بيع المعدوم وما يتعلق به من قضايا معاصرة ( الحلقة الأولى )
مايو 24, 2026بيع المعدوم وما يتعلق به من قضايا معاصرة ( الحلقة الثانية )
مايو 24, 2026الفقه الإسلامي :
بطاقات الهدايا في الشريعة الإسلامية
الأستاذ عبد الله فهيم *
لقد تكاثرت أنواع المنتجات المالية تكاثرَ الأشجار في الغابات منذ اختراع الحاسوب والإنترنت وتقدم التكنولوجيا لا سيما البطاقات المالية ، وهي تزايدت في أنماطها وألوانها ، في شكل غير مسبوق ، سواء كانت بطاقات بلاستيكيةً أو إلكترونيةً . وبما أن الإسلام دين متكامل ، يلائم كل عصر ومصر ، ويعالج كافة مشكلات الحياة ، يجب على علماء المسلمين وفقهائهم أن يستنبطوا أحكام هذه البطاقات في ضوء الكتاب والسنة ويبينوها لعامة المسلمين .
فمن أنواع البطاقات التي أصبحت شائعةً وكثيرة الاستخدام في الآونة الأخيرة بطاقاتُ الهدايا في شتى أنواعها ، فقد أصدرتها كافة الشركات العالمية والمحلية ، ويشتريها الزبائن على إرادة منحها هدايا إلى أصدقائهم وأقاربهم كبديل لأنواع أخرى من الهدايا والتحف . وكنت قبل زمان عثرت على فتوى تُبين أحكام هذه البطاقات في ضوء الشريعة الإسلامية ، ثم اطّلعت على فتوى أخرى تخالف ما قررته الفتوى الأولى من أحكام ، فتحيرت ، وحفزني ذلك إلى التفتيش والتنقيب ، فشمّرت عن ساعد الجد لأبحث في هذا الأمر وأحقق الأحكام التي تتعلق بهذه البطاقات بقدر وسعي ، مستعيناً بالله وتوفيقه .
تاريخ بطاقات الهدايا :
المصادر تخبرنا أن أول شركة أصدرت بطاقات الهدايا هي نيمان ماركوس (Neiman Marcus ) الأمريكية حيث أصدرتها سنة 1994م ، ولكن الشركة لم تستطع أن تنتفع بها انتفاعاً بالغاً ، ولم تسوقها تسويقاً عاماً ، إذ وضعتها في أمكنة بعيدة عن أنظار الزبائن .
وأول شركة استفاد بها استفادةً تامةً وروّجها رواجاً واسعاً هي شركة بَلَكْبستر ( Blockbuster ) الأمريكية الشهيرة ، حيث أصدرت سنة 1995م بطاقات الهدايا التي أحدثت ثورةً في الأسواق المالية ، ثم تبعتها شركة ستاربكس ( Starbucks ) سنة 2001م ، وسرعان ما أصبحت بطاقات الهدايا شائعة الاستخدام للمنسابات الخاصة ، مثل : الأعياد والأفراح ومنح الجوائز وغيرها ، حيث يشتري كثير من الناس بطاقات الهدايا لإهدائها إلى الأقارب والأصدقاء وأفراد الأسرة كبدائل للنقود أو الأشياء الأخرى [1] .
تعريف بطاقات الهدايا مركباً إضافياً :
بما أن ” بطاقات الهدايا ” مركب إضافي ، فقبل أن نتعرف على معنى ” بطاقات الهدايا ” يجدر بنا أن نتعرف على معنى كل من كلمتي ” بطاقات ” و ” الهدايا ” .
فأما كلمة ” بِطَاقَات “: فهي جمع ” بِطَاقَة ” ، ويقال لها بالإنجليزية : ( Cards ) .
قال في الصحاح [2] : ” البِطاقة بالكسر : رُقَيْعة توضع في الثوب فيها رقم الثمن بلغة أهل مصر . يقال : سُمِّيت بذلك لأنها تشد بِطَاقَةٍ من هُدْب الثوب ” .
وفي القاموس [3] : ” الرقعة الصغيرة المنوطة بالثوب ، التي فيها رقم ثمنه ، سميت لأنها تشد بِطاقةٍ من هدب الثوب ” [4] .
