صفوة الخليقة للأستاذ علي الجندي ¨ عميد كلية دار العلوم ( الأسبق )

القراءة الراشدة : معلم اللغة ومهذب الأخلاق والأفكار
مايو 24, 2026
التَّحَدُّث بالنِّعمة
مايو 24, 2026
القراءة الراشدة : معلم اللغة ومهذب الأخلاق والأفكار
مايو 24, 2026
التَّحَدُّث بالنِّعمة
مايو 24, 2026

قرأت لك :

صفوة الخليقة للأستاذ علي الجندي ¨

عميد كلية دار العلوم ( الأسبق )

بقلم : الدكتور غريب جمعة *

هي فترة رهيبة انقطع فيها وحي السماء ، وبعد العهد بالنفحات النبوية ، وجللت الآفاق ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج الإنسان يده لم يكد يراها ، وغمرت الأرض سيول عاتية من الفوضى لم تدع فوق بساطها بقعة يأوي إليها ملك كريم ، وبسط الجهل سلطانه على العقول فهبط زعيم المخلوقات ، إلى مستوى العجماوات ، وتنبهت الغرائز الوضيعة في النفوس ، فأصبح أشباع الذكورة الجائعة وأرضاه الشهوات الجامحة ، الغرض المنشود من الحياة ، وفسد تدبير الملك واختلت موازين العدالة في دول الحضارة إذ ذاك فنازع الأباطرة والملوك رب الأرباب رداء العظمة والجبروت وساطوا الشعوب بسوط القهر والنقمة ، وبلغت الرعايا من سقوط الهمم وذلة النفوس أن جهلوا معنى الحرية فلو منحوها لم يعرفوها ! وقبعت بقية الأجناس في مناطقها من المسكونة . تهيم على وجوهها أنعاماً سائمةً أو وحوشاً ضاربةً وزين لتلك الأمة الأبنية الرابضة في بواديها المحرقة أن تعيش طوائف مشتتةً وفرقاً متنابذةً تشن الغارات وتئد البنات . وتزدلف إلى الله تعالى بعبادة اللات والعزى ومناة وانسابت الوثنية من جحرها فوق أديم الكرة انسياب الصل الأرقم تنفث سمها الزعاف في كل مكان ، فجحد الإله الحق وقدست النار والحجارة ، وأله الإنسان وعبد الشيطان !

ولكن أيترك الله خليفته في أرضه يخبط خبط العشواء في هذه الظلم المتراكمة والفتن المائجة وقد كتب على نفسه الرحمة ؟

لقد تأذن سبحانه وتعالى أن يكشف الغمة ويزيح المحنة ويصدع العماية ويتجلى بوجهه الكريم واسمه الرحمن الرحيم على عباده ليعرفوه كما وصف ذاته وأثنى على نفسه إلهاً واحداً لا شريك له ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) .

ها هي السماء مشرقة الأقطار ، متقولة الآفاق مفتحة الأبواب مائجة بوفود الملائكة غادية رائحة توقع على قيثارة الوجود أناشيد الخلود ! وها هي الأرض منتشية الأعطاف موشية الأطراف ترفل في حلل النور ، وتذخر بالبهجة والسرور ! وها هي النجوم تتدلى من أفلاكها فتسكب على الكون فيض لألائها ، وتلفه في شمله من ضيائها ! وها هي الشياطين تحاول استراق السمع فترد بها النجوم المنقضة وتحرقها الشهب الثاقبة ، وها هي الأنوار القدسية تنبعث من بطحاء مكة فتجلو الغياهب الداجية ، وتضيئ البقاع النائية ! وها هي الكائنات علوية وسفلية تقف خاشعة ساكنة مرهفة الآذان شاخصة الأبصار ترقب انبلاج الفجر ، فجر الليلة الثانية عشرة من ربيع الأنور ، فترفع أعلام البشائر وتدق طبول الأفراح !

أحان طلوع الشمس التي تزري بالشموس سناء وسنا ! أآن بزوغ القمر الذي يبهر الأقمار بهاء وحسناً !

أدنت ولادة المولود الذي يولد به العالم من جديد فيملؤه هدى ورشاداً بعد ما ملئ ضلالاً وفساداً !

