نصرة النبي صلى الله عليه وسلم

التسويف من جنود إبليس …
مايو 24, 2026
منهج القرآن الكريم في ترسيخ العقيدة الإسلامية
مايو 24, 2026
التسويف من جنود إبليس …
مايو 24, 2026
منهج القرآن الكريم في ترسيخ العقيدة الإسلامية
مايو 24, 2026

الدعوة الإسلامية :

نصرة النبي صلى الله عليه وسلم

الشيخ السيد بلال عبد الحي الحسني الندوي

تعريب : الأخ نعمت الله قاسم الندوي

ومن أعظم حقوق النبي على أمته أن يُعزّروه وينصروه ويؤيّدوا دينه ويعزّزوا مهمته ، ويضحّوا من أجله ومن أجل دينه بكل ما يملكون .

ولم يُقصّر المشركون في مكة في إيذائه ، فاستُشهد عدد كبير من أصحابه ، حتى تآمروا على قتل النبي صلى الله عليه وسلم ، لكنه تحمّل كل ذلك ليعرّف الناس ربهم ويهتدوا إلى الطريق الصحيح المستقيم للنجاح في الدنيا والآخرة .

فقد سلّم النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأمانة إلى الأمة ، ولحق بالرفيق الأعلى ، وألقى – بمناسبة حجة الوداع – خطبةً جامعةً شاملةً ، وهي في الواقع منهاج خالد للبشرية جمعاء ، يضمن سعادتها في الدنيا والآخرة .

وقد بيّن خلال هذه الخطبة مسؤولية هذه الأمة ، حيث أسند إليها مهمة تبليغ هذا الدين ، قائلاً : ” ألا فليبلّغ الشاهد الغائب ” ( صحيح البخاري ، كتاب المغازي ، باب حجة الوداع ، الحديث : 4406 ) .

وقد بيّن القرآن الكريم هذا الحق العظيم للنبي صلى الله عليه وسلم على المسلمين ، حيث قال تعالى : ( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) [ الأعراف : 157 ] .

فالحق الثاني بعد الإيمان – كما بينت هذه الآية – تعزيره ونصره وتأييده ، ومعنى نصره : الاحتفاظ بكل ناحية من سيرته وخلقه ، والاهتمام بحفظ الشريعة التي بُعث بها ، ونشر تعاليمه وتوجيهاته ، والتضحية في سبيل ذلك بكل غالٍ ونفيس .

وقد أوضح تعالى أنهم إن لم يُعاونوه وينصروه ، فالله ناصره ومولاه يؤيده ويقويه ، فقال : ( إِلا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ ) [ التوبة : 40 ] .

وهذا تنبيه من الله تعالى لكل من لا يهتم بحفظ دينه ، ولا يسعى لصيانة كل جزء من أجزائه ، ولا يفكر في الأمانة التي أعطاها النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو منغمس في زينة الحياة الدنيا وزخرفها .

اهتمام الصحابة بحفظ الحديث النبوي :

لقد ضحّى الصحابة رضي الله عنهم بحياتهم ، وتحملوا المشاق لأجل نبيهم ودينه ، واهتمّوا بتبليغ كل أمر أو قول بلغهم ، وكل حديث أو أمر من الرسول وردهم ، ولم يقصّروا فيه أي تقصير ، امتثالاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ” من كتم علماً مما ينفع الله به في أمر الناس في الدين ، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار ” . ( سنن ابن ماجه ، المقدمة ، باب من سئل عن علم فكتمه ، رقم الحديث : 277 ) .

وقد حدّث أحد الصحابة بحديث عند وفاته قائلاً : ” لقد حدثتُ بكل ما سمعتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فاتني هذا الحديث ، فخشيت كتمان العلم ، فأحدثكم به ” . فحدّثهم به .

