رحيل الدكتور نذير أحمد الندوي ذكرى لا يطويها الغياب
مايو 24, 2026العالم لا يموت أبداً
مايو 24, 2026أيقونة العلم والأدب فقدناها :
عاش معلِّماً ، ومات معلِّماً
بقلم : الأستاذ السيد أزهر حسين الندوي *
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره ، تلقّينا ظهر يوم الثلاثاء الخامس عشر من ربيع الثاني سنة 1447هـ ، الموافق 7 أكتوبر 2025م نبأ وفاة الأستاذ الفاضل الشيخ الدكتور نذير أحمد الندوي من أساتذة دارالعلوم ندوة العلماء المرموقين ، وكان الأستاذ الفقيد مدرساً في دارالعلوم ندوة العلماء بلكناؤ بالهند منذ ثلاثين سنة أو أكثر ، يدرس مادة اللغة العربية وآدابها ، وعلوم التفسير كذلك ، وكان محبوباً لدى الطلاب بأخلاقه العالية وسماته الحميدة ، ومتميزاً بين أقرانه بأسلوب تدريسه الجذاب الشيق ، وكان مثالاً في العطاء والتفاني في أداء رسالته التعليمية والتربوية ، وكان له أثر طيب في نفوس طلابه وزملائه ، لمكانته العلمية ، ودوره التثقيفي في ندوة العلماء ، ومكانته الأدبية الرفيعة ، وعظمته الفكرية الراسخة ، ودوره الرائد في خدمة الأدب العربي ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
لقد عاش الأستاذ الفقيد معلماً ، ومات معلماً ، فقد منحه العلم المجد والخلود والشرف والمكانة السامقة بين العباد والبلاد ، وكان مربياً للجيل الإسلامي ، وسخياً بعلمه الغزير ، وصادقاً في عطائه ، وقدوةً في الخُلق ، ونبراساً في الميدان التربوي ، وسيذكره تاريخ ندوة العلماء بلسان ندي بالحمد ، رطيب بالثناء ، لقد ظل الأستاذ المعلم وفياً لدينه ، وعلمه ، وفياً لمؤسسته العلمية العريقة التي تشرب فيها مبادئ الدين ، ومقررات الشريعة ومعاني القرآن الكريم ، وأحاديث رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ، فبذل الروح رخيصةً في سبيل العلم وتطويره حتى آخر يوم في حياته ، فختم حياته أحسن ختام وأفضله ، وعاش ومات في رحاب القرآن الكريم والسنة النبوية في رحاب ندوة العلماء ، فكانت حياته صفحةً بيضاء نقيةً تقيةً ، وصورةً مجسدةً للنبل والتواضع ولين الجانب ، حياة العلماء الأتقياء ، والمؤمنين الأنقياء ، والمخلصين الأوفياء .
كان الأستاذ المعلم وضيئ الوجه ، مبين النطق ، مشرق الأداء ، أنيقاً في حركته وسكوته ووقفته وجلسته ، أنيقاً في اختيار كلمته ، وابتسامته ، وملابسه ، صوت رقيق خاشع ، ووجه يشع نوراً وطمـأنينةً وسماحةً ، عينان تشعان ذكاءً وحياءً ، القسمات حلوة ، والشمائل أحلى ، وكانت معاملته لطلابه صورةً إيجابيةً رائعةً ، فيها أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ، ولا مناص من القول أنه وفَّر جيشاً مباركاً من أهل العلم والدين والعلماء من تلاميذه الأوفياء يشيدون بأخلاقه وشمائله وسماته وصفاته ، ويكنون له كل حب وتقدير ، ويعلون من شأنه ، ويستشهدون بأقواله ، ويعولون على أفكاره ، ويقتبسون من جذوة نوره ، وينهلون من فيض علمه .
عاش المعلم جل حياته في ندوة العلماء التي تمثل الثقافة الإسلامية والمعرفة الإيمانية ، وأصاب فيها شهرةً عظيمةً ، وحاز مكانةً مرموقةً ، بين طلابه وزملائه ، فهي كانت المأوى الدائم والمستقر الأبدي له ، عاش في جوها العربي وفضائها النوراني ، ونهارها العلمي ، وليلها الأدبي ، فتشرب مقوماتها ، وتمثل خصائصها ، وتقمص روحها ، وعبر عن فكرها ، وأفصح بعربيتها الفصيحة ، وعقيدتها الإسلامية السمحة ، ودينها الإسلامي الخالد ، عاش في ندوة العلماء مع القيم العليا والمبادئ النبيلة والمثل السامية ، وبالجملة عاش في ظلال القرآن وأنواره وتعاليمه السامية ؛ يتعلم ويعلم ، يتأثر ويؤثر ، يَسأل ويُسأل حتى أصبح نجماً لامعاً في سمائها ، ثم بدا اسمه يخرج من الظل إلى النور ، ومن الخفاء إلى العلن ، ومن بطون الدرس إلى نور الحياة ، وبدأ الدارسون يتأثرون بحياته ، ويهتمون بفكره ، وينوهون بذكره ، ويضعونه في المكانة التي تليق به ، فكانت شخصيته مصبوغةً بصبغة ندوية نابعة من القرآن والسنة ، بكل عناصر مكوناتها ، ونتاج مقوماتها ، شهد لذلك الكثير من تلاميذه ومعاصريه ، وسيشهد له التاريخ أيضاً بأن حياته كانت صورةً حيةً للعلم والعمل ، وصورةً صادقةً للثقافة الإسلامية ، وأنموذجاً واقعياً للمثقف الندوي الذي يجمع بين العلم والعمل .
ونعتقد أن الفقيد كان معلما أولاً وأخيراً يحب العلم والعلماء ، وكانت له مقدرة فائقة على تلقين الطلاب ، وإعداد الرجال بحسن أحاديثه ، ودروسه الممتعة ، وقد بذل مجهوداً رائعاً في تربية الطلاب وتعليمهم وتثقيفهم ، وتبصيرهم بالحق ، وتزويدهم بالأخلاق العالية ، والمواهب العلمية ، والملكات الأدبية ، لذلك تركت وفاته دوياً كبيراً في محيط ندوة العلماء ، وهي ثلمة كبيرة لا تسد ، ولمن عرفه عن قرب ، ولطلابه الذين نهلوا من علمه ، وتعلموا من تواضعه وسموّ روحه .
ونحن اليوم نتقدّم إلينا وإلى أبناء ندوة العلماء المنتشرين في أرجاء الأرض المعمورة وإلى أبناء الإسلام بأحر التعازي ، وأصدق مشاعر المواساة ، سائلين المولى عزّ وجل أن يرحمه رحمةً واسعةً ، ويسكنه فسيح جناته ، ويجزيه خير الجزاء عمّا قدّمه من علمٍ نافع وخلق كريم ، وتضحية جبارة لتربية الشباب وتعليمهم وتثقيفهم ، وأن يلهم أهله وذويه وزملاءه وطلابه الصبر والسلوان ، وأن يربط على قلوبهم في هذا المصاب الأليم ، نعم المولى ونعم النصير .
* باحث علمي في مسقط ، سلطنة عمان .

