مراجعة الحساب من واجبات الأمة

فإن القول ما قال ” السنوار “
مايو 24, 2026
وشهد شاهد من أهلها
مايو 24, 2026
فإن القول ما قال ” السنوار “
مايو 24, 2026
وشهد شاهد من أهلها
مايو 24, 2026

الافتتاحية :                بسم الله الرحمن الرحيم

مراجعة الحساب من واجبات الأمة

تحمل الأمة الإسلامية تاريخاً مشرقاً ، يتجمل بمآثر وخوارق ، يندر نظيرها على مر العصور وكر الدهور ، وكانت الأمة في القرون المشهود لها بالخير رائدة الأمم والشعوب ، وقائدة ركب الإنسانية إلى ساحل النجاة ، وكانت لها جولة وصولة ، وحول وطول ، ترتعد منها الامبرطوريات ، وتهابها الحكومات ، وتعتز بالانتماء إليها ، وتفتخر بالتلمذة عليها ، وكان ذلك العصر عصر الإسلام الذهبي ، الذي سجلت تواريخه بمداد من النور ، و بماء من الذهب . وكان هذا العصر مصباحاً منيراً ، وشمعةً متلألئةً تستنير منها الإنسانية في دروبها المظلمة ، ومسالكها الوعرة .

كانت الأمة الإسلامية أمة العطاء ، وأمة الخير ، وأمة الإنسانية ، لا تختص مزاياها بطبقة دون طبقة ، بل كانت نافعةً لجميع الطبقات والفئات على اختلاف ألوانها وأنواعها ، ولم تكن العلوم حكرةً لديها ، بل كانت سلالم ومعارج للرقي والازدهار في شتى مجالات الحياة ، وقد استطاعت الأمة أن تواجه التقلبات التي لا تكاد تنتهي ، والقضايا التي لا يأتي عليها الحصر ، ولا يحدها قياس واختلاف الزمان والمكان ، وتنوع البيئات والملابسات ، وقد أمكن ذلك بقوتين كبيرتين : القوة الأولى : هي الحيوية الكامنة في وضع الإسلام نفسه ، وصلاحيته للحياة والإرشاد ، في كل بيئة وفي كل محيط ، وفي كل عهد من عهود التاريخ ، فقد خص الله محمداً صلى الله عليه وسلم برسالة وتعاليم كاملة للإنسان ، صالحة لكل زمان ومكان ، تستطيع أن تواجه ما يتجدد من شئون وأطوار الحياة ، وتحل كل ما يعتري من المشكلات والمعضلات ، والدراسة العميقة الشاملة للقرآن الكريم ، والحديث النبوي الصحيح ، ومصادر الإسلام كافلة بالاقتناع الكامل ، والقوة الثانية : وهي أن الله قد تكفل بأن يمنح هذه الأمة التي قضى ببقائها وخلودها رجالاً أحياءً أقوياء في كل عصر ، ينقلون هذه التعاليم الإسلامية إلى الحياة ، ويطبقونها على العصر ، ويحلون في هذه الأصول والنصوص التي وهبتهم إياها الشريعة الإسلامية ، وفي ضوء مقاصد الشريعة وروحها ، المشاكل الطريفة ، والمسائل المعقدة ، والقضايا المتجددة ، فلم تعدم هذه الأمة في عصر من عصورها أئمة في العلم ، وعمالقة في الفكر ، لا يوجد نظيرهم لا في الكمية ولا في الكيفية في أمة من الأمم .

يزخر التاريخ الإسلامي بأمثلة كثيرة للقادة والمسلمين الذين كانوا غرةً على جبين الإنسانية ، ومفخرةً للأمة الإسلامية ، فعاشوا في شعور مرهف بالمسئولية ، وتفقدوا أحوال الرعايا ، ولم يهدأوا ما لم يطمئنوا إلى أن أمور الدولة تتأدى في غاية من الدقة والأمانة والإحسان ، ولم يقر لهم قرار ما لم يعلموا أن جميع أفراد المجتمع يتمتعون بالعدل والهدوء والهناء ، في ظل الحكومة ، وما كان ذلك إلا بدافع ديني خالص ، حيث إن تعاليم الإسلام تفرض المسئوليات على جميع أفراد المجتمع ، بحسب مكانة كل نوع من الناس في البيت والمجتمع ، وقد جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كلكم راع ، وكلكم مسئول عن رعيته ، والرجل راع في أهله ، وهو مسئول عن رعيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها ، وهي مسئولة عن رعيتها ، والخادم راع في مال سيده ، وهو مسئول عن رعيته ( صحيح البخاري ، رقم الحديث : 893 ) .

