مرحباً بربيع الإيمان والقرآن
مايو 24, 2026هنا موضع الداء !
مايو 24, 2026الافتتاحية : بسم الله الرحمن الرحيم
وفي ذلك فليتنافس المتنافسون
طلب مرضاة الله وابتغاء وجهه أسمى أماني الإنسان ، وهي غاية ليس وراءها حد ولا نهاية ، فإذا زاغ الإنسان أو انحرف عن هذه الغاية ، أو تبنى طريقاً مادياً حرم الخير كله ، بل انقطع عنه حبل الله تعالى ، وأصبح متسكعاً في متاهات الضلالة ، ومتخبطاً خبط عشواء في دياجير الغواية ، فالإنسان المثالي يضع نصب عينيه ابتغاء وجه الله تعالى ، ولا يتغافل عنه دقيقةً ولا ثانيةً ، وكلما نزغه نزغ من الشيطان استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ، هذا هو المؤمن المطلوب في ضوء الكتاب والسنة ، وقد شهد القرآن الكريم قائلاً : ( وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ ) [ البقرة : 207 ] .
التنافس في نيل رضا الله تعالى أمر محمود ، وعمل مغبوط ، والتنافس في أعمال الخير علامة للطموح ورفع الهمة ، ودليل على علو النفس وابتعادها عن سفاسف الأمور ومحاقرها ، فالعاقل اللبيب لا يرضى أبداً بالدون والهوان ، ولا يجلس في مؤخر الركب ، بل يسعى ويجد ، حتى يكون مجلياً لا مصلياً ، ويبلغ إلى مكان : ” كثير إلى نُزالها النظر الشزر ” ، فبالتنافس تزدهر الأمم والشعوب ، وبالتنافس ترتقي الدول والحكومات ، وبالتنافس تحصل الأهداف والغايات ، وقد جرى التنافس والتسابق في خلائق الكون منذ قديم الزمان ، فالملائكة الذين خلقهم الله تعالى يتنافسون في تطبيق أوامر الله تعالى ، ولا يتساهلون ولا يتغافلون ، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، وقد وصف الله تعالى الملائكة بقوله : فالسابقات سبقاً أي الملائكة الذين يسبقون بأرواح الملائكة إلى الله تعالى ، أما الأنبياء المكرمون المبجلون فقد سبقوا إلى الخيرات والحسنات ، ولم يدخروا وسعاً في نيل رضا الله تعالى ، بحيث وصفهم الله تعالى بأنهم : السابقون السابقون أولئك المقربون ، وقد لقب الله تعالى خمسةً منهم بأولي العزم ، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم أفضل الصلوات وأزكى التسليمات ، كما سُمي إبراهيم عليه السلام بخليل الله ، وموسى عليه السلام بكليم الله ، وعيسى عليه السلام بروح الله وكلمته ، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بحبيب الله ، إن هذه الألقاب منحها الله عباده المصطفين لما رأى تعالى فيهم من إخبات وإنابة إليه ، وصبر ومصابرة ، وتحمل للمشاق ، وتجرع المرائر بعواطف من الشكر والتحميد والتهليل والتكبير والتسبيح ، وقد كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كثير الاهتمام بقيام الليل حتى تتورم قدماه ، فلما قيل : أما غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال قولته البليغة التي تدل دلالةً واضحةً على تنافسه وتسابقه في الشكر لله عزو جل ، قال صلى الله عليه وسلم : أفلا أكون عبداً شكوراً ( صحيح البخاري : 4836 ) .
جرى التنافس والتسابق في الزمن الجاهلي بأسلوب يندر وجوده ، وكان هناك رهان بين فرسين : داحس والغبراء في الزمن الجاهلي ، لكن تحول هذا الرهان إلى حرب دامية امتدت إلى سنوات طوال ، كما كان الشعراء في الزمن الجاهلي يعرضون أبياتهم أمام النوابغ والعباقرة في الفن الشعري إما في سوق عكاظ أو ذي المجاز أو المجنة أو في أمكنة تاريخية أخرى ، ويتناشدون الشعر ، وقد أصدر هؤلاء النوابغ قضاءً إيجابياً عن القصائد المعلقات ، فعلقت بأستار الكعبة المقدسة نظراً إلى جودة مظهرها وجمال مخبرها وحسن تراكيبها ، ورصانة جملها ، حتى تكونت طبقات للشعراء الجاهليين ، فكان في الطبقة الأولى امرؤ القيس ، وزهير بن أبي سلمى والنابغة الذبياني ، وهناك قصائد مجمهرات غير المعلقات ، وقد جمعها المفضل الضبي في المفضليات ، وهي تمتاز بالجزالة والفصاحة والقوة والبيان .
