إنجازات ندوة العلماء في قواعد اللغة العربية ( الحلقة الأولى )
مايو 24, 2026المجاز صوره وألوانه بين النظرية والتطبيق ( الحلقة الأولى )
مايو 24, 2026دراسات وأبحاث :
السلطان عبد الحميد الثاني وقضية فلسطين
( الحلقة الثالثة )
بقلم : الأستاذ المفتي عتيق أحمد البستوي *
تعريب : الأخ مبين أحمد الأعظمي الندوي §
خطوة أخرى للصهاينة :
وكان من المهم جداً للصهاينة بعد نجاح مؤتمر بال أن يقنعوا السلطان عبد الحميد الثاني على أن يسمح لليهود بأن يهاجروا إلى فلسطين ويقيموا فيها ، ويشتروا أراضيها ، ويرفع عنهم الحظر فيما يتعلق الأمر بفلسطين ، وكانت الدولة العثمانية تمر في تلك الأيام بضائقة مالية شديدة ، وكانت في أسوأ حالةٍ بسبب تراكم الديون عليها ، فأراد الصهاينة أن يستغلوا هذا الوضع الأسوأ للدولة العثمانية ويبلغوا غايتها ، فعرضوا على السلطان عبد الحميد الثاني إعطاءَ قرض باهظ لخزينة الدولة العثمانية ، وأرادوا أن يقدموا له مبلغاً كبيراً من المال هديةً أو رشوةً ، وتمت الضغوط على السلطان عبد الحميد الثاني داخلياً وخارجياً أن يقبلوا هذا العرض ، ولكنهم رغم استفراغ جهودهم المستطاعة لم يستطيعوا أن يجعلوا السلطان عبد الحميد يحيد شبراً عن موفقه الديني الإسلامي إزاء فلسطين . فلو لم توجد في حياة السلطان عبد الحميد الثاني إنجازاتٌ ومكرماتٌ غيرُ ما اتخذه من موقف صارم إزاء قضية فلسطين لكان ذلك كافياً لسمعته الطيبة ومكانته الكبيرة عند الله .
موقف السلطان عبد الحميد الثاني :
عديدٌ من الصهاينة قابلوا السلطان عبد الحميد الثاني أو كاتبوه بصدد قضية فلسطين ، يمتاز من بينهم رجلان ، أولهما : هرتزل ، والثاني : قراصو . وقبل أن تعرفوا تفاصيل لقاءهما ومكاتبتهما للسلطان عبد الحميد اقرأوا ما يقوله السلطان بنفسه ، يكتب في مذكراته السياسية : ” لليهود قوة في أوروبا أكثر من قوتهم في الشرق ، لهذا فإن أكثر الدول الأوربية تحبذ هجرة اليهود إلى فلسطين لتتخلص من العرق السامي الذي زاد كثيراً .
ولكن لدينا عدد كاف من اليهود ، فإذا كنا نريد أن يبقى العنصر العربي متفوقاً ، علينا أن نصرف النظر عن فكرة توطين المهاجرين في فلسطين ، وإلا فإن اليهود إذا استوطنوا أرضاً تملكوا كافة قدراتها خلال وقت قصير ، فنكون قد حكمنا على إخواننا في الدين بالموت المحتم .
لن يستطيع رئيس الصهاينة ” هرتزل ” أن يقنعني بأفكاره ، وقد يكون قوله : ” ستحل المشكلة اليهودية يوم يقوى فيه اليهودي على قيادة محراثه بيده ” صحيحاً في رأيه ، إنه يسعى لتأمين أرض لإخوانه اليهود ، لكنه ينسى أن الذكاء ليس كافياً لحل جميع المشاكل .
لن يكتفي الصهاينة بممارسة الأعمال الزراعية في فلسطين ، بل يريدون أموراً أخرى مثل تشكيل حكومة وانتخاب ممثلين ، إنني أدرك أطماعهم جيداً ، لكن اليهود سطحيون في ظنهم أنني سأقبل بمحاولاتهم ، وكما أنني أقدر في رعايانا من اليهود خدماتهم لدى الباب العالي فإني أعادي أمانيهم وأطماعهم في فلسطين ” [1] .
