النماذج الوقفية للأغراض العلمية وأثرها في النهضة العلمية
يناير 4, 2026الاحترام المتبادل أساس الحياة الاجتماعية
مايو 24, 2026الدعوة الإسلامية :
حقوق الحيوان المعنوية في السنة النبوية
بقلم : الدكتور أحمد مصطفى محمد منصور *
حقوق عامة : أولاً : عموم الرحمة :
إن أول ما نطالعه في السنة النبوية من حقوق معنوية للحيوان هي تلك الصفة العظيمة التي تمثلت في شخص المصطفى – صلى الله عليه وسلم – والتي وصفه بها ربه سبحانه وتعالى حيث قال : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) [ الأنبياء : 107 ] .
فهذا لقب يبين خاصة نسبة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخلق .
إن معنى الرحمة يشمل العطف واللين والرأفة والمواساة ومشاركة الحزن والتعهد والمودة .
والعالم مشتق من العلمية أي كل شيئ يصلح للبروز والنمو والظهور والاستمرار في الوجود فهو جدير بأن يسمى بهذا الاسم ، ويستعمل هذا اللفظ كثيراً في التمييز بين الأنواع والأصناف والأجناس فيقال :
عالم الجماد وعالم النبات وعالم الحيوان والعالم العلوي والعالم السفلي …. والحاصل أن استعمال لفظ ( العالم ) يعم المخلوق المادي والذهني ، والعالمين جمع العالم وهي تحيط بجميع العوالم [1] ، وعلى هذا فالحيوان داخل في هذه الرحمة العامة التي اتصف بها محمد صلى الله عليه وسلم .
ثانياً : عموم الرفق والإحسان :
أخرج البخاري في صحيحه ” دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : السام عليكم ، قالت عائشة : ففهمتها فقلت : عليكم السام واللعنة ، قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مهلاً يا عائشة ! إن الله يحب الرفق في الأمر كله ؟ فقلت : يا رسول الله ! أو لم تسمع ما قالوا ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قلت وعليكم ” [2] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حقها من الأرض ، وإذا سافرتم في السنة فأسرعوا عليها السير وإذا عرستم بالليل فاجتنبوا الطريق فإنها مأوى الهوام بالليل ” [3] .
وجاء في صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وسلم : ” ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة ” [4] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش ، فقال الرجل : لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني فنزل البئر فملأ خفه ماءاً ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له ” قالوا : يا رسول الله وإن لنا في هذه البهائم لأجراً ؟ فقال : ” في كل كبد رطبة أجر ” [5] .
وجاء في صحيح مسلم ” إن الله كتب الإحسان على كل شيئ ، فإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته فليرح ذبيحته ” [6] . هذه الأحاديث وغيرها كثير تبين لنا احترام الهدي النبوي للذات والروح ومساواة الحيوان للإنسان في عموم الرفق والإحسان ، وهو ما يشكل لوحة للاعتبارات المعنوية التي رسمتها السنة في شأن الحيوان .
حقوق خاصة : أولاً : المباشرة الفعلية :
عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال : سافرت معه ويعني النبي صلى الله عليه وسلم – في بعض أسفاره أو عمرة ( شك الراوي ) – فلما أقبلنا قال النبي صلى الله عليه وسلم : من أحب أن يتعجل إلى أهله فليعجل ، قال جابر فأقبلنا وأنا على جمل لي أرمك [7] ليس فيه شية [8] والناس خلفي ، فبينا أنا كذلك إذ قام علي [9] فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم : يا جابر ! استمسك ، فضربه بسوطه ضربة ، فوثب البعير مكانه فقال : أتبيع الجمل ؟ قلت : نعم ، فلما قدمنا المدينة ودخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد في طوائف أصحابه ، فدخلت إليه وعلقت الجمل في ناحية البلاط ، فقلت له : هذا جملك ، فخرج ، فجعل يطيف بالجمل ويقول : الجمل جملنا ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم أواقي من ذهب فقال : أعطوها جابراً ثم قال : استوفيت الثمن ؟ قلت : نعم قال : الثمن والجمل لك [10] .
