فقه السيرة النبوية الشيخ السيد بلال عبد الحي الحسني الندوي
مايو 24, 2026نصرة النبي صلى الله عليه وسلم
مايو 24, 2026الدعوة الإسلامية :
التسويف من جنود إبليس …
بقلم : د . عبدالحكيم الأنيس *
أولى العلماء والمربُّون اغتنامَ العمر وحفظَ الوقت والحذرَ من التسويف اهتماماً كبيراً ، وهذه طاقةٌ عطرةٌ مِن أقوالهم في ذلك ، أسأل الله تعالى أنْ ينفعنا بها جميعاً .
قال ابنُ أبي الدنيا : حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي قال : كان يُقال : مَن استعمل التسويفَ والمُنى لم ينبعثْ في العمل . وكان يُقال : مَن أقلقه الخوفُ ، تركَ أرجو ، وسوف ، وعسى [1] .
وروى أبو نُعيم عن أبي بكر النسّاج قال : سمعتُ السريَّ يقول : مَن استعمل التسويف طالتْ حسرتُه يوم القيامة [2] .
وقال أبو سليمان الداراني ( ت : 215 ) : مَن أراد واعظاً بيِّناً فلينظرْ إلى اختلاف الليل والنهار [3] .
وقال : أفضلُ الأعمال خلافُ هوى النفس [4] .
وقال أبو عثمان المغربي ( ت : 373 ) : مَن أعطى نفسه الأماني قطعها بالتسويف والتواني [5] .
وقال أبو الجلد جيلان بنُ فروة : وجدتُّ التسويفَ جنداً مِن جنود إبليس ، قد أهلك خلقاً من خلق الله كثيراً [6] .
وكان أبو العباس بن السمّاك ( ت : 183 ) يقول في كلامه : عجباً لعينٍ تلذ بالرُّقاد ، وملكُ الموت معها على الوساد [7] .
وقال الإمام الغزالي ( ت : 505 ) : ” اشتغلْ بالاستعداد لها [ للخاتمة ] فواظبْ على ذكر الله تعالى ، وأخرجْ مِن قلبك حبَّ الدنيا ، واحرسْ عن فعل المعاصي جوارحَك ، وعن الفكر فيها قلبَك ، واحترزْ عن مشاهدةِ المعاصي ومشاهدةِ أهلِها جهدَك ؛ فإنَّ ذلك أيضاً يؤثرُ في قلبك ، ويصرفُ إليه فكرَك وخواطرَك ، وإياك أنْ تسوِّف وتقولَ : سأستعدُّ لها إذا جاءت الخاتمة ، فإنَّ كلَّ نفَسٍ من أنفاسك خاتمتُك ، إذ يمكنُ أنْ تُختطف فيه روحُك ، فراقبْ قلبَك في كل تطريفة ، وإياك أنْ تهمله لحظةً ، فلعل تلك اللحظة خاتمتُك ، إذ يُمكن أنْ تُختطف فيها روحُك .
هذا ما دمتَ في يقظتك ، وأمّا إذا نمتَ فإيّاك أنْ تنام إلا على طهارة الظاهر والباطن ، وأنْ يغلبك النومُ إلا بعد غلبةِ ذكرِ الله على قلبك ، لستُ أقول : على لسانِك ، فإنَّ حركة اللسان بمجردها ضعيفةُ الأثر ” [8] .
وقال : ” ولا ينبغي أن تكونَ أوقاتُك مهملةً ، فتشتغلَ في كل وقتٍ بما اتفق كيف اتفق ، بل ينبغي أنْ تحاسبَ نفسك ، وترتبَ أورادَك في ليلك ونهارك ، وتعيِّنَ لكلٍ وقت شغلاً لا تتعداه ، ولا تؤثرُ فيه سواه ، فبذلك تظهرُ بركةُ الأوقات .