فما قام به السلطان عبد الحميد الثاني من استعراض سريع لقضية فلسطين ببالغ النظر ، وعمق الفهم ، ودقة التفكير ، يمكن بذلك أن يقدَّر ما كان يتصف به السلطان من ذكاء ، وفراسة ، وبصيرة دينية وسياسية أيما تقديرٍ . فلو درس أحدٌ مئاتِ كتب ، وقلب ملايين صفحةٍ ثم أوجز قضية فلسطين في أوراقٍ ، لم تختلف وجهة نظره في تلك الأوراق مما للسلطان منها في مذكراته ، فإن السلطان أحاط بجميع نواحي قضية فلسطين إحاطةً شاملةً دقيقةً . وفيما يلي ننظر فيما قدمه السلطان من نقاط هامة حول القضية :
(1) يقطن كثرة كاثرة من اليهود في أوروبا ، ويتولون فيها مناصب تنفيذيةً ، وتريد أكثر الدول الأوربية أن تتخلص منهم ، ولذا فإنها تحبذ هجرتهم إلى فلسطين ، لتُهاجر إليها يهود أوروبا أيضاً .
(2) فإذا سُمح لليهود بالتوطن في فلسطين ، صار العنصر العربي فيها مغلوباً ، بينما اليهود يكون لهم تفوقٌ وغلبةٌ ، ويعني ذلك الموتَ المحتمَ للعرب .
(3) وإذا توطن اليهود في فلسطين ، سرعانَ ما تملكوا كافة قدراتها ، واستولوا على جميع مواردها ، وقاموا بتهميش الشعب الفلسطيني ، لأنهم فعلوا مثل ذلك أينما سكنوا وتوطنوا .
(4) بعد التوطن في فلسطين لن يكتفي اليهود بممارسة الأعمال الزراعية فيها ، بل إنهم سوف يقيمون حكومتهم فيها .
الأوروبيون واليهود :
أما النقطة الثانية والنقطة الرابعة من جملة هذه النقاط ، فليستا بحاجةٍ إلى مزيدٍ من الشرح ، فإن العالم رأى بأم عينيه أن اليهود كيف اضطهدوا أهالي فلسطين العرب وقاموا بتشريدهم ، وسفك دمائهم ، ولم يكتفوا بالزراعة ، بل إنهم لم يلتقطوا أنفاسهم إلا حينما شكلوا حكومتهم فيها . وأما النقطان الأولى والثالثة ، فأُوضحهما شيئاً فيما يلي :
انتشر اليهود في مختلف أنحاء العالم بعد أن أخرجهم الروم من فلسطين ، وعددٌ كبيرٌ منهم استوطن بلاد أوروبا وروسيا ، وكان من عادة اليهود أنهم إذا استوطنوا أي بلدٍ ، استولوا على مالية ذلك البلد وموارده ، وروَّجوا الأعمال الربوية هناك ، حتى إن حكومة ذلك البلد وسكانه كذلك كانوا يضيقون ذرعاً بهم بسبب وطأة قروضهم الربوية ، وكانت النتيجة أن استاء الناس من اليهود وامتلأت قلوبهم بالعداوة والبغضاء تجاههم ، فأقبل عليهم حكام تلك البلاد وشعوبها فعذبوهم وقتلوهم وطردوهم من بلادهم ، وفرضوا عليهم حظر الدخول في بلادهم إلى جانب أنواعٍ أخرى من الحظر ، ثم تضرع اليهود طويلاً إلى أوروبا ، واستمروا في جهودهم حتى إنهم حصلوا على تصريح الدخول إلى بلاد أوروبا بعد مدة طويلة ، فعادوا إليها ولكنهم بدؤوا يفعلون نفس الأعمال مرةً أخرى ، وحاولوا السيطرة على الاقتصاد فيها ، فـ ” في إنجلترا هاجر اليهود إليها عام 1190م . . . . ، ثم طُردوا عام 1290م ثم عادوا مرةً أخرى عام 1858م حيث حصلوا على جميع الحقوق البرلمانية ” [2] . ومن فرنسا ” طردوا عام 1306م ثم سمح لهم بالعودة مرةً أخرى ” [3] بعد قرونٍ . ومعظم بلاد ” أوربا منذ 1200م إلى 1650م قد تخلصت من اليهود ” [4] ، وكان مثل ذلك مراراً في روسيا ، وقد صارت المراباة والاحتكار طبيعةً ثانيةً لليهود ، ومرَّ حكام أوروبا وشعوبها بهذه التجربة المريرة مراراً وتكراراً ، وكانوا في ضيقٍ شديد بهذا الوضع ، ففكروا أن اليهود لو هاجروا إلى فلسطين واستوطنوها تخلصوا منهم ، فقامت بلاد أوروبا بتأييد هجرة اليهود إلى فلسطين وشجعتهم عليها وساعدتهم في ذلك ، ولما أصدر السلطان عبد الحميد الثاني قوانين صارمةً لمنع دخول اليهود في فلسطين فـ ” هذه القوانين لقيت معارضة من القنصليات الأجنبية ” [5] الأوروبية . وفي آخر الأمر ، تأسست الدولة اليهودية سنة 1948م تحت رعاية بريطانيا التي تظن نفسها حاملة لواء الحضارة والثقافة ، والعدل والمساواة في العالم .