وفي المعجم الوسيط [5] : ” البطاقة : الرقعة الصغيرة من الورق وغيره ، يكتب عليها بيان ما تعلق عليه ” .
وفي معجم اللغة العربية المعاصرة [6] : ” بِطاقة [ مفرد ] : ج بِطاقات وبطائق : ورقة صغيرة أو رقعة من الورق المقوَّى أو غيره يكتب عليها بعض المعلومات المتعلقة بموضوعٍ ما ” .
وفي العرف المعاصر ، يراد بها : قطعة صغيرة بلاستيكية أو إلكترونية ، يوضع عليها عادةً شعار الجهة المصدرة لها ، والجهة القابلة لها ، ويكتب عليها : اسم صاحبها وتاريخ إصدارها وانتهائها ، ولها رقم متسلسل ، ويوجد خلف أغلب أنواعها شريط مُمَغْنَط أو رقاقة حاسوبية تسجل عليه بعض المعلومات المهمة [7] .
وأما ” الهَدَايا ” : فهي جمع ” هَدِيَّة ” ، ويقال لها بالإنجليزية : ( Gifts ) .
قال في معجم التعريفات [8] : ” الهدية : ما يؤخذ بلا شرط الإعادة ” .
وفي الموسوعة الفقهية الكويتية [9] : ” الهدية في اللغة : هي المال الذي أتحف وأُهدي لأحدٍ إكراماً له ، يقال : أهديت للرجل كذا : بعثت به إليه إكراماً ، فالمال هدية . واصطلاحاً عرفها الحنفية بأنها : تمليك عين مجاناً . وعرفها المالكية بأنها : تمليك من له التبرع ذاتاً تنقل شرعاً بلا عوض لأهل أو ما يدل على التمليك . وعرفها الشافعية بأنها : تمليك عين بلا عوض مع النقل إلى مكان الموهوب له إكراماً . وعرفها الحنابلة بأنها : تمليك في الحياة بغير عوض ” .
تعريف بطاقات الهدايا لقباً :
عرفت مجلة هارفارد بزنس ريفيو ( Harvard Business Review ) بطاقة هدية ( Gift Card ) بأنها : ” بطاقة خَصم مُسْبَقَة الدفع تُمَثِّل مبلغاً نقدياً محدّداً يمكّن من إجراء عدة عمليّات شراء ، ويضم معظمُها مَبلغاً نقدياً أوَّلياً يبلغ حده الأدنى 10 دولار ، ويبلغ حده الأعلى 500 دولار ، ويمكن استخدامها إلكترونياً أو تقليدياً ” [10] .
وفي معجم كامبريدج ( Cambridge Dictionary ) أونلاين : ” رمز الهدية : بطاقة أو قطعة ورق يمكن استبدالها في المتجر بسلع بالقيمة المطبوعة عليها ” [11] .
وفي العرف المعاصر بطاقة الهدايا هي : بطاقة بنكية أو قسيمة شرائية تمثل مبلغاً نقدياً محدداً ، تصدرها مؤسسة تجارية أو مصرف مرةً واحدةً بتاريخ محدد ، يكتب عليها أحياناً اسم المهداة إليه ، وشعار جهة الإصدار ، ولها رقم تسلسلي ، تمكن صاحبها من إجراء عمليات الشراء ، ولا يمكن إعادة تعبئتها ولا استرداد ما بها من رصيد [12] .
أنواع بطاقات الهدايا :
يتلخص أبرز أنواع بطاقات الهدايا فيما يلي [13] :
(1) بطاقة الاستخدام المفتوح ( Open Loop Card ) : وهي بطاقة خصم متعددة الاستعمالات تستخدم أينما تقبل علامتها التجارية ، وتضم شعار علامة البطاقة التجارية أو الشبكة التي تُجري عمليات الحركات المالية ؛ مثل : فيزا ( Visa ) ، وماستركارد ( Master Card ) ، ومن أمثلتها في المملكة المتحدة : بطاقات الهدايا لشركة وَن فور آل ( One4all ) حيث يمكن استخدامها في عدد كبير من شركات ومتاجر داخل المملكة [14] .