فأمّا إذا تَركتَ نفسَك سُدىً مهملاً إهمالَ البهائم لا تدري بماذا تشتغلُ في كل وقت ، فينقضي أكثرُ أوقاتك ضائعاً ، وأوقاتُك عمرُك ، وعمرُك رأسُ مالك ، وعليه تجارتُك ، وبه وصولُك إلى نعيم دار الأبد في جوار الله تعالى ؛ فكل نَفَسٍ من أنفاسك جوهرةٌ لا قيمةَ لها ؛ إذ لا بدلَ له ، فإذا فات فلا عود له . فلا تكن كالحمقى المغرورين الذين يفرحون كلَّ يوم بزيادة أموالهم مع نقصان أعمارهم ، فأيُّ خيرٍ في مالٍ يزيدُ وعمرٍ ينقصُ ! ولا تفرحْ إلا بزيادة علمٍ ، أو عملٍ صالحٍ ؛ فإنهما رفيقاك يصحبانك في القبر حيث يتخلفُ عنك أهلُك ومالُك ، وولدُك ، وأصدقاؤك ” [9] .
وقال ابنُ الجوزي ( ت : 597 ) : ” وإياك والتسويفَ بالاستعداد ، فإنَّ العمر قصير ، كل نفَس من أنفاسك بمنزلة خاتمتك ، لأنه يمكن أن تخطف فيه روحك ، والإنسانُ يموتُ على ما عاش عليه ، ويُحشرُ على ما مات عليه .
واعلمْ : أنه لا يتيسرُ لك الاستعدادُ بما يصلح ، إلا أنْ تقنعَ بما يقيمُك ، وترفضَ طلبَ الفضول ، وسنوردُ عليك مِن أخبار الخائفين ما نرجو أنْ يزيل بعضَ القساوة من قلبك ، فإنك متحققٌ أن الأنبياء والأولياء كانوا أعقلَ منك ، فتفكرْ في اشتداد خوفهم ، لعلك تستعدُ لنفسك ” [10] .
ونقل الثعالبي ( الجزائري ) عن الزاهد الفارقي [ المدون كلامه في ” الكلم الفارقية والحكم الحقيقية ” ] قوله : ” أيها الأخُ أَشعرْ قلبَك مهابةَ ربِّك فإليه مآلك ، وتأهبْ للقدوم عليه فقد آنَ ارتحالُك ، أنتَ في سكرة لذاتِك ، وغشية شهواتكِ ، وإغماء غفلاتِك ، ومِقْراضُ الفناء يعملُ في ثوبِ حياتِك ، ويفصلُ أجزاء عمرك جُزءاً جزءاً في سائر ساعاتك ، كلُّ نفَسٍ من أنفاسك جزءٌ منفصل مِن جملةِ ذاتك ، وبذهابِ الأجزاء تذهبُ الجُمل ، أنتَ جملةٌ تؤخذ آحادُها وأبعاضُها ، إلى أنْ تَستوفي سائرَها عساكرُ الأقضية ، والأقدارُ مُحْدقةٌ بأسوارِ الأعمار تهدمُها بمعاولِ الليل والنهار ، فلو أضاءَ لنا مصباحُ الاعتبار ، لم يبقَ لنا في جميع أوقاتنا سكونٌ ولا قرار ” [11] .
وقال الشيخ محمد بن علي خرد العلوي الحسيني التريمي : ” اعلمْ – أيها الأخُ الكريمُ – أن كل نفَس من أنفاسك جوهرٌ لا يقوَّم ولا يُعادَل ، ورأسُ مال لا يُستخلف ولا يُستبدل ، إذا انتهبته يدُ الإضاعة فلا يرد ، وإذا عُمِّر بالطاعة فلا يُوصف ربحُه ولا يُحد ، وما مِن ميت إلا ويندم على ما قدم : إنْ كان محسناً ندمَ على عدم الازدياد ، وإنْ كان مسيئاً على عدم التوبة والاستعداد ، وإنْ مضى له وقتٌ في البطالة ندمَ على فواتِ ما لا يُمكن أنْ يُستعاد ، وتضييعِ ما يَجب أنْ يُستفاد . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ليس يتحسر أهلُ الجنة على ساعة إلا ساعة مرتْ عليهم لم يذكروا الله تعالى فيها . رواه الطبراني والبيهقي ” [12] .
