العالم لا يموت أبداً

عاش معلِّماً ، ومات معلِّماً
مايو 24, 2026
الدكتور نذير أحمد الندوي وحياته العلمية
مايو 24, 2026
عاش معلِّماً ، ومات معلِّماً
مايو 24, 2026
الدكتور نذير أحمد الندوي وحياته العلمية
مايو 24, 2026

أيقونة العلم والأدب فقدناها :

العالم لا يموت أبداً

بقلم : الأستاذ محمد الأنصاري الندوي *

بقلوبٍ داميةٍ ، تتفطَّرُ أسىً ، ولكنها مُسلِّمةٌ بقضاء الله وقدَرِه ، تلقَّينا نبأَ الفاجعة برحيل فضيلة شيخنا الأستاذ الدكتور نذير أحمد الندوي ، الأستاذ البارز النابغة في قسم الدراسات العليا بدار العلوم ندوة العلماء ، والأديب العربي الأريب ، الذي آثرتْ روحُه الطاهرةُ الصعودَ إلى بارئها إثر نوبةٍ قلبيةٍ مباغتة .

إنَّ هذا المصابَ الجللَ ليس خسارةً لدار العلوم فحسب ، بل هي ثُلمةٌ في الأمة الإسلامية الهندية ، وفقدٌ عظيمٌ لجميع تلامذته ومحبيه المنتشرين في أصقاع المعمورة .

لقد كان الشيخ نذير أحمد الندوي – طيَّب الله ثراه – منارةً شامخةً للعلم الغزير والتمكُّن المَكين في فنون شتَّى ، من التفسير والحديث والتاريخ الإسلامي إلى الأدب العربي الذي كان فارسهُ المِقدام .

وتميَّزَ الفقيدُ – رحمه الله – بامتلاك زمامِ لغاتٍ عديدة ، حيث كان جَوَّاباً للآفاق اللغوية ، مُتقناً للعربية والأردية والفارسية والإنجليزية والهندية والسنسكريتية . وقد أغنى المكتبة الإسلامية ببحوثه ودراساته ومقالاته القَيّمة التي كان ينشرها في أبرز الصحف والمجلات العربية ، مُواصلاً عطاءه العلمي والتعليمي حتى آخر رمقٍ من حياته ، فكان نِعمَ الأستاذُ والمُربِّي والمُعلِّمُ المُخلص .

وصدق فيه قول السلف : ” العالِمُ لا يموتُ أبداً ” ، فآثاره المَديدة وعلومه الرَّسِخة خيرُ شاهدٍ على خلود ذكراه .

كان لفضيلته – تغمَّده الله برحمته – وُدٌّ خاصٌ وتعلُّقٌ عميقٌ بطلاب ولاية كيرلا ، حيث كان يتابع شؤونهم عن كثبٍ بقلب الأب العطوف ، ويوجِّهُهم بكلِّ تجرُّدٍ وتواضعٍ وأبوَّةٍ صادقة . فزار مدينة تيرور قبل أسبوعين للعلاج ثم عاد إلى لكناؤ ، لم نكن نعلم أنها كانت زيارة الوداع الأخير . وها هو اليوم يُودِّع الدنيا في صمتٍ مَهيب ، يَعصِرُ القلوبَ حُزناً ، ولكننا نُعلِنُ التسليمَ المطلقَ لحكمة قضاء الله وقدره .

كانت لشيخنا صِلاتٌ وطيدية متينةٌ روحية قويةٌ بأعلام ندوة العلماء الكبار ، وعلى رأسهم الإمام أبو الحسن علي الحسني الندوي ، والشيخ محمد الرابع الحسني الندوي ، والشيخ واضح رشيد الحسني الندوي ، والدكتور عبد الله عباس الندوي ، والدكتور سعيد الأعظمي الندوي – رحمهم الله جميعاً .

وقد جمعتْني به علاقات وطيدة منذ عام 1998م ، وهي صداقة علمية عميقة وتواصلٌ دائمٌ ، وتبادلٌ للمشورة والرأي ، لا سيما في كل ما يخصُّ شؤون ولاية كيرلا والزيارات العلمية إليها . كما ترك الفقيد خلفه نخبةً من التلاميذ النُجَباء في كيرلا ، الذين نذروا أنفسهم لخدمة العلم ، ومنهم الدكتور عز الدين الندوي ، والأستاذ صلاح الدين الندوي ، والدكتور مبين الحق الندوي ، والأستاذ صدّيق الندوي ، والأستاذ        عبد الحكيم الندوي ، والأستاذ مُزمِّل الندوي ، والأستاذ عبد الرحيم الندوي وغيرهم من الإخوة الندويين .

إنَّ الرحيلَ الجليل قد أحدث فراغاً هائلاً في ساحة الفكر الإسلامي والعالم العلمي  .ففي هذا المقام نستحضرُ قولَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ” إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعاً ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ ” . ( رواه البخاري ) . فقد كان رفعُ العلم بموت العلماءِ من علامات السَّاعة .

نتضرَّعُ إلى المولى عزَّ وجلَّ أن يتغمَّد فقيدَنا الغالي بواسع رحمته ، وأن يرفع درجاتَه السامية إلى جنة الفردوس الأعلى ، وأن يتقبَّلَ صالحَ أعماله ، ويجعلَها نوراً وضياءً وبهاءً له في قبره . ونسأله سبحانه أن يُلهمَ أسرتَه الكريمة ، وذويه ، وتلاميذه ، ومحبيه ، الصبرَ الجميلَ والسلوانَ الحسن .

اللهم اغفر له ، وارحمه ، وعافه ، واعف عنه ، وأكرم نُزُلَه ، ووسِّع مُدخلَه ، واغسله بالماء والثلج والبَرَد ، وأبدله داراً خيراً من داره ، وأهلاً خيراً من أهله .

* ولاية كيرلا ، الهند .