(2) بطاقة الاستخدام المحدود ( Closed Loop Card ) : وهي بطاقة دفع إلكتروني تتيح لحاملها إجراء عمليات الشراء من شركة واحدة ، وتحمل شعارها عادةً ، إلا أنه لا يمكن إعادة تعبئتها ، مثل : بطاقات الهدايا لشركات آرجوس ( Argos ) وأزدا ( Asda ) وبرايمارك ( Primark ) وأمازون ( Amazon ) وغيرها .
وظائفها وخصائصها :
أما أهمّ وظائفها وخصائصها فهي كما يلي [15] :
(1) أنها تصدر لمرة واحدة ، ولا يمكن تمديد تاريخ صلاحيتها أو إعادة تعبئتها أو استرداد رصيدها عند انتهائها .
(2) عند الشراء بالبطاقة – سواء بكامل الرصيد أو جزء منه – تطبق شروط وأحكام البيع بالتجزئة ( Retail Sale ) على العقد بين العميل ( المهدى إليه ) والمتجر حسب كل فئة .
(3) قد يتم إصدار البطاقة من التاجر نفسه ، وقد يتم إصدارها عبر الوسيط .
(4) لا تعتبر بطاقات الهدايا حساباً جارياً أو حساب توفير أو وديعة تحت الطلب أو حساب أصول شخصية ، ولا يتم منح أي فوائد على الرصيد المتوفر .
(5) يمكن للمُهدَى إليه استخدام بطاقات الهدايا البنكية في أي مكان تقبل فيه بطاقات الخصم المباشر من ماستركارد ( Mastercard ) أو الفيزا ( Visa ) ونحوها .
(6) لا يمكن استخدام بطاقات الهدايا للاسترداد النقدي ، بل يمكن استخدامها لشراء السلع والخدمات فقط .
(7) وإذا انتهت مدتها يخسرُ حاملُها الرصيدَ المتبقي فيها ، وإذا فُقِدت لا يمكن استبدالها بأخرى .
أحكامها الشرعية :
أما أحكامها الشرعية ، فنبحث عن الأمور التالية : حكم بيعها ، وحكم المعاوضة النقدية عن هذه البطاقات وما يتضمن من مسألة الربا ووجوب الزكاة على رصيد هذه البطاقات وما إليها .
حكم بيع وشراء بطاقات الهدايا :
أما بيع بطاقات الهدايا فالذي يظهر للباحث أنه لا حرج فيه ، إذ هذه البطاقات – كما يبدو – من الأموال المباحة ، ولا ريب في صحة البيع إذا لم يكن أحد البدلين من الأموال المحرمة في الشريعة .
قال العلامة ابن عابدين : ” المراد بالمال : ما يميل إليه الطبع ، ويمكن ادخاره لوقت الحاجة ، والمالية تثبت بتمول الناس كافةً أو بعضهم ، والتقوم يثبت بها ، وبإباحة الانتفاع به شرعاً ” [16] .
ولا شك أن بطاقات الهدايا أصبحت مالاً ، بل من أنفس الأموال ، بسبب شيوع استخدامها بين الناس ، إذ أنها لا تمثل إلا مبلغاً محدداً من النقود ولا تحتوي على شيئ محرم ، فهي متقومة ومباح الانتفاع بها شرعاً .
وبالإضافة إلى ذلك ، الأصل في الأشياء الإباحة كما هو مقرر عند الفقهاء [17] . قال تعالى : ( أَحَلَّ الله البَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” الحلال ما أحل الله في كتابه ، والحرام ما حرم الله في كتابه ، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه ” [18] .
حكم المعاوضة النقدية عن بطاقات الهدايا :
أما حكم المعاوضة النقدية عن هذه البطاقات فهذا يختلف باختلاف تكييفها نقوداً أو سلعاً أو ديناً ، فللمعاصرين فيه أربعة أقوال :
القول الأول :
أن هذه البطاقات تعتبر نوعاً من أنواع النقود ، فلها حكم النقود الورقية من حيث إجراء أحكام الصرف فيها ، وجريان الربا ، ووجوب الزكاة ، كأحكام الدراهم والدنانير . وهذا قول دار الإفتاء الأردنية [19] ، وقول الدكتور صغير بن محمد الصغير [20] ، وقول بعض المفتين [21] . ويتفرع من هذا القول المسائلُ الآتية :
- إذا اشتريت هذه البطاقات بنفس العملة التي في رصيدها وَجَبَ التماثلُ والتقابض ، وحرُم التفاضل والنسيئة ؛ لأنها جنس واحد ، وقد روى الإمام مسلم (1587) عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبُر بالبُر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح ، مثلاً بمثل ، سواءً بسواء ، يداً بيد ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد ” .