يقول الكاتب العربي الشهير أنور الجندي : ” ويبدو أن خطة احتلال فلسطين كانت فكرةً في نفوس الدعاة الدينيين أمثال شبتاي ليفي الذي دعا إلى ذلك عام 1626م ، وإن هذه الفكرة صادفت هوى في نفوس الاستعماريين الذين وجدوا فيه حلاً لمشكلتين في واحد :
(الأولى) إخراج اليهود من أوربا والتخلص نهائياً من التحدي اليهودي في المجتمعين الغربي والشيوعي معاً .
(الثانية) إيجاد كلب الحراسة الذي تستطيع الدول الغربية الاستعمارية أن تتخذه وسيلة لضرب حركات التحرر واليقظة في العالم الإسلامي ” [6] .
” ويرى الماركسيون [7] : ” إن الدعوة إلى إنشاء دولة يهودية لم تبدأ في صفوف اليهود ، وإنما بدأت بين المفكرين والزعماء وأصحاب المصالح الاستعمارية في الشرق ، ومما له دلالة أن أوائل الداعين لعودة اليهود إلى فلسطين لتأسيس وطن قومي لليهود لهم : نابليون بونابرت ممثل المطامع الاستعمارية الفرنسية في الشرق ، كما أن الفكرة كانت مطروحةً بين المفكرين الاستعماريين في إنجلترا وأروبا عامةً ، ولقد كانت الدعوة لذلك غريبةً على الجماهير اليهودية وعلى المفكرين اليهود ، لأنهم كانوا إما متدينين ينتظرون مقدم ” الماشيخ المخلص ” ليعود بهم ليؤسس هو الدولة دون أي تدخل بشري أو علمانيين يدافعون عن الاندماج . لقد طرح هيس الصهيوني الفكرة في منتصف القرن 19 في كتابه ذي الطابع الواضح ( روما والقدس ) ، وعالج بنسكر الفكرة ذاتها في كتابه ( الانعتاق الذاتي ) ، ثم تعرض هرتزل لنفس الموضوع في كتابه ( الدولة اليهودية ) ، وقد واجهت الفكرة معارضةً من اليهود الإصلاحيين واليهود الأرثوذكس ، ولم يكتب للفكرة التحقيق إلا حينما تبنت الدول الإمبرالية الحركة الصهيونية وفرضت التجمع الاستيطاني الصهيوني على الواقع العربي ” [8] .
أطماع اليهود :
وقد أظهر السلطان عبد الحميد الثاني تخوفه في مذكراته السياسية أن اليهود إذا سُمح لهم بالاستيطان في فلسطين ، سرعان ما تملكوا جميع ثرواتها ومواردها ، وإن هذا التخوف للسلطان مستلهم من دراسة عميقة للتاريخ ، وأمريكا مثال حي لهذا التخوف ، لأن اليهود فيها في أقلية ، ولكنهم يتولون هناك وظائف تنفيذيةً ، ويسيطرون على جميع أعمال الصنعة ، والحرفة ، والتجارة ، والإذاعة ، ومصادر الإعلام . كان في أمريكا صناعي ثري ورجل أعمال كبير يسمى بهنري فورد ، وإنه رأى أن اليهود الأثرياء يتآمرون للسيطرة على النظام المالي للبلاد بشتى الوسائل ، ويقومون تدريجياً بتنحية الآخرين منه ، فأنشأ هيئةً للباحثين والكتاب البارزين من البلاد لاستعراض الأنشطة السرية والمؤتمرات الخطرة لليهود في العالم عامةً وفي أمريكا خاصةً ، فقدَّم هؤلاء الباحثون والكتاب خلاصة دراستهم وتحقيقهم في صورة كتابٍ ، وشاع هذا الكتاب باللغة العربية أيضاً باسم ” اليهود العالمي ” . وتوحي دراسة هذا الكتاب أن اليهود كيف سيطروا على النظام المالي ، وطرق التجارة ، ومصادر الإعلام في العالم ، ولا شك أن الكتاب مجموعة حقائق مدهشة ، وكان له دويٌ في مجال التحقيق ، وإن دراسته لتصدِّق مخاوف السلطان .
