بأصوله الثابتة وأدلّته المقنعة ، وسار مسيرَ الإمام ابن قتيبة في قضية نفسها ونصّ بقوله : ” ومن قدح في المجاز وهِمَ أن يصفه بغير الصدق فقد خبط خبطاً عظيماً ويهدف لما لا يخفى ، ولو لم يوجب البحث عن حقيقة المجاز والكناية به حتى تحصل دروبه وتضبط أقسامه إلا للسلامة من هذه المقالة ، ممّا نحا نحو هذه الشبهة لكان من حق العاقل أن يتوفّر عليه ويصرف العناية إليه ، فكيف وبطالب الدين حاجة ماسة إليه من جهاتٍ يطول عدّها ” [27] .

ثُمّ أدعم قوله ببعض الأمثلة من القرآن الكريم مستدلاً به ومتمسّكاً بأصوله حيث ذكر آية سورة طه : ( الرَّحمنُ عَلَى العَرشِ استَوَى ) [28] وقال بعده : وحمل الاستواء على الظاهر في شأن الله غير صحيحٍ ، نعم يصح إطلاقه على الظاهر إذا كان الجسم بحيث يشغل حيزاً ومكاناً ، والله بريئ عن ذلك ؛ لأنه جلّ وعلا خالق الأماكن والأزمان ، ولا يناسب بشأنه الحركة والنّقل ، والتّمكن والسّكون والانفصال والاتصال والمحاسة والمجاراة ، وكل هذا شأن الجسم والحيز كما سبق ، ووصف الجرجاني هذه الطائفة – منكري المجاز – بأهل التطرف والغرور . وردّ كذلك على من يغلو في تأويل النصوص القرآنية عن ظاهرها دون حاجةٍ داعيةٍ إلى ذلك بما لا تحتمل عليه من الدلالات حرصاً على تكثير الوجوه والاحتمالات .

فهذه الطائفة الثانية – أصحاب الغلو – يحملون آيات القرآن على غير ما يرضى به الله جلّ وعلا كيف ؟ إذا كانت آيات القرآن – الموصوفة بالهدى والشفاء والنّور والضياء – غير واضحة وخلاف البيان ، مثل اللغز والشعر والأحاجي فما بقي الفرق بين كلام الله وكلام النّاس بعده ، لكنّ الحقيقة أنّ الآيات القرآنية صريحة واضحة في المعاني ودلالاتها لا تحتاج إلى الإيضاح والبيان كما وصفها الله بقوله ( وَهَذا لِسَانٌ عَرَبِيٌ مُبينٌ ) [29] .

فينبغي لمنكري المجاز في رأي الجرجاني أن يعتقدوا بأنّ القرآن الكريم لم يغيّر ألفاظ اللغة عن دلالاتها الأصلية ، ولم ينقل الناس عاداتهم وأساليبهم وطُرقهم .

( للحديث صلة )

* إسلام آباد ، باكستان .

[1] سورة الإسراء ، رقم الآية : 62 .

[2] مجازا القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى ، ج 1 ، ص 284 ، تحقيق د . فؤاد سيزكين ، مكتبة الخانجي القاهرة ،  مصر .

[3] سورة يوسف ، رقم الآية : 82 .

[4] مجازا القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى ، ج 1 ، ص 284 ، تحقيق د . فؤاد سيزكين ، مكتبة الخانجي القاهرة ، مصر .

[5] سورة الإنعام ، رقم الآية : 6 .

[6] مجاز القرآن ، ج 1 ، ص 9 .

[7] مقدمة تلخيص مجازات القرآن ، ص 6 .

[8] انظر ترجمته في تاريخ الأدب العربي لأحمد حسن الزيات ، ص 19 ، مكتبة قديمي ، آرام باغ ، كراتشي ، باكستان .

[9] انظر ترجمته في تاريخ الأدب العربي ، ص 21 .

[10] انظر في ” العقد الفريد ” لأبي عمر ، ابن عبد ربه الأندلسي ( المتوفى : 328هـ ) ، ج 4 ، ص 215 ،      دار الكتب العلمية – بيروت ،وفي كتاب الحَيَوان للجاحظ  ، ج 5 ، ص 38 – خطبة قس بن ساعدة الأيادي بسوق عكاظ ، وإليك بعض كلماته :

” أيها الناس اسمعوا وعوا ، من عاش مات ، ومن مات فات ، وكل ما هو آت آت ، ليل داج ، ونهار ساج ، وسماء ذات أبراج ، ونجوم تزهر ، وبحار تزخر ، وجبال مرساة ، وأرض مدحاة ، وأنهار مجراة ” .

[11] أخرجه البخاري ، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي في صحيحه ، عن أنسٍ 5/103 ، دار طوق النجاة ، بيروت .

[12] ابن بطال شرح صحيح البخاري له 10/372 تحقيق : أبو تميم ياسر بن إبراهيم , دار النشر : مكتبة الرشد – السعودية ، الرياض .

[13] ابن عبد البر القرطبي ، الاستذكار 8/231 ، تحقيق : سالم محمد عطا ، محمد علي معوض الناشر : دار الكتب العلمية – بيروت .

[14] المجازات النبوية ، ص 32 .

[15] الحديث أخرجه أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني في مسنده 35/104 عن أُبيٍّ بطُرق مختلفةٍ  بسندٍ صحيحٍ مؤسسة الرسالة .

[16] وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه 1/131 والترمذي في سننه 4/ والدارمي في سننه 2/402 ، دار الكتاب العربي – بيروت .

[17] المجازات النبوية ، ص 47 .

[18] أخرجه ابن خزيمة في صحيحه 865/2 والبخاري 8/105 . ومسلم 2/592 ، وأحمد في مسنده 19/271 .

[19] أبو إسحاق الإسفرائيني سراج الملوك لأبي بكر الطرطوشي ، ص 159 ، من أوائل مطبوعات العربية مصر .

22 ابن رشيق القيرواني العمدة في محاسن الشعر وآدابه ، ج 1 ، ص 266 ، طبع 1981م ،      دار الجيل بيروت .

23 نفس المصدر ، ج 1 ، ص 266 .

24 سورة آل عمران ، رقم الآية : 21 .

25 سورة المائدة ، رقم الآية : 42 .

26 الإيضاح في علوم البلاغة ، ص 109 ، م لحمد بن عبد الرحمن بن عمر ، جلال الدين القزويني ( المتوفى :739هـ ) دار الجيل – بيروت .

27 الإمام عبد القاهر الجرجاني ، دلائل الإعجاز ، ص 294 ، تحقيق محمود محمد شاكر ، مكتبة الخانجي بالقاهرة – مصر .

28 انظر أساس البلاغة للزمخشري ، ج 2 ، ص 19 ، دار النشر دار الفكر بيروت .

29 الإمام عبد القاهر الجرجاني ، أسرار البلاغة ، ص 361 ، دار الكتب العلمية ، بيروت .

30 سورة طه ، رقم الآية : 5 .

31 سورة النحل ، رقم الآية : 103 .

32 الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل ، ج 1 ، ص 59 ، للزمخشري جار الله ( المتوفى : 538هـ ) الناشر : دار الكتاب العربي – بيروت .

33 البلاغة العربية لحبنكة الميداني ، ج 3 ، ص 217 – 218 .

34 رقم الآية : 36 .

35 عبد الفتاح لاشين ، البيان في ضوء أساليب القرآن ، ص 44 ، دار المعارف مصر .