رسل الله في خاتم كتبه السماوية ( الحلقة السادسة الأخيرة )

نداء الأقصى وغزة : الفتوى التي دوّت في وجه الصمت
يناير 4, 2026
من هم أهل السنة والجماعة
مايو 24, 2026
نداء الأقصى وغزة : الفتوى التي دوّت في وجه الصمت
يناير 4, 2026
من هم أهل السنة والجماعة
مايو 24, 2026

التوجيه الإسلامي :

رسل الله في خاتم كتبه السماوية

( الحلقة السادسة الأخيرة )

بقلم : الدكتور غريب جمعة *

ولقد أفهم الله خاتم رسله محمداً صلوات الله وسلامه عليه فيما أوصاه إليه أن لا ظلم أهول بلايا ولا أفدح ضحايا ، ولا أسحق لحقائق الإيمان اليقينية ، وسامى مودتها وصلاتها الكريمة ، ولا أمحق للعلم والفكر والحق والضمير من أمور ثلاثة :

(1) ظلم افتراء الكذب على الله عز وجل ، ودسه في وحي الله   تعالى ، فإفساده لا يعدله ظلم . وناهيك بانقياد الأنفس لهذا الظلم ، إذ لقنوه في غفلات الطفولة أنه وحي الله ، ثم يعين إجباراً في التربية والتثقيف .

هناك بلية البلايا المزمنة ، وأهوالها المروية ، ومن عرف مهالك تاريخ البشر قديماً وحديثاً وعرف هذه الحقيقة ، وعلم يقيناً أن كلمة واحدة مفتراة تدس في كتاب حق تحوله إلى باطل ، وفي كتاب إنسانية تحوله إلى عنصرية ، وفي كتاب توحيد تحوله إلى إشراك ووثنية ، وفي كتاب دعوة تعارف ومودة رحم إنساني تحوله إلى دعوة تقاطع وبغضاء ، وإذا كان مطلق كذب يعد جريمة يعاقب القضاء مفتريها ، فما بالك بمن يفتري الكذب على الله عز وجل .( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ) .

ألا أين أنتن يا وزارات المعارف ! ولماذا لا تفصلن ما دسه الدساسون عن واقع ووحي الله اليقيني ؟!!

والوحي اليقيني يدل بنفسه على نفسه هو رحم وتوحيد وتضحية وصبر وصلح وسمو وخلق وكرم وبسالة وقوة ورضا وقناعة وعطاء وإيثار وتسامح وعمل وجد ونشاط واستقامة وصلاة وصيام وتقوى وعلم وحق وصدق وإنسانية وعدل وغفران وتفاهم ووداد وتعارف . فيما كان من هذا القبيل فهو ما تجده في نصوص الوحي اليقيني حتماً وما لم يكن كذلك فالله لا يوحيه ، وهو من قبيل الظنون والأوهام ودس العنصريات والوثنيات والشرك ، لأن الله لا يريد ظلماً للعباد . ( وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) [ النحل : 118 ] .

(2) ظلم الذين يزعمون أن الله أوحى إليهم ، والله لم يوح إليهم بشيئ ، وإنما هم يخترعون المفتريات اختراعاً . وشتان بين كلام رب العالمين المعجز المتحدي وكلامهم الساقط الواهن .

أجل شتان بين كلام الشخص العادي ذي الأنانيات والأثرات والأحقاد والعنصريات والضعف الإنساني الواهن . وبين كلام رب العالمين وراحم الخلق أجمعين ، الشامل لمثل الإصلاح العليا ومنافعه السرمدية ، ذي القوة المتين .

ولا ريب أن الرسالة الإلهية تحتاج إلى إعداد إلهي ممتاز ، وتكوين نفسي خاص ، ومواهب خلقية عالية فذة ، وتبرئة من العيوب التي تحط من قدر الإنسان .في خواطر عارفيه ، ولو كان ذا قدر كبير في مجتمعه ، وهذا ما عناه حسان بن ثابت رضي الله عنه في قوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم مادحاً :

خلقت مبرءً من كل عيب  كأنك قد خلقتَ كما تشاء

فاقتحامها بالإفك والقول على رب العالمين ، والإضلال واللعب على الحبال ، لا يخفى على الدارسين المتعمقين مهما كانت التعميمات والبهلوانيات وإخفاء الحقائق .

