وقليل ما هم
مايو 24, 2026التسويف من جنود إبليس …
مايو 24, 2026الدعوة الإسلامية :
فقه السيرة النبوية
الشيخ السيد بلال عبد الحي الحسني الندوي
تعريب : الأخ نعمت الله قاسم الندوي
يقول الشيخ السيد أبو الحسن علي الحسني الندوي مبيناً أهمية الحديث ودوره في تكوين المناخ الإسلامي المطلوب :
” إن الحديث ميزان عادل يستطيع المصلحون في كل عصر أن يزنوا فيه أعمال هذه الأمة واتجاهاتها ، ويعرفوا الانحراف الواقع في سير هذه الأمة ، ولا يتأتى الاعتدال الكامل في الأخلاق والأعمال إلا بالجمع بين القرآن وبين الحديث .
فلولا الحديث الذي يمثل هذه الحياة المعتدلة الكاملة المتزنة ، ولولا التوجيهات النبوية الحكيمة ، ولولا هذه الأحكام التي أخذ بها الرسول المجتمع الإسلامي ، لوقعت الأمة في إفراط وتفريط ، واختلّ الاتزان ، وفُقد المثال العملي الذي حثّ الله على الاقتداء به ، بقوله تعالى : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) [ الأحزاب : 21 ] ، وبقوله تعالى :
( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [ آل عمران : 31 ] .
والذي يطلبه الإنسان ويستمد منه الثقة والقوة في الحياة ، ويقتنع بأن تطبيق الأحكام على الحياة ميسور وواقعي ” [1] .
ويضيف قائلاً : ” وبفضل ذلك بقي امتداد الحياة المباركة على صاحبها الصلاة والسلام ، وظلت الأمة في كل دور من أدوارها تتمتع بذلك التراث الروحاني والطبيعي والعلمي والإيماني الذي سعد به الصحابة رضي الله عنهم مباشرةً .
وعلى ذلك ، فلم يجرِ التوارث في خصوص العقائد والأحكام ، وإنما جرى كذلك في الذوق والمزاج والعقلية والنفسية . وبفعل الحديث ، ظلّ ذوق الصحابة ينتقل من جيل إلى جيل ، ومن عهد إلى عهد ، ومن طبقة إلى طبقة . ولم يأتِ في تاريخ الأمة الطويل حينٌ من الدهر فُقد فيه هذا الذوق كلياً ؛ فقد وجد في كل عصر رجال يُعدّون بحق من حملة ذوق الصحابة ، رغبةً في العبادة ، وتقوى من الله ، وخشية منه ، واستقامة ، وعزيمة ، وتواضع ، واحتساب نفس ، وحنين إلى الآخرة ، ورغبة عن الدنيا ، وعناية زائدة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكراهية شديدة للبدع ، ونزعة قوية إلى اتباع السنة .
وهذا الأمر لا يحصل إلا بالانشغال بدراسة الحديث ، والعكوف عليه تعلّماً وفهماً وتعليماً وتدريباً وشرحاً وتدويناً ، أو بملازمة أولئك الذين اقتبسوا من مشكاة النبوة ، وكان لهم نصيب غير منقوص من هذا التراث النبوي .
فظلت الأمة تتوارث هذا الذوق عبر عصورها منذ القرن الأول إلى هذا القرن الرابع عشر الهجري ، رغم طابع المادية والتدهور الذي يتسم به هذا العهد ، ولا تزال هذه الثروة القيمة باقيةً والاستفادة منها قائمةً ” [2] .
ويقول أيضاً : ” والذين يحاولون أن يحرِموا الأمة هذا المنبع الفياض للحياة والهداية والقوة بإثارة الشك والارتياب في حجية الحديث وقيمته ، وزحزحة ثقتها به ، إنهم لا يدرون مدى الضرر والخسارة التي يُلحقونها بها ، إنهم لا يدرون أنهم يكونون بذلك قد جعلوا أمتهم محرومة الإرث ، محذوفة الصدر ، مقطوعة الأصل ، حائرةً تائهةً ، كما صُنع بأعداء اليهودية والمسيحية أو ما صنعه بهما حدثان الدهر .