أفسحوا الطريق ، فهذا سيد ولد آدم ولا فخر . أفسحوا الطريق فهذا مجد نوح وسؤدده ورجاء الخليل ودعوته وصفوة الذبيح وزبدته !

أفسحوا الطريق فهذا لباب هاشم وعبد مناف وسر قريش وجوهر كنانة وخيرة عدنان ! أفسحوا الطريق فهذا نور السارين وهدي الحائرين والرحمة المهداة للعالمين ! أفسحوا الطريق ، فهذا الذي بشر به الأنبياء وسجع به الكهان وتحدث عنه الأحبار والرهبان !

أفسحوا الطريق فهذا العاقب الخاتم الشفيع المشفع البشير النذير السراج المنير ذو القلب الرحيم والخلق العظيم ! أفسحوا الطريق فهذا محمد هادم الأوثان ومحطم الأصنام ومذل الشيطان وفاتح القلوب الغلف والآذان الصم والعيون العمي . والمؤذن بأفضل كلمة قالها النبيون : لا إله إلا الله .

تروا ما اختاره الله من جوف الصحراء ؟ أليرى الناس كيف ينبع الزلال من الصخر ويزدهر الروض في المهمه القفر ، ويطلع أطيب الثمرات من الأرض الموات ! تروا لم اصطفاه من بيئة الأصنام ؟ أليبين لهم كيف ينبثق النور من خلال الديجور ويفيض الإيمان من هياكل الأوثان . وتشرق مصابيح الهداية ، من مواطن الزيغ والغواية !

ولم يكن يتيماً ؟ أليستأثر بكفالته ويربيه على مائدته ويؤدبه فيحسن تأديبه ويتمم به مكارم الأخلاق ! ولم كان أمياً أليفتق جنانه بمعرفته ، ويطلق لسانه بحكمته ويعلمه من لدنه علماً خالصاً فلا يضل ولا يغوي ولا ينطق عن الهوى ! ولم كان عائلاً ؟ – وكنوز الأرض تحت قدميه – أليضرب به للبشرية أعظم المثل على أن الغنى هو القناعة والكرم هو التقوى . وأن التفاضل بين الرجال بالأعمال ، لا بالأموال !

سبحانك اللهم ! ما أجل قدرتك وأجل صنعتك وأبدع حكمتك !

أمن صحراء غير ذات زرع ولا ضرع ، تطلع هذا النبت الزاكي يبهر العالم بنضارته الموثقة ورياه العبقة ! أمن تلك الأمية ، في ظلمة الجاهلية ؟ تفجر ينابيع العلم والعرفان ، وتنشر ظلال الحكمة والبيان ! أمن هذا اليتم والعيلة في مهد الوثنية ترفع لمكارم الأخلاق عالي الدعائم وتبهج لمحاسن الآداب واضح المعالم !

آمنت بالله ! هذه هي الآيات البينات تذيق النفوس حلاوة الإيمان ؟ آمنت بالله ! هذا هو الحق الأبلج وماذا بعد الحق إلا الضلال ؟

ما شاء الله ! ما لهذا المولود بهي الطلعة طلق المحيا باسم الثغر لطيفاً نظيفاً ظريفاً : كأنما صيغ من الضياء ، وخلق كما يشاء !

ما له – وهو طفل – سمة الرجولة عليه لائحة وعبقة البطولة منه فائحة ، ومخايل النجابة فيه واضحة ، فهل هو مرشح لأمر عظيم ؟ ما له ميمون الغرة مبارك الناصية . لا يحل في مكان إلا غشيته الرحمة وحفته السعادة ، فيأمن الخائف ويشبع الجائع وتسمن العجاف ويدر اللبن ويخصب الجديب !

ما له سريع النشأة وشيك الشباب يرف في مهاده زهراً نضيراً ويلوح هلالاً مستنيراً . فيشب في اليوم كالشهر ، وفي الشهر كالسنة كأنما تدور به الأيام دورةً خاصةً ! لا بدع فإنه يصنع على عين الله ويعمل في طراز الله وينشأ في رعاية الله !