ولقد اهتم الصحابة رضي الله عنهم بحفظ كل ما سمعوا ، فأخذوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعوه كل الوعي ، حتى إن لم يسمعوا شيئاً من المرويات مباشرةً ، سافروا وقطعوا المفاوز ليسمعوه مباشرةً ويدوّنوه دون واسطة .

ويكتب الباحث الكبير الشيخ عبد الرشيد النعماني في كتابه ” ابن ماجه وعلم الحديث ” نقلاً عن كتاب ” الأدب المفرد ” للبخاري : عن ابن عقيل أن جابر بن عبد الله حدثه أنه بلغه حديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فابتعت بعيراً ، فشددت إليه رحلي شهراً ، حتى قدمت الشام ، فإذا عبد الله بن أنيس ، فبعثت إليه أن جابراً بالباب ، فرجع الرسول ، فقال : جابر بن عبد الله ؟ فقلت : نعم . فخرج فاعتنقني ، قلت : حديث بلغني لم أسمعه ، خشيت أن أموت أو تموت ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول . . . إلى آخر الحديث . ( الأدب المفرد للبخاري ، تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي ، باب المعانقة ، رقم الحديث : 337 ، المطبعة السلفية ، القاهرة ، الطبعة الثانية ، 1379هـ ) .

فحدث بالحديث الذي كان عن القصاص في الآخرة ، وقد ذكر البخاري قطعةً منه في صحيحه ، في كتاب التوحيد ، باب : ” لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له ” .

وقد روى الإمام الدارمي في سننه عن عبد الله بن بريدة : أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رحل إلى فضالة بن عبيد رضي الله عنه ، وهو بمصر ، فقدم عليه وهو يمدّ ناقةً له ، فقال : مرحباً . قال : أما إني لم آتك زائراً ، ولكن سمعت أنا وأنت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رجوت أن يكون عندك منه علم . قال : ما هو ؟ قال : كذا وكذا . ( سنن الدارمي ، تحقيق : حسين سليم أسد ، ص : 468 ، باب الرحلة في طلب العلم ، دار المغني ، المملكة العربية السعودية ، الطبعة الأولى 1412هـ ) .

وقد نقل الحاكم مثل هذه القصة لأبي أيوب الأنصاري في كتابه ” معرفة علوم الحديث ” عن عطاء بن أبي رباح ، قال : خرج أبو أيوب إلى عقبة بن عامر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره وغير عقبة ، فلما قدم إلى منزل مسلمة بن مخلد الأنصاري وهو أمير مصر ، فأخبره ، فعجل عليه ، فخرج إليه فعانقه ، ثم قال له : ما جاء بك يا أبا أيوب ؟ فقال : حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري وغير عقبة ، فابعث من يدلني على منزله . فبعث معه من يدله على منزل عقبة ، فأخبر عقبة ، فعجل فخرج إليه فعانقه ، فقال : ما جاء بك يا أبا أيوب ؟ فقال : حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري وغيرك في ستر المؤمن . قال عقبة : نعم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” من ستر مؤمناً في الدنيا على خزيته ستره الله يوم القيامة ” . فقال له أبو أيوب : صدقت . ثم انصرف إلى راحلته فركبها راجعاً إلى المدينة ، فما أدركته جائزة مسلمة ابن مخلد إلا بعريش مصر [1] .

فحُفظت حياة النبي صلى الله عليه وسلم كلها باهتمامات الصحابة البالغة ، فحُفظ جلوسه وقيامه ، وقُيّدت كيفية نومه ، وأسلوب حديثه ، ونشاطاته في الحياة الفردية والجماعية ، حتى حُفظ ذوقه ومزاجه ، وقُيّدت حياته الداخلية والخارجية . وهذه ميزة خصّ الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم ، ميزه بها عن غيره من الأنبياء والرسل  ، ولم يستطع أتباع نبي غيره حفظ تعاليم نبيهم .

( للحديث صلة )

[1] ابن ماجه وعلم الحديث : 14 – 15 .