فلو أنهم يصنعون ذلك عن شعور ووحي ، لما كان لهذه الأمة ودينها عدوٌّ ألدّ منهم وأحنق ، لأنه لا تعود هناك وسيلة إلى إنشاء هذا الذوق الديني من جديد ، الذوق الذي كان يمتاز به الصحابة رضي الله عنهم ، والذي لا يمكن أن يوجد إلا بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم مباشرةً ، أو بواسطة الحديث الذي هو صورة حيّة لذلك العهد ، ومذكِّرة ناطقة للحياة النبوية تزخر بكيفيات العهد النبوي ، وتتعطر بأريجه ، وتفوح برياه ” [3] .
دراسة عميقة وموسعة للسيرة النبوية :
إن السيرة النبوية – على صاحبها ألف ألف تحية وسلام – حلٌّ قاطع فريد وأخير في الشؤون الفردية والجماعية ، وفي القضايا التعليمية والتربوية ، وفي ميادين الدعوة والتبليغ ، وزوايا التزكية والسلوك ، وغيرها من شعب الحياة ومجالاتها .
فدراسة السيرة النبوية والتأمل فيها قد ازدادت أهميةً وحاجةً في الواقع الحاضر ، فينبغي أن تكون هذه الدراسة بالعقل المتفتح دون أن تُفرض عليها الاتجاهات الشخصية ، بل ينبغي للدارس أن يُهذّب حياته ودعوته وأفكاره ونظراته بسيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم ، ويزن بها أعماله ومواقفه .
وإن هذه المسؤولية أُلقِيت بوجه خاص على كواهل علماء المسلمين الذين مُنحوا وراثة الأنبياء ، فيتحتم عليهم أن يحفظوا هذه الوراثة العظمى ويقدّروها حقّ قدرها ، فإن ذلك حلٌّ فريد لمشاكل العصر الحاضر وطريق وحيد للنجاح في الآخرة .
فأينما نُشاهد من قضايا الإلحاد والردة والانحراف ، فليس ذلك إلا لأن المسلمين تغاضوا عن السيرة النبوية ، واستخفّوا بتعاليمها ، وحاولوا تفريق القرآن عن صاحبه الموحى إليه .
وقد كان من أصول فهم القرآن ومبادئه الرئيسة ومقتضياته المحورية الأولى : فهمه في ضوء سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وتعاليمه وتوجيهاته وهداياته .
وقد تقدّم ذكر حكم طاعة الرسول ، وما بيّنه القرآن من أهميتها الكبرى وضرورتها الأكيدة ومكانتها السامية في دين الإسلام ، تفصيلاً وإسهاباً .
ومن خصائص هذا الدين كماله وشموله واتزانه ، وجمعه بين الدين والدنيا بطريق عملي عجيب ، وليس هذا الاعتدال والاتزان إلا بفضل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم .
فمن خلالها يتكوّن المناخ الإسلامي الصحيح ، والمنهاج السديد المطلوب ، والمزاج الإسلامي السليم .
فمن اتخذ من الدعاة والمفكرين طريقاً سواها ، انحرف عن جادّة الحق ، وحيثما ضعف الاعتناء بالحديث الشريف انتشرت البدع والخرافات .
فالمناطق التي عُني فيها بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأحاديثه سَلِمت من البدع والخرافات والتقاليد التي لا أصل لها في الدين .
فينبغي أن تكون دراسة السيرة النبوية في ضوء القرآن والحديث الشريف ، ومن خلال كتب السيرة الأصيلة .
ومن الحقيقة أن فقه السيرة النبوية وفهمها الصحيح السديد من الحقوق الأساسية على المسلمين تجاه نبيهم الكريم صلى الله عليه وسلم ، ويجب عليهم كذلك أن يصوغوا قلوبهم وعقولهم وأعمالهم وأفكارهم وفق هذه السيرة الكريمة لخير البشر محمد صلى الله عليه وسلم .
( وللحديث صلة )
[1] دور الحديث في تكوين المناخ الإسلامي : 26 .
[2] دور الحديث النبوي : 38 – 39 .
[3] المصدر نفسه : 41 .