أشرقت شمس الإسلام على وجه الأرض ، فعرّفت بأبواب الخير والفضيلة أمام الناس ، ودعا نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى المسارعة إلى الخيرات ، واعتبر أكبر فوز في حياة الإنسان أن يزحزح عن النار و يدخل الجنة ، كما أعلن عن الدنيا أنها ليست إلا متاع الغرور ، فسارع الصحابة الكرام رضي الله عنهم إلى الجنة ، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ، وضحوا في سبيل ذلك بكل ما يملكون من عدة وعتاد ، ورخيص وغال ، حتى نالوا رضا الله عز وجل ، فهذا النضر بن مالك رضي الله عنه يقول : واها لريح الجنة ، إني أجدها من دون أحد ، وهذا عمير بن الحمام رضي الله عنه يقول : بخ بخ ، كان هذا تعبيراً عن شدة فرحه لما سمع من لسان النبي صلى الله عليه وسلم : قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض ، وكان يأكل تمرات ، ثم ألقى التمرات التي كانت في يده قائلاً : إنها لحياة طويلة ، وخاض الغزوة حتى نال الشهادة ، وبشَّره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل الجنة ، و هذا حرام بن ملحان حينما طعنه جبار بن سلمى قال قولته البليغة : فزت ورب الكعبة ، فكانت هذه القولة سبب إسلام قاتله جبار بن سلمى ، وهذا أبو ليلى الصحابي الجليل مرةً أنشد أمام النبي صلى الله عليه وسلم :
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهراً
فسأله النبي صلى الله عليه وسلم : أين المظهر يا أبا ليلى ؟ قال : الجنة يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ! قال صلى الله عليه وسلم : أجل ، إن شاء الله ( دلائل النبوة للبيهقي : 6/232 ) .
فالتنافس في أعمال الخير سيما المؤمنين ، وشعار الصالحين ، وقد كان سلفنا الصالح متنافسين ومتسابقين فيها من دون تسويف ولا تأجيل ، وقد ورد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر مرةً أن سبعين ألفاً من أمته يدخلون الجنة بلا حساب ولا كتاب ، فقام الصحابي عكاشة بن محصن رضي الله عنه فور ما سمع ، وقال : يا رسول الله ! ادع الله أن يجعلني منهم ، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً : اللهم اجعله منهم ، وحينذاك قام رجل وطلب نفس الطلب ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : سبقك بها عكاشة ( صحيح مسلم : 218 ) .
فنظراً إلى هذه العواطف النبيلة لابد من استقبال رمضان المبارك بقلوب صافية ، وأذهان ذكية ، وأرواح طاهرة ، وأجسام صافية ، وقد عاد رمضان ، ويعود كل سنة ، ويدوم لمدة شهر ، ففي كل بيت دوي بحلول رمضان وما فيه من الخيرات والبركات ، وفي كل طبقة من طبقاتهم حديث عن الصيام وما يتبعه من العيد السعيد ، فلا تكاد تجد وجهاً ويعلوه من البشر والحبور ما لا يقدر ، ولا قلباً إلا وهو مفعم بنشوة من السرور العجيب الذي يجعل روحه ترفرف عاليةً مستبشرةً إلى السماء ، ولا يأتي هذا الشهر إلا ويقول الله تعالى : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي ، وأنا أجزي به ، والصيام جنة ، فإذا كان صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل : إني امرؤ صائم ، والذي نفس محمد بيده ! لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ، وللصائم فرحتان : فرحة عن فطره ، وفرحة عند لقاء ربه ( صحيح البخاري : 1894 ) .
إن لهذا الشهر فضلاً كبيراً في تكوين مجتمع مثالي أفضل ، ذلك المجتمع الأفضل الذي يتسم بسمة المساواة والمواساة ، ويتصف بصفة الإيمان والتقوى ، ولو لا هذه العبادة وهذا الركن الكبير في الإسلام لنقص بناؤه ، وفقد النظام الإسلامي ذلك التكامل والشمول الذي يعتبر خصيصة هذا النظام الكبرى ، هكذا يعتبر هذا الشهر الميمون نعمة الله الكبرى على المسلمين التي تشعر بعظمتها القلوب المؤمنة الواعية ، وترى أن هداية الله ماثلة أمام الأعين ، ورحمته تحف بها من كل جانب ، فالحاجة إلى أن يتنافس المسلمون في اغتنام هذا الشهر ، وانتهاز لياليه وأنهره ، وساعاته المستجابة ، وأعماله المقبولة ، وكلما كان التنافس والتسابق في طلب مرضاة الله من خلال الصيام والقيام والزكاة والعبادات النافلة في هذا الشهر أقوى وأكثر إحكاماً كانت فوائده ومنافعه على المسلمين أكثر فأكثر ، قال الله تعالى : ( شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ) [ البقرة : 185 ] ، وقال : ( وَفِى ذٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ ) [ المطففين : 26 ] .
والله يقول الحق ، وهو يهدي السبيل .
سعيد الأعظمي الندوي
11/7/1447هـ
31/1/2026م