ثانياً : المباشرة القولية :
إن التخاطب بالقول الذي هو سمة مميزة للبشر، هاهو يرد إلينا في السيرة العطرة أن الحيوان هو الآخر قد أخذ بنصيبه منه ، ونورده هنا ليكون شاهداً على عناية الإسلام بالحيوان على الصعيد المعنوي ، فقد روي عن عبد الله بن جعفر قال : ” أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خلفه ، فأسر إلي حديثاً لا أخبر به أحداً أبداً وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب ما استتر به في حاجته هدف وحائش نخل ، فدخل يوماً حائطاً من حيطان الأنصار فإذا جمل قد أتاه فجرجر وذرفت عيناه قال ( بهز وعفان ) : فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حن وذرفت عيناه فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم سراته وزفراته ، فسكن فقال : من صاحب الجمل ؟ فجاء فتى من الأنصار فقال : هو لي يا رسول الله فقال : أما تتقي الله في هذه البهيمة التي ملككها الله ، أنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه ” [11] .
ثالثاً : مباشرة في حكم التقريرية :
استكمالاً لجوانب السنة النبوية المطهرة فقد رأيت الإتيان ببعض ما ورد من آثار تبين عظيم نعمة الله سبحانه وتعالى على عباده الصالحين بحسبان أن الاعتبارات المعنوية للحيوان تهدف في جملتها إلى التفاعل الإيجابي معه ، وكل تفاعل يأتي منضبطاً بضوابط الكتاب والسنة فلا حرج في اعتباره وإقامة وزن له ، ومن ذلك ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” بينما رجل يسوق بقرةً له قد حمل عليها التفتت إليه البقرة ، فقالت : إني لم أخلق لهذا ، ولكني إنما خلقت للحرث ، فقال الناس : سبحان الله تعجباً وفزعاً أبقرة تتكلم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإني أومن به وأبو بكر وعمر ، قال أبو هريرة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بينا راع في غنمه عدا عليه الذئب ، فأخذ منها شاة فطلبه الراعي حتى استنفذها منه فالتفت إليه الذئب فقال له : من لها يوم السبع يوم ليس لها راع غيري ، فقال الناس : سبحان الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإني أومن بذلك وأبو بكر وعمر ” [12] .
* أستاذ مشارك تفسير وعلوم القرآن ، دولة عمان .
[1] رحمة للعالمين ، مصدر سابق ، ص 111 ، 1121 .
[2] صحيح البخاري كتاب الاستئذان ، بابا كيف يرد على أهل الذمة السلام حديث رقم (5553) .
[3] صحيح مسلم كتاب الأمارة ، باب مراعاة مصلحة الدواب في السير ، حديث رقم (1926) .
[4] صحيح مسلم كتاب المساقاة والمزارعة ، باب فضل الغرس والزرع ، حديث رقم (1553) .
[5] صحيح مسلم كتاب السلام ، باب فضل سقي البهائم المحترمة وإطعامها ، حديث رقم (2244) .
[6] صحيح مسلم كتاب الصبر والذبائح ، باب الأمر بإحسان الذبحي وتحديد الشفرة ، حديث رقم (1955) .
[7] الأرمك : الذي يخالط حمرته سواد .
[8] شية : علامة .
[9] قام علي : وقف جملي من الإعياء والكلال .
[10] صحيح البخاري كتاب الجهاد والسير ، باب من ضرب دابة غيره في الغزو ، حديث رقم (2563) .
[11] مسند الإمام أحمد ، ج 1 ، ص 204 ، حديث رقم (1745) ، قال عنه شعيب الأرنؤوط إسناده صحيح على شرط مسلم .
[12] صحيح البخاري كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم ، باب فضال أبوبكر الصديق رضي الله عنه ، حديث رقم (2388) .