- وأما إذا اشتريت البطاقة بعملة مغايرة لعملة رصيدها ، فلا بأس بالتفاضل ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ” فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد ” .
- فلا يجوز شراء البطاقة التي رصيدها – على سبيل المثال – عشرون دولاراً بتسعة عشر أو بواحد وعشرين دولاراً ، ويجوز شراء نفس البطاقة بمائة ريال .
- وتجب الزكاة على رصيد بطاقات الهدايا كما تجب الزكاة على النقود .
القول الثاني :
- أنها تعتبر سلعة من السلع ، وأنها منتجات مالية بنفسها بغض النظر عن الرصيد الموجود فيها ، فلا تجري فيها أحكام الصرف والربا ، بل لها أحكام البيع المطلق ، وهو [22] قول بعض المفتين [23] ، وبناءً على هذا :
- لا يجب فيها التقابض والتماثل وإن اشتريت بنفس العملة التي في رصيدها ، بل يجوز فيها التفاضل والنسيئة سواءً .
- فيجوز شراء البطاقة التي رصيدها عشرون دولاراً بتسعة عشر أو واحد وعشرين دولاراً ، ولا يعتبر هذا من باب الربا .
- ولا تجب الزكاة على الرصيد كما لا تجب على العروض ، إلا إذا كانت هي عروض التجارة .
القول الثالث :
- أنها نوع من النقود الإلكترونية ودين مضمون على مُصْدِر البطاقة ، فيكون المُصدِرُ مَدِيناً وحامل البطاقة دائناً ، فكأن المُصدرَ استقرض رصيد البطاقة من حاملها ، فلا يجوز معاوضتها نقداً إلا بالتماثل ؛ لئلا تفضي إلى الربا لاشتمالها على فضل خال عن العوض [24] .
القول الرابع :
- يفرق بين نوعي بطاقات الهدايا ، فأما النوع الأول – وهي بطاقات الاستخدام المفتوح – فلها حكم النقود ، وتجري فيها أحكام الصرف وغيرها ، وأما النوع الثاني – وهي بطاقات الاستخدام المحدود – فلها حكم السلع ، ولا تجري فيها أحكام الصرف وغيرها [25] .
القول الراجح :
يبدو لهذا الباحث أن القول الراجح هو الأول ، إلا أن الباحث لا يرى أن لهذه البطاقات نفس أحكام الدراهم والدنانير من حيث إجراء أحكام الصرف من وجوب التقابض وحرمة النسيئة ولو اختلف الجنس ، بل يرى الباحث أن لها أحكام الفلوس ؛ تفريقاً بين الأثمان الخلقية والأثمان الاصطلاحية أو العرفية ، كما قرّره شيخ مشايخنا العلامة محمد تقي العثماني – حفظه الله تعالى – في كتاب ” فقه البيوع ” في بحث النقود الورقية [26] ، فبناءً على هذا :
- يجب التقابض والتماثل إذا اشتُرِيت هذه البطاقات بنفس العملة التي في رصيدها .
- ولا بأس بالتفاضل والنسيئة إذا اشتريت بعملة مغايرة عن رصيدها .
- وتجب الزكاة في رصيدها [27] .
ويرجح الباحث هذا القول بناءً على الأدلة التالية :
أولاً : استخدام هذه البطاقات يعتبر استخداماً للعملات نفسها ، فلذا تقوم مقام العملات وتأخذ أحكامها .
فإن قيل : إن هذه البطاقات لا يمكن استخدامها إلا عن طريق الجهة التي أصدرتها ، وأنه لا يمكن استرداد ما فيها من النقد ، وهذا يُغلِّب كونها سلعةً .
