منهج القرآن الكريم في ترسيخ العقيدة الإسلامية
مايو 24, 2026كيفية تربية الأبناء في ضوء القرآن الكريم
مايو 24, 2026الدعوة الإسلامية :
نصرة النبي صلى الله عليه وسلم
الشيخ السيد بلال عبد الحي الحسني الندوي
تعريب : الأخ نعمت الله قاسم الندوي
ويكتب المفكر المسيحي بنفسه قائلاً : ” إن تعاليم النبي عيسى عليه الصلاة والسلام كلها إذا جمعت لم تتجاوز عموداً ونصفاً من صحيفة ” .
لقد وعد الله تعالى بحفظ هذا الدين ، وأعدّ لنصره جماعة الصحابة المقدسة ، فقد نهلوا من منهل سيرته في حياته ، وأصبحوا ممثلين صادقين لسيرته ، مستعدين لفدائه بأنفسهم ، واهتموا براحته اهتماماً لا مثيل له في نشر دينه وتعاليمه وتوجيهاته في أرجاء العالم ، وأصبحوا نموذجاً حياً خالداً في نصرة نبيهم وتأييد دينه وشريعته .
وفي مناسبة غزوة أحد التي كانت تتطلب تضحيةً وفداءً للنفس فداه أصحابه بأنفسهم وسكبوا لحفظه وصيانته دماءهم . وكانت المشاكل والأخطار محدقةً حتى بعد الهجرة إلى المدينة ، فأصبحوا حفظةً له ، متأهبين لنصرته ، مستعدين لحمايته وتعزيره بتقديم الأموال والنفوس كل لحظة وآن .
وقد تمكن حبه من سويداء قلوبهم ، وتغلغل في أحشائهم ، فعشقوه كل العشق ، وأحبوا أن يضحوا بأنفسهم بدل أن يُشاك له شوكة ، ويبذلوا في سبيل دينه ومهمته كل ما كانوا يملكون .
فروى الإمام الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق ، فوافق ذلك عندي مالاً ، فقلت : اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً . قال : فجئت بنصف مالي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ما أبقيتَ لأهلك ؟ ” قلت : أبقيتُ لهم مثله . وأتى أبو بكر بكل ما عنده ، فقال : يا أبا بكر ! ما أبقيتَ لأهلك ؟ قال : أبقيتُ لهم الله ورسوله . قلت : لا أسبقه إلى شيئ أبداً . ( سنن الترمذي ، كتاب المناقب ، الحديث : 4007 ، ج : 6 ، دار الرسالة العالمية ، الطبعة الأولى 1430هـ ) . قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
ومن أصحابه الأجلة عثمان بن عفان رضي الله عنه ، إنه فتح أبواب العطاء والسخاء حتى قيل عنه : ” مجهز جيش العسرة ” . ( وقد روى الإمام البخاري في صحيحه في مناقب عثمان بن عفان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” من جهّز جيش العسرة فله الجنة ” . فجهزه عثمان ) .
وإليكم الحديث الذي يسلط الضوء على تضحيات الصحابة بالأموال امتثالاً لأمر نبيهم : روى مسلم في صحيحه عن المنذر بن جرير ، عن أبيه قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار ، فجاءه قوم حفاةً عراةً مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف ، عامتهم من مضر بل كلهم من مضر ، فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة ، فدخل ثم خرج ، فأمر بلالاً فأذّن ، وأقام فصلى ، ثم خطب فقال : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) إلى آخر الآية ، ثم قال : ( اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ) ، ثم قال : تصدّق رجل من ديناره ، من درهمه ، من ثوبه ، من صاع بُره ، من صاع تمره ، حتى قال : ولو بشق تمرة .
قال : فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها ، بل قد عجزت ، قال : ثم تتابع الناس ، حتى رأيت كومين من طعام وثياب ، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة . ( صحيح مسلم ، كتاب الزكاة ، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة ، الحديث : 1017 ) .
لقد قدّم الصحابة الأنصار في الإخاء والمؤاساة والإيواء نموذجاً لم يشهد التاريخ مثيله في قديمه وحديثه من الزمان ، فنالوا بفضل نصرهم المهاجرين لقب ” الأنصار ” ، لقباً فاق كل انتماء إلى جماعة أو قبيلة أو أسرة .
أما المهاجرون فهم الممتثلون لأمره ، المؤيدون الصادقون الأولون لدينه في مطلعه .
لقد فقه العلماء أن حق نصرته ونصرة دينه حق عظيم عليهم تجاه النبي صلى الله عليه وسلم ، فكانوا ولا يزالون يحاولون أداءه بأحسن طريق . وكلما مُست كرامة النبي صلى الله عليه وسلم أو تعرّض دينه للطعن ، نهض رجال غيارى على الدين والملّة ، وبذلوا ما منحهم الله تعالى من مواهب وكفاءات في الذود عن النبي والدفاع عن دينه وصيانة شريعته ، فاستحقوا بفضل ذلك رضا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم . وإن هذه السلسلة لم تنقطع منذ سيدنا أبي بكر الصديق الذي كان شعاره : ” أينقص الدين وأنا حيّ ؟ ” والصحابة الأبرار ومن تبعهم بإحسان حتى اليوم .
المجددون للدين :
وبعد انقضاء عهد الصحابة رضي الله عنهم ، وجَّه الخليفة عمر ابن عبد العزيز رحمه الله علماء الأمة إلى العناية بتدوين الحديث والسنة النبوية ، فكتب إليهم ، وأبدى قلقه من ضياع هذا الكنز العظيم من تراث السنة النبوية والحديث الشريف ، ودعاهم إلى حفظه وصيانته . وكان هذا توجيهه في الواقع نداءً استلفت انتباه العلماء ، وأيقظ هممهم واستنهض عقولهم ، فتحركت الأقلام ، وتكاثرت الجهود في جمع السنة وتوثيقها ، فحُفظت ودُوِّنت ، وصِين هذا التراث الديني المجيد .
