القراءة الراشدة : معلم اللغة ومهذب الأخلاق والأفكار

مجلس إحياء المعارف النعمانية ، للدكتور سعيد بن مخاشن :
يناير 28, 2025
صفوة الخليقة للأستاذ علي الجندي ¨ عميد كلية دار العلوم ( الأسبق )
مايو 24, 2026
مجلس إحياء المعارف النعمانية ، للدكتور سعيد بن مخاشن :
يناير 28, 2025
صفوة الخليقة للأستاذ علي الجندي ¨ عميد كلية دار العلوم ( الأسبق )
مايو 24, 2026

قرأت لك :

القراءة الراشدة : معلم اللغة ومهذب الأخلاق والأفكار

الأخ أبو أسامة *

من سنتين أتولى تدريس القراءة الراشدة للإمام أبي الحسن علي الحسني الندوي ، قرأت أثناءهما الكتاب ، واستوحيت منه مشاعر وانطباعات رأيت أن أسجلها ، علها تضيئ العقول وتنير الأذهان وتساعد على فهم مكانة الكتاب وأهميته وقيمته ووزنه وضرورته وما يؤدي من دور عظيم انقلابي في مجال اللغة والأدب العربي لغير الناطقين بها ، بل وللناطقين أنفسهم أيضاً .

وإن ما يميز هذا الكتاب عن غيره من كتب اللغة والأدب ، المتداولة المدرجة ضمن المناهج في مدارسنا الإسلامية أنه يتصل بحياة الدارس اتصالاً قريباً ، ويرتبط بواقع حياته ارتباطاً عميقاً ، فهو يستمد مما يمر به القارئ في حياته اليومية ويحتك به ، وما يجربه ويشاهده ويعيشه ، الأمر الذي يعين على توثيق الصلة بالكتاب ، ويساهم مساهمةً بالغةً في تحمل الطالب واستيعابه مواده ومضامينه ، فيقرأ فيه عن العادات اليومية والأسفار والرحلات ، والمناظر الطبيعية والمشاهد التاريخية والآثار ، ووقائع الصدق والأمانة ، والعدل والوفاء ، إلى معلومات عامة عن الأسباب والآلات ، وحيوانات لها صلة قريبة بحياة الناس وآلات حديثة ، إلى تراجم وتواريخ لأفذاذ فطاحل من الشخصيات والأعلام ، مما يجعل الطالب يتأرجح بين تنوع الموضوعات وتفنن المقالات ، والتلون في الدروس ، مما يقوم بدور كبير في إيقاظ المواهب وتنمية الأذواق الأدبية ، وتوسيعها وتنويعها .

وليس مضمونه ومحتواه بعيداً عن الحياة ، ولم يتضمن المواد والمحتويات التي لا يألفها الطالب ولا يأنس بها ، أمثال قصص الملوك والأمراء والسلاطين والوزراء فقط ، والذئاب والبغال وحكايات الأجانب وأخبارهم ، والروايات والأحداث المصطنعة التي نسجها الخيال ولا يمت إلى الواقع بصلة ، مما يحول دون التقرب من الكتاب والدخول في أغواره والغوص على أعماقه ، شأن مناهج دراسة الأدب في المدارس الإسلامية التقليدية .

ومما يتميز به الكتاب أن لغته جامعة بين لغة القرآن والسنة ولغة التواصل والمراسلات في العصر الحديث ، فإذا انتهى منه طالب بعد دراسته بإتقان وضبط فإنه يملك قدراً كبيراً لا يستهان به من المهارة والقدرة على لغة العصر الحديث إلى جانب لغة القرآن والسنة في الآن ذاته ، فيتمكن به من القراءة للأدباء القدامى كما يتمكن من الدراسة للأدباء المحدثين ، عكس مقررات اللغة والأدب في المدارس الإسلامية ، حيث يقتصر أدبها على القديم منه ، وعلى أساليب وتعابير ومفردات لم تعد رائجةً اليوم بتلك الكثرة ، ولا مألوفةً مأنوسةً مفهومةً بتلك السعة ، وإن كان منها ما يشتمل على أدب القرآن والسنة ، لكنه موضوع بأسلوب قديم تقليدي ، ومؤلف على نمط واحد خاص من الأدب لا يحيد عنه الكاتب ، مما يقضي على أصالة الأدب وذوقه ورزانته وسعته وروائه ورونقه ، فعاد بفعل ذلك أشبه بالوشي والتطريز منه بالأدب الأصيل الخالص ، كما يقول العلامة الندوي في مقدمة كتاب ” مختارات من أدب العرب ” .

وعهدي بالطلاب – وقد اتفق لي أن أدرسهم في مادة اللغة العربية كتابين من كل نوع من القديم والجديد – أنهم في درس هذا الكتاب يكونون أنشط وأيقظ وأكثر إقبالاً واهتماماً وانتباهاً ، وتنبعث فيهم عواطف الأخذ والتلقي ، وتعتمل دوافع التقليد والمحاكاة ، فذهبت أتحرى الأمر وأتروى ، ثم عدت وقد رأيت أنه يعود إلى ميزة هذا الكتاب بالجدة في أساليبه ، والطرافة في تعابيره ، واللذة والمتعة في مواضيعها وتنوعها ، وبالكشف والتجلية في أفق اللغة والأدب كل يوم ، والتطور والتدرج في لغته ، فليس صعباً معقداً ، ولا سهلاً هشاً ، بل هو جامع بين ذلك بالتدريج من حيث لا يشعر به الطالب كثيراً ، ثم إنهم يمكنهم أن يتلقوا منه التعابير والأساليب والاستعمالات بكل سهولة وهناءة ، ليستخدموها في حوارهم ومكالماتهم العربية اليومية ، وفي كتاباتهم ومقالاتهم ، الأمر الذي لا يجدونه بهذه السهولة والوفرة في كتاب آخر .

فهو يفتق قرائحهم بسهولة ، ويصقل مواهبهم ويوسع عليهم الآفاق ويكشف الأبعاد ، ويزودهم كل يوم بجديد من استعمال وجميل من تعبير ورائع من بيان ورائق طري من أسلوب وأفنون .

فهذه نتف من انطباعي بهذا الكتاب ، ولا شك أن الكتاب يتحلى بخصائص ومميزات غيرها أيضاً ، يدركها القارئ المتبصر الفطن .

فرحم الله المؤلف العلام وتغمده برحمته الواسعة ، وأعلى درجته في أعلى عليين . ووفقنا لنحقق غرضه من الكتاب ورزقنا ذوقه ومزاجه اللغوي والأدبي والفكري والثقافي .

* بنغلاديش .