وبلغ الطفل أشده واستوى ، فإذا هو بين قوم يجترحون الآثام ويعكفون على الشهوات ويحللون الربا ويأكلون أموال اليتامى ظلماً ، ويتقربون بعبادة الأوثان إلى الله زلفى ويحكمون السيف فيما يشجر بينهم من خلاف .

ما لك أيها الفتى لا تتمسح بالأصنام ولا تستقسم بالأزلام ، ولا تطوف بالبيت عريان لا ترفث ولا تفسق ، ولا تسمر ولا تقصف ، وأنت في طراءة السن وغضارة الشباب . ما لك وأنت لم تخالط الحكماء ولم تجلس إلى المؤدبين ، تقول الصدق وتؤدي الأمانة وترعى العهد وتصل الرحم وتكسب المعدم وتقوم في حاجة العبد والأمة ، وتعين على نوائب الزمان .

هل أنت من طينة غير طينتنا ومعدن غير معدننا ؟ أجل إنه من طينة الطهر . ومعدن النقاء ، فلا شأن لكم به أيها السفهاء .

ارع أيها الفتى الغنم . فسترعى بعدها الشعوب والأمم ، واتخذ التجارة مهنة ، فإنها تشحذ عزيمتك ، وتزيد خبرتك . وتذيع فضلك . وتدربك على ممارسة الأعمال ، وتدر عليك الرزق الحلال .

وسلوا خديجة ما شأنها ؟ ما لها تخطب محمداً بنفسها لنفسها ! ولقد رامها صناديد قريش فقدعت أنوفهم . وحثت في وجوههم التراب . أراعها صدقه وأمانته ؟ أراقها يمنه وبركته ؟ أحدثها غلامها بما رأى من آيات وإرهاصات ؟ أتم لها الضياء على الشمس ! وشف لها العنوان عن سر الطرس . فعرفت أن هذا الأجير ، هو خاتم النبيين وسيد المرسلين .

هنيئاً لبنت خويلد ؟ لقد شاء لها الله أن تكون زوج الرسول وأولى المؤمنات وأم المؤمنين .

وهذا محمد يضيق ذرعاً بآثام الناس وشرورهم ، وتعزف نفسه السامية عن ملابستهم في أحوالهم وأوحالهم . فلا يجد متنفساً إلا غار حراء يتعبد فيه على ملة أبيه إبراهيم متعرضاً للنفحات الربانية مستشرفاً للتجليات الإلهية . خلوة مطمئنة تلقى عليه أشعتها فتؤنس نفسه وتوقظ روحه . ووحدة صافية تمد عليه رواقها فتصفي جوهره وتنقيه ، وسكون شامل يرهف إحساسه ومشاعره ويعده لخطاب ذي العزة والجلال .

أشرق رمضان بغرتك الغراء فسينزل فيك القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ، وابلغي غاية كمالك أيتها الأربعون سنة فسيدور بعدك الزمن دورةً مباركةً سعيدةً ويخط التاريخ صفحةً زاهيةً مجيدةً .

حمداً لله وشكراً : هذا هو روح القدس يصفق بأجنحته المفوفة اللامعة في القضاء فيحجب عين الشمس ، وها هو يهوى كالعقاب الكاسرة إلى الغار الخالد ، وها هو – يضم النبي – ويقرئ الأمي : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ . اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ . الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) .

لقد انبلج الفجر الصادق ، لقد أسفر الصبح المبين ، لقد انبجس ينبوع الهداية فطوبى للعالمين .

أيتها السماء ! تلألئي نوراً وازدهي سروراً ، فقد أمنت أن تعرج إليك المردة والشياطين وملئت حرساً شديداً وشهباً وهذا جبريل الأمين يتنزل بوحيك على الصادق الأمين .

أيتها الأرض ! ارفعي معالم الزينة وانظمي مواكب الأعراس فقد أكرمك الله برسالة العاقب الخاتم على حين فترة من الرسل ليمحق عبادة الطاغوت ويحيى الحق ويزهق الباطل وينشر ألوية العدل والسلام ويطهرك من الأرجاس والآثام .

أيتها الأوثان ! دالت دولتك وذهب عزك فنادي بالويل والثبور بل اسقطي على أم رأسك معفرة بالتراب فلن تعبدي بعد اليوم من دون الله .