أجيب : بأن هذا لا يضر أيضاً ؛ لأن العملات أيضاً مثلها ، فإنها إذا انتهت مدتها – كما إذا ألغت الحكومة صلاحيتها كوسيلة للتبادل وأصدرت عملات جديدة مكانها – أو فُقِدت ، لا يمكن لحاملها الاستفادةُ منها واسترجاعها .
فغاية الفرق بين العملات وهذه البطاقات : أنها تُصدرها شركات خاصة ، والعملات تُصدرها الدول ، وأن العملات مدة انتهائها غير معلومة حين إصدارها خلافاً لهذه البطاقات ؛ فإن مدة انتهائها معلومة وقتَ إصدارها ، بل هي مكتوبة عليها أو على الفاتورة .
ثانياً : هذه البطاقات مثل الشيك المصرفي المصدَّق ، بل هي أكثر شبها بالنقود من الشيكات ؛ لأنها وسيلة للتبادل التجاري بدون قيود ؛ لأنه يمكن بها شراء السلع والبضائع المتنوعة ، بخلاف الشيك ؛ فإنه لا يمكن صرفه إلا لمن حرر لصالحه [28] .
ثالثاً : الأخذ بالأحوط يرجح كون هذه البطاقات في حكم النقود ؛ إذ القول بأنها في حكم السلع يفتح باب الربا بمصراعيه ويلغي وجوب الزكاة في رصيد هذه البطاقات . وقال عليه السلام : ” إنَّ الحلال بيِّنٌ ، وإنَّ الحرام بيِّنٌ ، وبينهما أمور مُشتبهات لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس ، فمَن اتَّقى الشُّبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه ، ومَن وقع في الشُّبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى ، يُوشك أن يرتع فيه ، ألا وإنَّ لكل ملكٍ حمى ، ألا وإنَّ حمى الله محارمه ، ألا وإنَّ في الجسد مُضغة إذا صلحت صلح الجسدُ كله ، وإذا فسدت فسد الجسدُ كله ، ألا وهي القلب ” . رواه مسلم (1599) .
رابعاً : قاعدة : ” إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام ” أيضاً ترجح كون هذه البطاقات في حكم النقود ؛ لأن عدم التماثل عند شراء هذه البطاقات بنفس العملة التي في رصيدها جائزٌ عند من يجعلها في حكم السلع ، وحرامٌ عند من يجعلها في حكم النقود ، فاجتمع فيه دليل التحريم ودليل التحليل ، فيغلب جانب الحرمة [29] .
وأما القول بأن هذه البطاقات منتجات مالية مستقلة فيجاب عنه بأن هذا ليس بسديد ؛ لأنها لو كانت منتجات ماليةً بنفسها لكان لها قيمة مستقلة بغض النظر عن رصيدها ، ومعلومٌ أن هذه البطاقات إذا نفد رصيدها لا يبقى لها أي قيمة ، بل تطرح في سلة المهملات ولا يتعاطاها أحد ولو بفلسة أو فلستين ، ولو سُلِّم أنّ لها قيمة فهي مثل قيمة الأشياء التي تطرح في سلة النفايات للتدوير فقط لا غير .
وهذا المعنى – أي : عدم وجود أي قيمة لها – أوضحُ بالنسبة للبطاقات الرقمية ( Digital ) ؛ إذ ليس لها وجود خارجي ، ولا يمكن تسليمها بعينها دون رصيدها . فهذا أكبر دليل على أن قيمة هذه البطاقات هي قيمة رصيدها ، وأن الأصل هو الرصيد دون البطاقة ، فالبطاقة تابعة للرصيد لا العكس ، فإذا كان الرصيد مثلاً عشرين دولاراً فهي قيمة البطاقة ، وإذا كان الرصيد صفراً فقيمة البطاقة صفر ، فلا يمكن للبطاقة أن تكون أصلاً والرصيد حقاً تابعاً يمكّن حاملَ البطاقة من شراء بضائع غير معينة من الشركات التي تقبل هذه البطاقة ؛ إذ البطاقة غير مقصودة أصلاً ، فأنى تكون هذه البطاقات منتجات مالية مستقلة عن رصيدها ؟!
