رحلة إلى الأردن بين المقدسات والمعالم ( الحلقة السادسة )
يناير 4, 2026الضعف الإملائي : أسبابه ومعالجته
مايو 24, 2026دراسات وأبحاث :
الدماغ الخفي داخل القلب
اكتشاف علمي مذهل عن سر من أسرار القرآن
الأستاذ أنيس الرحمن الندوي *
كنا نسمع دائماً حتى الآن أن جميع أفعال الإنسان تنبع من الدماغ ، حيث تُظهر الحقائق العلمية أن الدماغ هو مركز التفكير والسلوك . لطالما زعم العلماء أن القلب لا يلعب أي دور في اتخاذ القرار ، وأن جميع الأفعال هي نتيجة لنشاط الدماغ وحده . كما أيد الأطباء هذا الرأي بقولهم : إن نظام التحكم في الجسد يوجد في الدماغ ، وليس في القلب .
وقد اعتبرت العلوم الحديثة ، تماشياً مع هذا الرأي ، أن القلب مجرد مضخة للدم . وقد قيل : إنه حتى إذا تم إزالة قلب الإنسان ، فإن قلباً صناعياً يمكنه أن يحافظ على عمل الجسد . أما الدماغ ، فلا يمكن إزالته أو استبداله . ولهذا السبب ، لم يتم حتى الآن استبدال دماغ إنسان ، ولم يتلقَّ أي شخص دماغاً صناعياً . وعلى العكس من ذلك ، فقد تم إجراء عمليات زرع قلب ناجحة ، وأصبحت هذه الممارسة منتشرةً الآن .
ومع ذلك ، فإن القرآن الكريم والحديث الشريف يصفان القلب البشري بأنه مركز أفعال الإنسان . حيث تؤكد آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم مراراً وتكراراً أن جميع أفعال الإنسان تخضع لسيطرة القلب . وبالمثل ، يُصوَّر القلب كمركز للخير والشر . لذلك ، فإن إصلاح جميع أفعال الإنسان يعتمد على إصلاح القلب ، وفساد الأفعال مرتبط بفساد القلب . وفيما يلي بعض الآيات القرآنية ذات الصلة :
( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا ) [ الحج : 46 ] .
( لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا ) [ الأعراف : 179 ] .
( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) [ محمد : ٢4 ] .
في هذه الآيات ، تم تعيين القلب كمركز للعقل والفهم ، والتفكر والتأمل . وبالمثل ، في بعض الآيات الأخرى ، يتم وصف فشل الكافرين في فهم آيات الله وعجزهم عن تلقي الهداية كنتيجة للأقفال الموضوعة على قلوبهم .
( كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ) [ يونس : 74 ] .
وبالمثل ، في حديث شريف ، بيَّن النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن القلب هو مصدر صلاح وفساد جميع أفعال الإنسان . والحديث كما يأتي :
” ألا وإن في الجسد مضغة ، إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب ” . ( صحيح البخارى ، حديث : ٥٢ ؛ صحيح المسلم ، حديث : ١٠٧ ) .
وخلاصة القول ، فإن الإسلام لا يعتبر القلب مجرد عضو جسدي يؤدي وظيفةً ماديةً ، بل يراه مركزاً للفهم والإدراك والإيمان . ويُعرض بوضوح على أنه المسؤول عن أفعال الإنسان ، وتفكره ، وتأمله . وحتى وقت قريب ، كانت هذه النصوص الإسلامية تُعدّ في نظر كثيرين من الأوساط العلمية متعارضةً مع الفهم العلمي الحديث . وكان المثقفون ، وخاصة المستشرقين ، كثيراً ما يستشهدون بمثل هذه النصوص باعتبارها نماذج لما كانوا يرونه ” أخطاءً علميةً ” في القرآن والحديث . غير أن اكتشافاً علمياً حديثاً قد أدهش الجميع ، حيث جاء مؤكداً ومصدقاً للحقائق التي وردت في هذه التعاليم الإسلامية . لقد كشفت هذه الأبحاث أن ” التفكير بالقلب ” ليس مجرد تعبير مجازي ، بل يحمل معنىً عميقاً – معنىً بدأت العلوم الحديثة اليوم في الاعتراف به . وقد نُشرت هذه الدراسة الرائدة في المجلة العلمية المرموقة Nature Communications . وفيما يلي تفاصيل هذا البحث .
باستخدام أحدث الأساليب العلمية ، كشف الخبراء عن وجود ” دماغ خفي ” داخل القلب . فقد اكتشف فريق من الباحثين من جامعة كولومبيا ومعهد كارولينسكا شبكة معقدة من الخلايا العصبية ( الألياف العصبية ) داخل القلب ، تعمل بطريقة مشابهة لعمل الدماغ . وقد أوضح العلماء أن القلب يحتوي على نظام عصبي متطور يعمل بطريقة تشبه إلى حد كبير الدماغ . واستناداً إلى هذا ، بدأ العلماء اليوم يقولون : إن القلب لا يقتصر دوره على ضخ الدم فحسب ، بل يلعب أيضاً دوراً مهماً في التحكم بوظائف الجسم وإصدار الأوامر كالدماغ .