وقد حالف التوفيق الأمة الإسلامية ، فأصبحت نموذجاً يُحتذى ، وقدوةً تقتدى في كل شيئ ، في العلوم والصناعات ، والعلاقات الدولية ، والمعاهدات مع غير المسلمين ، والرؤى الجديدة للعلم ، وكانت الأمة سباقةً في إنشاء الكتاتيب ، والمكتبات ، والهيئات ، وكانت لها إسهامات في علوم الحياة من الطب والفيزياء ، والبصريات ، والهندسة ، والجغرافيا ، والفلك ، وابتكار علوم جديدة من الكيمياء والصيدلة ، والجيولوجيا ، والجبر ، والميكانيكا ، حتى إذا أخذنا طرفاً من هذه العلوم مثل الطب عرفنا أن إسهامات المسلمين في هذا الفن بارزة خلال عصور حضارتهم الزاهرة ، وكان هناك إبداع وابتكار في هذا المجال ، فلم يكن هناك علاج الأمراض فقط ، بل تجاوز هذا الفن إلى تأسيس منهج تجريبي أصيل ، تجلت فيه كافة الممارسات الطبية ، وظهرت فيه طرق ومناهج حديثة للمعالجة ، وقد جعل هؤلاء المبتكرون في الطب ، العلاج النبوى أساساً لمهارتهم وبراعتهم في هذا الفن ، كما استفادوا من الفنون والعلوم المعاصرة ، نظراً إلى هذا الأصل : ” خذ ما صفا ودع ما كدر ” ، فكان علماء الطب المسلمون قد تميزوا بتخصصهم في العيون ، ويسمون الكحالين ، ومنهم الجراحون ، والحجامون ، والإخصائيون في أمراض النساء ، وكان في مقدمة هؤلاء الأطباء الإخصائيين أبو بكر الرازي الذي يعتبر أعظم علماء الطب في التاريخ ، وقد أنجز إنجازات ومآثر يطول بذكرها الوصف . ولا ننسى في هذا المجال ابن عيسى الكحال ، الذي كان أعظم طبيب في القرون الوسطى ، واشتهر بكتابه : تذكرة الكحالين ، وذاع صيته كطبيب حاذق في أمراض العيون ، كما كان الزهراوي أول واضع لعلم الجراحة ، ويعتبر كتابه : ” التصريف لمن عجز عن التأليف ” موسوعة كاملة لمؤسسي علم الجراحة بأوربا ، كما كان ابن سينا يُعد أول من أرسى علم الطفيليات في الطب الحديث ، وكان جرَّاحاً بارعاً ، فقد قام بعمليات جراحية دقيقة للغاية مثل استئصال الأورام السرطانية في مراحلها الأولى ، وكان له باع طويل في الأمراض النسوية . هذا في جانب ، وفي جانب آخر هناك مساهمات غير مسبوقة للعلماء المسلمين في تدوين العلوم الإسلامية ، فما دونت علوم التفسير والحديث والفقه ، والتاريخ ، والسيرة والأدب العربي وغيرها إلا بجهود هؤلاء العلماء ، الذين أثروا المكتبات الإسلامية بجهودهم ومآثرهم ، وكلما سُجل تاريخ الحضارة الإسلامية ، والثقافة الإسلامية ، كان أئمة التفسير أمثال ابن جرير الطبري ، والرازي ، والزمخشري وأبي حيان التوحيدي ، وفطاحل الحديث أمثال الإمام محمد بن شهاب الزهري والبخاري ومسلم بن الحجاج القشيري ومحمد بن عيسى الترمذي ، وأبي داود السجستاني ، والنسائي وابن ماجه ، وعباقرة الفقه أمثال الإمام أبي حنيفة والشافعي ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل ، وأئمة السيرة والتاريخ أمثال محمد بن إسحاق وابن هشام ، وأبان بن عثمان ، وابن كثير وخليفة بن خياط وغيرهم من الأدباء والشعراء في العصر الإسلامي والعصر العباسي في مقدمة قائمة أعلام الأمة ، وأفذاذ الإنسانية ، هؤلاء هم الذين كان يتزين بهم تاريخ القرون الأولى ، فإذا شطبت أسماؤهم ، ومحيت قوائمهم من صفحات التاريخ ذهبت الإنسانية إلى مزبلة من التاريخ قبل آلاف من السنوات .

هكذا ظهرت الأمة الإسلامية ذات القيادة العالمية عبر التاريخ أمام العالم كأمة العطاء والمدد ، تعطيه ما يحتاج إليه في بناء الهيكل الحضاري والفكري . وتمده بما يفتقر إليه في رسم حدود الاجتماع والسياسة والأخلاق ، واقتبست منها أوربا العائشة في الظلام قيماً وأسساً في الحضارة والعلوم المدنية والاجتماع ، واستوحت منها الأمم الغربية مفاهيم الحياة في مجالاتها المتعددة ، حتى في القانون والتشريع والتخطيط المدني ، وهكذا عم عطاؤها في المجالات الكونية كلها ، ولم تعد أي ناحية من نواحي الحياة الإنسانية إلا وأثرتها أمة الإسلام بالمعطيات الغالية من كل نوع .

الواقع أن أمة الإسلام لم تُخلق للتبعية والتقليد ، ولم تُخلق لدعم فلسفة أو عقيدة وفكر ، إنها ما أخرجت لاقتناء ما يتوفر من فتات الموائد ومخلفات العقول والأفكار ، وما بُعثت للأخذ من بقايا الحضارات ورواسب الانتصارات المادية ، إنما خلقت أمة الإسلام للعطاء من مائدة الإسلام الغنية ، والإمداد بالفكر القائد والسيرة المثالية ، والجود بالأخلاق العالية ، والفضائل الغالية ، والسخاء بالعقيدة الخالدة ، والشريعة التامة الباقية ، ولكن أمة العطاء اليوم قد جفت فيها منابع العطاء والجود ، لأن صلتها ضعفت بمصدر القوة والعطاء ، فأصبحت في حاجة إلى الأخذ والطلب من غيرها ، فلابد لهذه الأمة أن تراجع حسابها من جديد ، وقد وعد الله سبحانه بالاستخلاف والتمكين في الأرض ، بشرط أن تتحلى الأمة بالإيمان والعمل الصالح ، قال الله تعالى : ( وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ ) [ النور : 55 ] .

والله يقول الحق ، وهو يهدي السبيل .

سعيد الأعظمي الندوي

28/5/1447هـ

20/11/2025م