وأما القول الثالث فيجاب عنه بأن هذه البطاقات لا يمكن لها أن تصبح في حكم الديون أو سندات دين ؛ لأنها إذا فقدت أو انتهت مدتها يخسر حاملها رصيدها المتبقي وليس له أي حق في مطالبة المُصدِر بدفع هذا المبلغ إليه ، والديون لا تسقط بالتقادم وليس لها مدة الانتهاء ، كما هو معلوم ، فكيف يكون رصيد هذه البطاقات ديناً على مصدرها ؟
وأما القول الرابع فيجاب عنه بأنه لا وجه للتفريق بين النوعين ، كما بينّا أن كلا النوعين من البطاقات يستخدم كالعملات .
الخلاصة :
بطاقات الهدايا أشبه بالنقود والعملات ، ويمكن أن نسميها ” شبه نقود ” ، فلذا يترتب عليها مختلف أحكام النقود من جريان الربا ووجوب الزكاة وما إلى ذلك ، فلا يجوز فيها التفاضل والنسيئة إذا اشتريت هذه البطاقات بنفس العملة التي في الرصيد ، ويجوز التفاضل والنسيئة إذا كان الشراء بعملة مغايرة ، وتجب الزكاة في رصيدها إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول كما في الأوراق النقدية . والله أعلم بالصواب .
* عضو هيئة التدريس بمعهد الصفة – برمنجهام – المملكة المتحدة ، بريطانيا ، إنجلترا .
[1] https://gizmodo.com/5434783/the-vile-history-of-gift-cards-and-how-they-came-to-destroy-christmas
[2] الصحاح للجوهري : مادة ( بطق ) ، ص 1450 .
[3] القاموس المحيط للفيروزآبادي : مادة ( بطق ) ص 868 .
[4] وقال شارحه الزبيدي في تاج العروس ( 25/85 ) : ” قال ابن سيده : وهذا الاشتقاق خطأ ، لأن الباء على قوله باء الجر ، فتكون زائدةً ، والصحيح فيه قول ابن الأعرابي : إنها الورقة ” .
[5] المعجم الوسيط : مادة ( بطق ) ص 61 .
[6] معجم اللغة العربية المعاصرة لأحمد عمر مختار : 1/218 ، مادة ( بطق ) .
[7] بطاقات الإهداء مسبقة الدفع – حقيقتها وأحكامها ، مجلة البحوث الإسلامية ، العدد 131 ، ص 107 .
[8] معجم التعريفات ، ص 215 .
[9] الموسوعة الفقهية الكويتية : 42/252 .
[10] https://shorturl.at/2D90M
[11] http://dictionary.cambridge.org/dictionary/british/gift-token
[12] بطاقات الإهداء مسبقة الدفع – حقيقتها وأحكامها ، ص 110 .
[13] https://shorturl.at/r04Kp
[14] https://www.one4all.com/new-where-to-spend
[15] بطاقات الإهداء مسبقة الدفع – حقيقتها وأحكامها ، ص 112 – 116 .
[16] حاشية ابن عابدين ، 14:9 ، دار الثقافة والتراث .
[17] نفس المصدر ، 1: 349 .
[18] رواه الترمذي رقم (١٧٢٦) في اللباس ، باب ما جاء في لبس الفراء ، وابن ماجه رقم (٣٣٦٧) في الأطعمة ، باب أكل الجبن والسمن .
[19] https://shorturl.at/IUbCW
[20] https://shorturl.at/bcKnJ
[21] https://shorturl.at/6UCMz
[22] https://islamicportal.co.uk/purchasing-gift-vouchers-cheaper-than-their-value
[23] https://shorturl.at/GmApo
[24] https://darulfiqh.com/is-it-permissible-to-buy-pre-loaded-gift-cards-with-discount-on-ebay
[25] https://joebradford.net/buy-sell-gift-cards-face-value-islamic-law-ruling
[26] فقه البيوع ، 2: 688 – 713 ، دار القلم .
[27] نفس المصدر ، 2: 703 .
[28] بطاقة الإهداء مسبقة الدفع ، ص 129 .
[29] عمدة ذوي الأبصار لحل مهمات الأشباه والنظائر للعلامة بيري زاده ، ج ، ص 276 ،مكتبة الإرشاد .