ثم ظهر رجال أذكياء لاستخراج المسائل الدقيقة واستنباط الأحكام العميقة أقرَّ بفضلهم وذكائهم عقلاءُ العالم ، وقد مهَّدت جماعة من الفقهاء الطرق الوعرة الصعبة ، وكشفوا للأمة – في ضوء سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأقواله ، وأعماله وتوجيهاته – أسراراً ونُكَتاً لا تصل إليها أذهان العامة .
وحينما ظهرت فتنة الاعتزال ، وافتتن بها كثير من أصحاب العقول الزاهرة وذوي الأذهان النيرة ، وانخدع ببريقها وروعتها عدد من أصحاب العلم والفكر ، قيَّض الله تعالى لهذه الأمة الإمامين الجليلين أبا الحسن الأشعري وأبا منصور الماتريدي .
وحينما سحرت الفلسفة العقول ، واستولت على الألباب ، وسرى أثرها في أوساط العلم والفكر ، هيَّأ الله تعالى للأمة حجة الإسلام الشيخ أبا حامد الغزالي ، فواجهَها بما وهبه الله تعالى من العلم والفضل ، وألَّف كتابه القيِّم ” تهافت الفلاسفة ” وغيره من الكتب التي ميَّز بها الحق من الباطل ، وفرَّق الخير من الشر . ثم شاء الله تعالى أن يحفظ حديث نبيه الشريف ، فاختار له في القرن الثالث والرابع من الهجرة رجالاً من أئمة الحديث ، غربلوا الأخبار والروايات ، وميَّزوا صحيحها من سقيمها ، ومقبولها من مردودها . وبفضل جهودهم نشأت جملة من العلوم والفنون ؛ من علم الجرح والتعديل ، وعلم الرجال ، وعلم مصطلح الحديث ، وما إلى ذلك ، ودُوِّنت بأشكالها المتنوعة .
وكان ذلك في الواقع فضلاً عظيماً من أولئك المحدثين العظام على الأمة المسلمة ، لا يُنكر ولا يُنسى ما تعاقب الليل والنهار . حتى قال الدكتور أسبرنغر : ” لم تمضِ أمة ، ولا توجد اليوم مثل المسلمين ، أوجدت فنّاً عظيماً ، كفنّ أسماء الرجال ، تُعرف بفضله أحوالُ نحوخمس مائة ألف رجل ” .
ثم خلق الله تعالى في كل عصر رجالاً قاموا بتزكية قلوب الناس ، مما كان من مقاصد النبوة الأساسية ، فظهر أئمة التزكية والسلوك الذين وفروا للعالم غذاءً روحيّاً . وهذه السلسلة المباركة لا تزال جارية دون انقطاع إلى اليوم ، وستمتد إلى يوم القيامة بإذن الله ، إذ يبعث الله في كل عصر رجالاً يجددون دين الإسلام بنصرتهم وتعزيزهم وتأييدهم . وقال صلى الله عليه وسلم : ” بلِّغوا عني ولو آية ” . ( صحيح البخاري ، كتاب أحاديث الأنبياء ، باب ما ذكر عن بني إسرائيل ، الحديث : ٣٤٦١ ) .
إن هذا الخطاب النبوي ، وإن كان موجَّهاً إلى الصحابة الكرام رضي الله عنهم ، فإنه عن طريقهم موجه إلى سائر الأمة المسلمة . فمن مسؤوليات الأمة أن تكون متأهبةً في كل حينٍ وآنٍ لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وتواصل جهدها قدر استطاعتها ، حتى لا تذبل تلك الغرسة الطيبة التي غرسها النبي صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة .
صور بارزة لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم :
إن أول صورة من صور نصرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبرزها وأعظمها شأناً ، حفظ الأمانة التي أودعنا النبي صلى الله عليه وسلم إياها . ولا يتحقق حفظ هذه الأمانة إلا بالعمل بها ، ولا يتحقق العمل بها إلا بفهم السيرة النبوية فهماً صحيحاً عميقاً ، كما تقدم الحديث عنه بشيئ من الإسهاب . فمن صور النصرة الأساسية المهمة الأولى أن يحقق المرء ثباته في سلوكياته وتصرفاته وأعماله في حياته الشخصية والاجتماعية وبين أهله وأسرته وأقاربه وذويه . وبهذا تتحقق نصرة النبي صلى الله عليه وسلم وحمايته في معنى الكلمة .
ثم تأتي الصورة الثانية ، أو المرتبة الثانية من مراتب النصرة ، وهي إزالة الحواجز والعوائق التي تحول دون معرفة الشريعة والسنة النبوية ، والتأهب للتضحية في سبيل ذلك بالنفس والمال في كل حينٍ وآنٍ .
ولا شك أن نصرة الذين يتعلمون الدين ، ويعمقون فهمه ، ويشتغلون بنشر تعاليمه ، وكذلك معاونتهم في مراحل مختلفة ، هي نصرة للنبي صلى الله عليه وسلم . وكذلك نصرة المعاهد ، ودعم المؤسسات والمراكز التي تقوم على أساس نصرة الدين وإشاعته وحمايته ، وتسعى بصدق وإخلاص لإعلاء كلمة الإسلام ونشره ، تعد نصرة للنبي صلى الله عليه وسلم بالواسطة .
( للحديث صلة )