ووفقاً لهذا البحث ، يحتوي القلب على حوالي 40,000 خلية عصبية ، يُطلق عليها اسم ” دماغ القلب ” أو ” الجهاز العصبي الذاتي للقلب ” . وهنا يبرز سؤال : ما هي وظيفة هذه الخلايا العصبية ؟ فالإجابة هي أن هذه الخلايا قادرة على استشعار المعلومات ، ومعالجتها ، والتواصل مع الدماغ من خلال علاقة ثنائية الاتجاه . وقد كشفت الدراسة أيضاً أن عدد الإشارات التي يرسلها القلب إلى الدماغ يفوق عدد الإشارات التي يرسلها الدماغ إلى القلب . وتؤثر هذه الخلايا العصبية القلبية على المشاعر ، واتخاذ القرار ، والسكينة الذهنية .
يؤكد الخبراء الآن بثقة أن التحكم في جسم الإنسان ليس من اختصاص الدماغ فقط ، بل يلعب القلب دوراً مساوياً في هذه العملية . ومن خلال هذه الرؤية الجديدة ، يرفعنا القلب إلى مستوى يتجاوز الجانب الحيواني والمادي البحت .
يمكننا بسهولة ملاحظة الصراع المستمر بين القلب والدماغ في اتخاذ قراراتنا اليومية . فالقلب مرتبط ارتباطاً عميقاً بالأخلاق والثقافة ، وبدقة الفن والحكمة ، بينما يعمل الدماغ بطريقة موضوعية ومنطقية بحتة . يعمل الدماغ على أساس عقلاني صارم ، داعياً إلى المساواة من خلال مبدأ ” العين بالعين ” ، في حين يقترح القلب نهجاً بديلاً ، يميل نحو التسامح بدلاً من الانتقام .
يقول الدماغ : إذا لم يساعدك أحد ، فلا داعي لأن تساعده . ومن الناحية المنطقية ، فإن الدماغ محق في هذا القول . ومع ذلك ، يعرض القلب وجهة نظر مختلفة ، ناصحاً بأنه حتى لو لم يُحسن إليك أحد ، فكن أنت المُحسن إليه . الدماغ مرتبط بالمادية وحدها ، في حين أن القلب يسمو بنا فوق المستوى الحيواني ، ويوجهنا نحو التمسك بالقيم الأخلاقية ، وتقوية الروابط الاجتماعية ، والتصرف بطرق تجعل الحياة أسهل للآخرين ، ما يكسبنا احترامهم وتقديرهم .
يهدف هذا الاكتشاف العلمي الحديث إلى الكشف عن أصول اتخاذ القرار لدى الإنسان . يصرح العلم الآن بأن القلب ليس مجرد عضو لضخ الدم ، بل يلعب أيضاً دوراً في الذكاء العاطفي . وبينما كان القرآن الكريم قد أخبرنا قبل قرون أن ” القلب هو وسيلة الفهم والإدراك ” ، بدأت العلوم الحديثة اليوم تعبر عن هذه الحقيقة بلغتها الخاصة .
لقد كشفت الأبحاث العلمية الآن عن وجود شبكة عصبية داخل قلب الإنسان ، تتكون من حوالي 40,000 خلية عصبية ( خلية عصبية ) . ويُطلق بعض الخبراء على هذه الشبكة اسم ” دماغ القلب ” . وتُعرف هذه الشبكة العصبية باسم ” الجهاز العصبي الذاتي للقلب ” Intrinsic Cardiac Nervous System ، وهي في تواصل مستمر مع الدماغ . ولا يقتصر دور هذا النظام على تنظيم الوظائف الجسدية فقط ، بل يؤثر أيضاً على المشاعر والذكريات وردود الأفعال .
وخلاصة القول ، فإن القرآن الكريم قد كشف عن هذه الحقيقة قبل أكثر من 1400 عام ، مؤكداً أن القلب ليس مجرد مضخة ، بل هو مركز للفهم والإدراك والوعي . فعندما نقوم بأعمال الخير ، أو نتحدث بالحق ، أو ندعو دعاءً نابعاً من أعماق القلب ، فإن القلب ينبض ، ليس فقط على المستوى الجسدي ، بل على المستوى الروحي أيضاً . فقلبك لا ينبض فقط ، بل ” يعلم ويدرك ” أيضاً . إن العلم اليوم يكتشف الأسرار التي أعلنها القرآن الكريم منذ قرون ، مما يثبت أن هذه واحدة من المعجزات العلمية للقرآن الكريم . ويُعدّ هذا دليلاً قوياً على أن القرآن الكريم هو وحي إلهي ، نزل من عند خالق الكون ، لهداية البشرية .
* الأمين العام ، الأكاديمية الفرقانية الوقفية ، بنجلور ( الهند ) ، ورئيس تحرير ، مجلة تعمير فكر .

