الدكتور نذير أحمد الندوي وحياته العلمية
مايو 24, 2026أحاديث الفتن والملاحم : دراسة أدبية ¨
مايو 24, 2026أيقونة العلم والأدب فقدناها :
أستاذي نذير أحمد الندوي كما عرفته
بقلم : الأخ السيّد حذيفة علي الندوي *
الحمد لله رب العالمين ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين . وبعد :
فقد قال الله تعالى : ( وَمَا أَرسَلنَا مِن رَسُول إلا بِلِسَانِ قَومِه لِيُبَيِّنَ لَهُم ) [ النساء : 64 ] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” إنما بعثت معلماً ” ( رواه ابن ماجه ) .
لسنا هنا لنكثر العبارات ولا لنرصع الخطب بما لا ينفع ، ولكن لنقترب ؛ نقترب من روح رجل عرفناه قرباً ، ثم نخرج بما يصلح درسنا وبحثنا وقلمنا . أريد أن أقدمه لقلوبكم بصورة قريبة ؛ فالصور تدخل القلب قبل العناوين .
كنت أدخل غرفته بعد صلاة العشاء . وكانت الغرفة هادئةً ، والكتب قريبة على الرفوف وحول السرير ، وأوراق مبسوطة في كل مكان ، ومصباح صغير يلقي نوراً دافئاً .
يقوم بلا تكلف ؛ يغسل الكوبين بيده ، ويضع قدراً قليلاً من السكر ، ثم يصب الشاي ويناولني الكوب بابتسامة .
في تلك اللحظات كنت أتعلم درساً عظيماً دون كلام : أن العلم خدمة ، وأن الخدمة خلق . من خدم طلاب العلم فقد خدم العلم ، ومن خدم الناس رفع الله قدره في الدنيا والآخرة .
وكان يجلسني قريباً ، يسأل عن صحتي وأحوالي ، ويسمع أكثر مما يتكلم . وأقول صدقاً : لتواضعه وقربه ، ربما لم أجد له في بعض الأحيان ما يليق بمقامه ، وذلك من كثرة حيائه وستره لنفسه . أستغفر الله من كل تقصير ، وأدعو أن يكون حلمه علي ستراً وعفواً .
بعد الشاي كان يقول هادئاً : ” اقرأ ” . فأقرأ ، فيوقفني عند كلمة أو وقف ، ثم يقول : ” ارفع هنا ، واخفض هناك ، لا تسرع ؛ أعط كل كلمة حقها ” .
يصحح النطق والنفس معاً ، ويربي الشخصية قبل العبارة .
ويكرر : ” القراءة الجهرية تقوي اللسان ، وتبني الثقة ” .
وإذا عرضت عليه لفظاً إنجليزياً أو ترجمةً ، تبسم وقال : ” قريب ، ولكن نريد نكهة الأصل ” . ثم يقول : ” هذا أدق ؛ فيه ظل أوسع ونبرة أصدق ” .
ويعلمني أن أكتب للنفع لا للزينة ، ويردد جملته المعروفة : ” إذا صفا المعنى حمل الأسلوب معه ” .
لا يدعو أحداً ليخدمه ، مع أنه من كبار أساتذة ندوة العلماء . رجل عاش للعلم ، وخدم طلابه في صمت ، لا يطلب شهرةً ، ولا ينتظر مدحاً ، بل كان يبذل وقته ونفسه بإخلاص .
ولم يكن عالماً في اللغة فقط ، بل كان ذا نظر ناقد وترتيب دقيق .
فلما بدأت بحث الدكتوراه عن الشيخ عبد العزيز المحدث الدهلوي ، عرضت عليه خطة الفصل الأول ، فقرأها بتأمل ، ثم قال : ” قدم هذا ، وأخر هذا ؛ ليسير القارئ معك خطوةً خطوةً ، وابدأ بالمصادر الأولى ، وإذا وجدت المعلومة في مرجع ثان فاسأل : من أين أخذت ؟ ” .
وكان يعلمني أن أبني الفكرة قبل الزينة ، والحجة قبل الأسلوب .
وإذا زرته ، وكنت أحرص على زيارته كلما قدمت إلى الهند ، كان يبدأ بالسؤال : ” هل كتبت ؟ أرسلها إلي أنظر فيها ” .
لم يسأل قط عن الدنيا لا مال ولا منصب ، بل كان يريد أن يرى أقلاماً تكبر ، وعقولاً تنضج ، ووجوهاً شابةً تحمل الرسالة بعده .
وكان وفياً لكل أهل الفضل عليه . كان يذكر جدي الدكتور ضياء الحسن الندوي رحمه الله بالخير ، ويقول : إنه تعلم منه أدب التصحيح وحدة النظر ، وكان يرى فيه ميزان العدل بين العلم والذوق . وكانت بينهما صلة تعلم ووفاء دامت سنوات .
وكانت صلته بوالدي الشيخ السيد نعيم أختر الندوي رحمه الله صلة محبة واحترام قديمة ، وقد زارنا في بيتنا بالمملكة المتحدة .
هكذا كان شيخنا ؛ جمع بين العلم والأدب ، وبين الدقة والبساطة ، فصار ميزاناً للذوق والبساطة النافعة .
* كامبردج ، بريطانيا .