وقال الشيخ اللحجي : ” وكل نفَسٍ من أنفاسك ( جوهرة ) إنْ صرفتَه فيما ينفعك في الآخرة ، أو ( حسرة ) إنْ صرفتَه في الأمور التي لا خيرَ فيها ولا ثوابَ تناله منها ” [13] .
وقال السيد الأمير أبو الحسن علي بن المرتضى الطالبي الحنفي البغدادي ( 521 – 588 ) :
صنْ حاضرَ الوقت عن تضييعه ثقةً أنْ لا بقاء لمخلوقٍ على الدومِ
وهــــبْـــــكَ أنّــــك بـــــاقٍ بـــعـــدَه أبــداً فــلن يعودَ إلينا عينُ ذا اليومِ
وقال :
لا تـــــحـــزنــنَّ لذاهبٍ أبـــــداً ولا تـــــــجـزعْ لآتِ
واغنمْ لنفسك حظَّها في البينِ مِن قبلِ الفواتِ [14]
وانظر إلى هذا الخبر المعجب :
قال ابنُ حجر في ترجمة الإمام المفسر محمود بن عبدالرحمن الأصبهاني ( 694 – 749 ) : ” كان بعضُ أصحابه يحكي أنه كان يمتنعُ كثيراً من الأكل لئلا يحتاجَ إلى الشرب ، فيحتاجَ إلى دخول الخلاء ، فيضيعَ عليه الزمان ” [15] .
وجاء في ترجمة الحافظ الحاكم الكبير أبي أحمد محمد بن محمد النيسابوري صاحب التصانيف ( ت : 378 ) أنه ” تقلَّد القضاء في مدن كثيرة … وقُلِّد قضاء الشاش [ طشقند ] وحكمَ بها أربع سنين ، ثم قضاء طوس ، وكان يَحكم بين الخصوم وإذا فرغ أقبلَ على التصنيف بين يديه ” [16] .
وقال الشريفُ الزاهدُ أبو الحسن علي بن أحمد الزيدي البغدادي ( ت : 575 ) : ” اجعل النوافلَ كالفرائض ، والمعاصي كالكفر ، والشهواتِ كالسموم ، ومخالطةَ الناس كالنار ، والغذاءَ كالدواء ” [17] .
وإذا أردتَّ رقةَ القلب فقلِّلْ من الذنوب : روى الإمامُ أحمدُ عن مكحول الدمشقي قال : أرقُّ الناس قلوباً أقلُّهم ذنوباً [18] .
* الخبير العلمي في مجمع القرآن الكريم بالشارقة – دولة الإمارات العربية المتحدة .
[1] المتمنين ، ص : 47 .
[2] حلية الأولياء ( 10/122 ) ، وتاريخ بغداد ( 16/562 ) ، وأخبار الصوفية والزهاد من تاريخ بغداد ، ص : 326 .
[3] طبقات الصوفية ، ص : 79 .
[4] طبقات الصوفية ، ص : 79 ، وذم الهوى ، ص : 29 .
[5] طبقات الصوفية ، ص : 361 .
[6] حلية الأولياء ( 6/54 ) .
[7] حلية الأولياء (8/204 ) .
[8] إحياء علوم الدين ( 4/179 ) .
[9] بداية الهداية ، ص : 41 – 42 .
[10] مختصر منهاج القاصدين ، ص : 311 .
[11] الجواهر الحسان في تفسير القرآن ( 4/80 ) . والنقل من ” الكلم الفارقية والحكم الحقيقية ” .
[12] الوسائل الشافعة ، ص : 37 .
[13] منتهى السول على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول ( 3/306 ) .
[14] الوافي بالوفيات ( 22/119 ) . ط بيروت .
[15] الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة ( 6/86 ) .
[16] الوافي بالوفيات ( 1/108 ) . ط بيروت .
[17] العقد المذهب ، ص : 321 .
[18] الزهد ، ص : 313 .