ولعل أهول كوارث الإنسانية التي تقوض وحدتها ، وتفرقها أيدي سبأ ، وتجعلها فرقاً متحاقدةً متآمرةً ، ما أتاها ممن ينصب نفسه رسولاً يوحى إليه من الله ، وهو الذي يلفق الكلام .

إنه عذاب ، إنه طامة ، إنه موت …. .

لأن الدنيا ملأى بالإمعات أتباع كل ناعق وبالانتهاز بين المجرمين الذين يدسون أنفسهم في كل دعوة جديدة ، بغية الإفادة والكسب ، ولا ريب أن كل متنبئ هو المراد بقوله : ( أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ )      [ الأنعام : 93 ] .

ظلم خبيث الطوية الحقود ، الذي تنفخه روائح الكبرياء المنتنة ، وغرورها الشيطاني الجاحد . فيتحدى معجزة وحي الله بالهراء ولغو القول ويزعم أنه قادر على صنع مثلها ، والحق أنه لا يتحدى إلا خسران نفسه ، ولا تشغل بالك في نهاية هؤلاء الأصناف الثلاثة إنها نار ، إنها عذاب ، إنها هوان ، وكل ذلك وفاق أعمالهم .

هؤلاء ملائكة العذاب تنزع أرواحهم من أجسادهم الفاسدة نزع الجبال من الأسلاك الشائكة ، جزاء افتراء الكذب على الله ، والإعراض المستكبر عن فهم ما أوحاه الله في القرآن المجيد ، لكي لا تنكشف حقائقه اليقينية لهم ، وإن كان كبيراً في الإثم أن يظلوا معرضين عنه اعتباطاً أو عناداً أو مصانعة للغير .

هذا بعض ما يمكن أن نفهمه من قوله تعالى : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ) [ الأنعام : 93 ] .

والله جل وعز محال أن يؤيد الرسول الكاذب الذي يتقول عليه الأقاويل وينصره بالأتباع البررة الطاهرين الصابرين المضحين ، بل يقضي عليه وعلى أتباعه أنىَّ حلوا ، وفي أي مكان نزلوا .

وهلا يقدر المتقول على الله أن يحجز نفسه من انتقام الله ، أو أحد يحجزه عنه ، لا لا أحد .

( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ . لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ . فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ) [ الحاقة : 44 – 47 ] .

وما أحسن ما روي عن السيد المسيح عيسى : ” كل ثمرة لا تثمر ثمراً جيداً تقطع وتلقى في النار ” .

ولا نظن الدنيا بأسرها تشتمل على كتاب وحي يتحدى الله به الإنس والجن والآلهة المعبودة من دونه سوى خاتم الكتب السماوية : القرآن المجيد .

وهذه ثماره الجيدة معروضة على المجامع العلمية والمختبرات لدرسها وفحصها ، معروضة بتحد وإعجاز ، باسم الله الخلاق رب العالمين على مدى الأزمان والأجيال .

ولا تعجب أيها القارئ : إذا كان الحديث عن القرآن ضمن الحديث عمن نزل عليه القرآن … فإن عظمته صلى الله عليه وسلم … إنما هي من عظمة القرآن .

أسوة كاملة وقدوة عامة :

ويسعدنا أن نثبت هنا ما قاله مؤلف كتاب : ” الرسالة المحمدية ” العلامة الشهير السيد سليمان الندوي موضحاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم أسوة وقدوة للبشر كافة على اختلاف درجاتهم واختلاف أزمنتهم وأمكنتهم . يقول رحمه الله : ” لقد مثلت حياة النبي صلى الله عليه وسلم أعمالاً كثيرةً متنوعةً بحيث تكون فيها الأسوة الصالحة والمنهج الأعلى للحياة الإنسانية في جميع أطوارها ، لأنها جمعت بين الأخلاق العالية والعادات الحسنة والعواطف النبيلة المعتدلة ، والنوازع العظيمة القويمة ” .

