التَّحَدُّث بالنِّعمة

صفوة الخليقة للأستاذ علي الجندي ¨ عميد كلية دار العلوم ( الأسبق )
مايو 24, 2026
صفوة الخليقة للأستاذ علي الجندي ¨ عميد كلية دار العلوم ( الأسبق )
مايو 24, 2026

بأقلام القراء :

التَّحَدُّث بالنِّعمة

بقلم الشيخ صالح العَوْد *

أحِبُّ أن أستهلَّ هذا المقال بقوله تعالى ، وهو أصدق القائلين :           ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) [ الضحى : 11 ] .

وللتّنبيه لكل نبيه أو فقيه ، فإنّ الخطاب واضح وصريح ، إذْ أنَّه موجَّه للنّبيِّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم . قال الإمام عماد الدّين بن كثير رحمه الله في كتابه التفسير : ” أي : وكما كنت عائلاً فقيراً فأغناك الله فحدِّث بنعمة الله عليك ” .

لكن كما أرى السّادة المفسّرين – رحمهم الله – يقولون : ” العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب ” .

وهو ما تشهد له الأحاديث الشريفة ، والآثار المنيفة ، وهي كثيرة ، وهنا أورد بعضاً منها ، وبالله التوفيق ، ومنه الوصول إلى التحقيق :

  • عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر : ” من لم يشكر القليل ، لم يشكر الكثير ، ومن لم يشكر النّاس لم يشكر الله ، والتحدّث بنعمة الله شكر ، وتركها كفر ، والجماعة رحمة ” . أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند .
  • عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” مَنْ أَبلى بلاءً فذكره ، فقد شكره ، ومن كتمه فقد كفره ” ، تفرّد به  أبو داود .
  • عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال : إنّ ذكر النّعمة شكر .
  • وعن الحسن البصريّ رضي الله عنه قال : شكر النّعمة ذكرها . قال الله تعالى : ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) .
  • ومثل ذلك رُوِيَ عن قتادة ، والفضيل بن عياض رحمهما الله .
  • وعن أبي سحاق [ السّبيعي ] قال : يا معشر الشّباب ! اغتنموا قلَّ ما تمرّ بي ليلة إلاّ وأقرأ فيها ألف آية ، وإنّي لأقرا البقرة في ركعة ، وإنّي لأصوم الأشهر الحرم ، وثلاثة أياّم من كلّ شهر ، والاثنين والخميس، ثمّ تلا : ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) .

ولزيادة الإيضاح في بيان هذا المباح ، فإن الغالبية من المفسرين استنتجوا واستظهروا من معنى ، ( النعمة ) في آخر سورة الضحى ، ثلاث معان على النحو التالي :

النبوة – القرآن – العمل الصالح .

قال العلاَّمة ابن القيّم رحمه الله : ” التحقيق : أنّ النِّعم تعمُّ هذا كلَّه ” .

قال العلاّمة الآلوسي ( المفسِّر ) رحمه الله في تفسيره روح المعاني ج/30 ، ص : 164 ) : ” استحبَّ بعضُ السّلف : التحدُّثَ بما فعلَ من الخير ، إذا لمْ يُرِدْ به الرِّياءَ ، والافتخارَ ، وعَلِمَ الاقتداءَ به ، بل بعض أهل البيت رضي الله تعالى عنهم حمل الآية على ذلك ” .

ثم أَتْبَعَ ذلك بهذا الأثرِ الماتعِ ، وهو ما أخرجه ابن أبي حاتم عن مُقسِمٍ قال : لقيت الحسن بن عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما ، فقلت : أخبرني عن قول الله تعالى : ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) ، قال : الرجل المؤمن يعمل عملاً صالحاً ، فيخبر به أهل بيته . وأخرج ابن أبي حاتم عنه رضي الله تعالى عنه ، أنه قال فيها : إذا أصبت خيراً فحدِّث إخوانك . إهـ

وقال شيخنا الفقيه ، الأستاذ سيدي عبدالحميد طُهماز ( ت عام 1431هـ – 2010م ، رحمه الله وطيّب ثراه ) في كتابه القيّم ( التّفسير الموضوعي لسُوَرِ القرآن العظيم ، ج/8 ، ص : 522 ، ط  دار القلم              ( الثّانية ) 1435هـ – 2014م ) ، ما نصُّهُ : هي جميع الخيرات ، والتّحدُّثُ بها شكرها ؛ وكان علماء المسلمين يرون : أَنَّ من شكر ” النِّعمة ” أن يحدِّث بها ولا يكتمها ” . إهـ

وفي الختام ، أقول : ومِنَ الله تعالى الرِّضا والقبول : معلُومٌ بعدما مرّ من البيان ، فإنّه لا غبار على مَنْ هَبَّ ليتكلّم ، أو يصف ما تفضّل الله به عليه وأَنْعَمَ ، أيّاً كانت تلك النِّعمة : مادّيّةً أو معنويّةً ، أدبرت أو أقبلت ، ظاهرةً أو باطنةً ، كلّ ذلك على وجه الشّكر والحمد والثّناء ، وبقَصْدِ الاقتداءِ ، وليس الفخْر والاستعلاء ، أو التّسميع والرّياء ، فإنّ مثل هذا مبغُوض عند الله ، بل حتّى عند المؤمنين والمؤمنات جميعاً ، وفي أوساطهم خاصّةً ، ومجامعهم ومجالسهم عامّةً .

ولذا ، حين نُقلِّبُ صفحات التّاريخ ، أو نَستعرضُ بلا رَيبٍ خيراً كثيراً ، وفخراً كبيراً لأمّتنا جمعاء ، ممّا يفتح لها مجال الأسوة والقدوة ، وشعارها في ذلك : المُعلِّم الأوّل : سيّدنا محمّد رسول صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم ، ثمّ الصّحابة ، ثمّ التّابعون ، فمَن بعدهم على مدار القُرُون ، وإلى يومنا هذا .

* مجاز في علم الشريعة .