أيتها الإنسانية المعذبة ! ابرئي من أدوائك وانهضي من عثارك وانفضي عن كاهلك غبار الذلة والمهانة . وسيري على بركة الله إلى ذروة عزك وغاية كمالك فقد أتاك الرسول الذي يوضح لك المعالم ويشيد لك الدعائم . ويكفل لك سعادة المعاش والمعاد .

أيتها العقول المحجور عليها ظلماً وعدواناً ! انطلقي من غيابة سجنك ، وانظري في ملكوت السموات والأرض فلم يخلقك الله عبثاً . ورفهي العالم بثمارك الجنية ، وروحيه بنسماتك الذكية ، فقد أتاك الدين الذي يعتمد عليك ويستنصر بك . الدين الحق الذي يؤاخي العقل الرجيح ، ويصادق العلم الصحيح .

أيها الأباطرة المتجبرون المعتسفون ! شيموا سيوفكم عن رقاب الرعية ، وارفعوا سياطكم عن ظهورها ، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً . الأمر شورى ، والملك لله وحده ، وله العزة جميعاً .

أيها الأرقاء المستضعفون ! لطالما عضت على أعناقكم الأغلال ، وأدمت أرجلكم القيود ، صدعوا أغلالكم ، حطموا قيودكم ، تنسموا أريج الحرية : فإنها حق طبيعي للإنسان – أنتم وسادتكم عبيد الله ” .

أيها الفقراء ! ارفعوا رءوسكم واشمخوا بأنوفكم ولا تستشعروا المهانة والصغار ، الأغنياء وكلاء الله وأنتم عيال الله والمال مال الله ، فلكم فيه حق معلوم ونصيب مقسوم .

أيتها المرأة العانية الأسيرة التي تباع وتشترى وتوهب وتورث ، أنت أميرة المنزل وأم الولد ووزيرة الرجل ، لك مثل الذي عليه بالمعروف ، الزوج عبد الله وأنت أمة الله .

أيها الغالون في دينهم ! لقد جاءتكم الحنيفية السمحة ليلها كنهارها فاتقوا الله ما استطعتم . إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا وأبشروا ، هلك المتنطعون ، هلك المتنطعون ، هلك المتنطعون .

أيها المسرفون على أنفسهم ! توبوا إلى الله ، فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له ، لا تقنطوا من رحمة الله ، إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم .

أيها العرب الأميون ! هنيئاً لكم النبي الأمي يتلو عليكم آيات الله ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة فجانبوا الفرقة واعتصموا بالوحدة واطرحوا نخوة الجاهلية والتعظم بالآباء ، وأعدوا أنفسكم للنهوض بالأمانة التي حملتموها ، فأنتم خلفاء الله في أرضه وظله في عباده ، ستربون الممالك وتسوسون الدول وتخرجون الأمم من الظلمات إلى النور حتى يقول التاريخ : إنه لم ير فاتحاً أرحم من العرب ولا حاكماً أعدل من العرب .

أي شهر ربيع : أنت ربيع الإنسانية النضر ، وموسمها الأغر ، فتجل على هذا العالم بطالعك الأسعد ، حتى تبدل ظلامه ضياء ، وشقوته هناء ، وشدته رخاء ، فقد تفاقم الخطب ، واشتد الكرب .

وظهر الفساد في البر والبحر ، واستيئس المصلحون ، وحار الصالحون .

أي مولد الرسول الأمين أنت مهرجان المسلمين الأسنى ، وعيدهم الأسمى فأشرق عليهم بالنعم المترادفة ، والسعادة الوارفة ، ومد لهم في أسباب العزة وأسبغ عليهم ظلال المودة وأنفخ فيهم روحاً يوقظ همتهم ، ويبعث نخوتهم ، ويوحد وجهتهم ، ويحفزهم إلى الأعمال الصالحة ، حتى يعيدوا مجدهم الغابر وسيرتهم الأولى ويحملوا للعالم مشاعل الهداية كما حملها أسلافهم من قبل .

اللهم استجب . . اللهم آمين .

¨ أخي القارئ : أعجبتني هذه المقالة ، فأفسحت لها المكان ، مجلة البريد الإسلامي ، فبراير ومارس 1947م السنة الخامسة .

* عضو اتحاد كتاب مصر .