إذا كنت غنياً مثرياً ، فاقتد بالرسول صلى الله عليه وسلم عندما كان تاجراً يسير بسلعة بين الحجاز والشام ، وحين ملك خزائن البحرين ، وإن كنت فقيراً معدماً فلتكن لك أسوة به وهو محصور في شعب أبي طالب ، وحين قدم إلى المدينة مهاجراً إليها من وطنه ، وهو لا يحمل من حطام الدنيا شيئاً ، وإن كنت ملكاً فاقتد بسننه وأعماله حين ملك أمر العرب ، وغلب على آفاقهم ، ودان لطاعته عظماؤهم وذوو أحلامهم ، وإن كنت رعية ضعيفاً ، فلك في رسول الله أسوة حسنة أيام كان محكوماً بمكة في نظام المشركين ، وإن كنت فاتحاً غالباً ، فلك من حياته نصيب أيام ظفره بعدوه في بدر وحنين ومكة ، وإن كنت منهزماً – لا قدر الله ذلك – فاعتبر به في يوم أحد وهو بين أصحابه القتلى ورفقائه المثخنين بالجراح ، وإن كنت معلماً فانظر إليه وهو يعلم أصحابه في صحن المسجد .

وإن كنت تلميذاً متعلماً ، فتصور مقعده بين يدي الروح الأمين جاثياً مسترشداً ، وإن كنت واعظاً ناصحاً ومرشداً أميناً فاستمع إليه وهو يعظ الناس على أعواد منبر المسجد النبوي ، وإن أردت أن تقيم الحق وتصدع بالمعروف ، وأنت لا ناصر لك ولا معين فانظر إليه وهو ضعيف بمكة ، لا ناصر ينصره ولا معين يعينه ، ومع ذلك فهو يدعو إلى الحق ويعلن به ، وإن هزمت عدوك وخضدت شوكته ، وقهرت عناده ، فظهر الحق على يديك وزهق الباطل ، واستتب لك الأمر ، فانظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم دخل مكة وفتحها ، وإن أردت أن تصلح أمورك ، وتقوم على ضياعك فانظر إليه صلى الله عليه وسلم وقد ملك ضياع بني النضير وخيبر وفدك ، كيف دبر أمرها وأصلح شأنها وفوضها إلى من أحسن القيام عليها ، وإن كنت يتيماً ، فانظر إلى فلذة كبد آمنة وزوجها عبد الله ، وقد توفيا وابنهما صغير رضيع ، وإن كنت صغير السن فانظر إلى ذلك الوليد العظيم حين أرضعته مرضعته الحنون حليمة السعدية .

وإن كنت شاباً فاقرأ سيرة راعي مكة ، وإن كنت تاجراً مسافراً بالبضائع ، فلاحظ شئون سيد القافلة التي قصدت ” بصرى ” . وإن كنت قاضياً أو حكماً فانظر إلى الحكم الذي قصد الكعبة قبل بزوغ الشمس ليضع الحجر الأسود في محله ، وقد كاد رؤساء مكة أن يقتتلوا ، ثم ارجع البصر إليه مرة أخرى وهو في فناء مسجد المدينة يقضي بين الناس بالعدل يستوي عنده فهم الفقير المعدم ، والغني المثري ، وإن كنت زوجاً فاقرأ السيرة الطاهرة والحياة النزيهة لزوج خديجة وعائشة           ( رضي الله عنهما ) .

وإن كنت أباً أولاد فتعلم ما كان عليه والد فاطمة الزهراء ، وجد الحسن والحسين ، وأياً ما كنت وفي أي شأن كان شأنك فإنك مهما أصبحت أو أمسيت ، وعلى أية حال بت أو أضحيت ، فلك في حياة محمد صلى الله عليه وسلم هداية حسنة ، وقدوة صالحة تضيئ لك بنورها دياجير الحياة وينجلي لك بضوئها ظلام العيش ، فتصلح ما اضطرب من أمورك .