عند كتابة الدستور للولايات المتحدة الأميركية ألقى الزعيم الأمريكي الشهير بنيامين فرنكلين خطاباً مهماً ، ويحافظ على نسخة هذا الخطاب معهدُ فرانكلين في مدينة فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأميركية . وسوف يكون من المفيد أن أنقل من نص هذا الخطاب الجزءَ الخاصَّ بخطر اليهود في السطور التالية :
” هناك خطر كبير على الولايات المتحدة الأميركية ، وهذا الخطر هو اليهود ” .
أيها السادة ! ” في أي أرضٍ يحل اليهود ، يصبح المستوى الخلقي والمعنوي منحطاً ، والمعاملات التجارية تجري بصورة غير شريفة ، بقي اليهود منطوين على أنفسهم وظالمين في معاملاتهم مع الناس ، حاولوا خنق مالية الدولة مثلما جرى في البرتغال وأسبانيا ” .
أيها السادة ! ” بكى اليهود مصيرهم المحزن منذ أكثر من 1700 سنة بسبب طردهم من وطنهم الأم ، ولو أن العالم قدم فلسطين إلى اليهود ملكاً لهم ، فإنهم سيجدون أسباباً قويةً لعدم العودة إليها ، لأنهم يبتزون الأموال ، ولا يستطيعون العيش بعضهم مع بعض ، ولا بد لهم من العيش بين المسيحيين وغيرهم من الشعوب التي لا تنتمي إلى جنسهم ” .
وإذا لم يطرد اليهود من الولايات المتحدة الأميركية ، بموجب نصوص الدستور ، فإنهم سيفدون على بلادنا خلال المئة عام القادمة بأعداد كبيرة ، تؤدي إلى أن يحكموا البلاد ويديروننا ، ويغيروا شكل حكومتنا ، وهي الأمور التي بذلنا نحن الأميركيين في سبيلها دماءنا وأرواحنا وممتلكاتنا وحرياتنا الشخصية ” .
وإذا لم يطرد اليهود من بلادنا خلال مائتي عام ، فإن أطفالنا سوف يعملون في الحقول لإطعام اليهود ، بينما يقيم اليهود أنفسهم في قصورهم ، يفركون أيديهم فرحاً وسروراً ” .
” إنني أحذركم أيها السادة ! وأقول لكم إذا لم تخرجوا اليهود من أميركا إلى الأبد ، فإن أولادكم وأحفادكم سيلعنونكم في قبوركم ” .
” إن اليهود لا يتحلون بالمثل العليا التي نتحلى بها نحن الأميركيين ولو أنهم عاشوا بيننا طيلة عشرة أجيال . إن الفهد لا يستطيع أن يغير لون جلده الأرقط . إن اليهود يشكلون خطراً على أميركا ، إذا سمح لهم بدخولها ، وسوف يعرضون مقوماتنا الاجتماعية للخطر . ولذلك يجب أن يخرجوا من بلادنا بموجب الدستور ” [9] .
* أستاذ الحديث والفقه بدار العلوم لندوة العلماء ، ومدير مجمع البحوث والدراسات لندوة العلماء .
[1] مذكراتي السياسية ، للسلطان عبد الحميد الثاني ، ص : 34 – 35 .
[2] أنور الجندي : المخططات التلمودية اليهودية الصهونية ، ص : 33 .
[3] نفس المصدر ، ص : 34 .
[4] نفس المصدر .
[5] المجتمع ، الثلاثاء ، 1/ صفر 1398هـ – 10/ يناير 1978م ، العدد : 381 ، السنة الثامنة ، ص : 17 .
[6] أنور الجندي : المخططات التلمودية اليهودية الصهونية ، ص : 100 .
[7] موسوعة مفاهيم الصهيونية .
[8] أنور الجندي : المخططات التلمودية اليهودية الصهونية ، ص : 100 .
[9] محمد نمر الخطيب ، حقيقة اليهود والمطامع الصهيونية ، منشورات دار مكتبة الحياة ، ص : 63 – 64 .