وتثقف بهديه أودك ، وتقوم بسننه عوجك ، وأن السيرة الطيبة الجامعة لشتى الأمور هي ملاك الأخلاق ، وجماع التعاليم لشعوب الأرض وللناس كافة في أطوار الحياة كلها ، وأحوال الناس على اختلافها وتنوعها فالسيرة المحمدية نور للمستنير ، وهديها نبراس للمستهدي وإرشادها ملجأ لكل مسترشد [1] ، أ هـ .

ونختم هذه النبذة عن خاتم المرسل وسيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم بما قاله مؤلف كتاب ” محمد صلى الله عليه وسلم المثل الكامل ” الأستاذ الكبير محمد أحمد جاد المولى – رحمه الله – حيث يقول تحت عنوان : ” إلى محمد صلى الله عليه وسلم ترد الفضائل جميعها ” .

اختص الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالمحامد الكثيرة والمآثر الأثيرة ، وأظهر على يديه الآيات ، وأقام له الألوية والرايات ، وفضله على خاصته وأحبابه ، وأثنى عليه في كتابه ، ونصره بالرعب مسيرة شهر ، وأبقى معجزته أبد الدهر ، وكلأه بعنايته وشمله برعايته ، وأيده بالبراعة واللَّسن ، وركب فيه كل خلق حسن ، وآتاه جوامع الكلم ، وحض على الاقتداء بهديه ، وأمر بامتثال أمره ونهيه ، وأجرى جواري الخير على يديه ، وأوحى إليه وناجاه ، وأراه من آياته الكبرى ، وكرمه في الدنيا والآخرة ، وأسبغ عليه من القبول أحسن المطارف ، وأولاه كثيراً من الخصائص ، وسواه فعدله ، وأدبه فأحسن تأديبه ، وعلمه ما لم يكن يعلم ، وأرشده إلى حل كل مشكل ومبهم ، وجبله على الصيانة والعفاف ، وأقام به ميزان العدل والإنصاف ، وأفرده بإيداع سره المصون ، وعضده بكتاب كريم في كتاب مكنون ، ومنح جانبه العزيز لينا ، وذاته الكريمة لطفاً ، وفتح به أبصاراً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً ، ولم يبعث نبياً إلا ذكر له نعته ومسلكه ، وأخذ عليه الميثاق بالإيمان به ونصره إن هو أدركه . ولم يعط أحداً من الأنبياء فضيلة إلا أعطاه مثلها وزيادة : نزه لسانه عن المنطق بهواه ، وفؤاده عن الكذب فيما رآه ، وجنبه الزيغ وزكاه . وعصمه من الأغراض ، وأناله من نيل الكرامة غاية السول . وقرن طاعته بطاعته في قوله تعالى : ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ) وسماه في كتابه نوراً بقوله تعالى : ( قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ) وشرح له بالرسالة صدراً ، ورفع له بذكره معه في الشهادتين ذكراً ، وأيده بأظهر البراهين ، وأبهر المعجزات ، ودرأ العذاب عن أهل مكة لكونه بواديهم فقال تعالى : ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) وظهره من الأقذار والأدناس ، ودل على عصمته في قوله : ( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) وأحسن مخاطبته في سورة ن ووعده فيها بأجر غير ممنون ، وأثنى عليه الثناء المستطاب العظيم بقوله تعالى : ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) [2] . ا هـ .

* عضو اتحاد كتاب مصر .

[1] من كتاب السيرة النبوية للشيخ أبي الحسن الندوي ، الطبعة الثامنة ، دار الشروق ، جدة ، 1410هـ ، ص 446 وما بعدها .

[2] المثل الكامل تأليف محمد أحمد جاد المولى ، الطبعة الثالثة ، مطبعة الاستقامة ، القاهرة 1356هـ – 1937م ، ص 2 وما بعدها .