بيع المعدوم وما يتعلق به من قضايا معاصرة ( الحلقة الرابعة الأخيرة )
مايو 24, 2026الفقه الإسلامي :
قضايا معاصرة حول التعليم والتعلم على خلاف الجنس عبر الإنترنت
( الحلقة الأولى )
د . المفتي محمد مصطفى عبد القدوس الندوي *
إن الصوت نعمة عظيمة من نِعم الله تعالى ، أنعمها على الإنسان ، وفضّله على سائر الخلائق بإعطاء النطق تفضيلاً ، وهو يحمل تأثيراً خاصّاً ، ونفوذاً إلى القلوب باعتبار جهات شتى ، وتكون فيه قوة جذابة موفورة ، ويترك تأثيره البالغ على سجية النفوس في المستقبل ، وإليه أشار لسان النبوة : ” إِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْراً ” [1] .
هذا ما كانت قوة الصوت عامةً ، وأما صوت المرأة خاصةً ، فيكون فيه تأثير بالغ معنىً لا تدركه عين الرأس ؛ بل يشعر به القلوب والوجدان ، ويستريح به نفس الإنسان ، حتى يفتن به الناس أحياناً ؛ فلأجل ذلك حدّد الشرع الإسلامي إطار رفع صوت المرأة ، كما هو مقتضى العقل السليم لئلا تحدث به الفتنه والمفسدة في المجتمع الإنساني .
(1) حكم صوت المرأة من منظور الشرع الإسلامي :
ونرى الفقهاء بهذا الصدد أنهم اختلفوا في حكم صوتها شرعاً ، هل هو عورة أم لا ؟ فاعتبر بعضهم عورةً خلافاً للجمهور والمذاهب الأربعة على الراجح ، والمشهور عند كثير من الفقهاء أن صوت المرأة معلل بالفتنة ، يعني أنما يكون عورةً إذا كان أحدث فتنة [2] ؛ فقال الإمام فخر الدين الرازي الشافعي : ” وفي صوتها وجهان : أصحهما أنه ليس بعورة ” [3] ، وهو الراجح عند الحنفية [4] ، والحنابلة [5] ، ونقل الجزيري اتفاق المذاهب الأربعة على عدم دخوله في حكم العورة [6] ؛ لأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم وبعض الصحابيات الأخريات رضي الله عنهن كُنّ يكلّمن النبي صلى الله عليه وسلم ويسألنه عن أمور الدين ، وهكذا يكلمن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين في حاجتهن ، ولم ينكر ذلك عليهن ، ويروين الأخبار للرجال ، وكانوا يستمعون منهن أحكام الدين [7] .
وإلى القارئ بعض النصوص الشرعية التي تدل على كون صوت المرأة ليس بعورة :
(1) قوله تعالى : ( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) [ الأحزاب : 32 ] ، ( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) [ الأحزاب : 53 ] .
وجه الدلالة أن الله تعالى لم يمنع المؤمنين أنكم لا تسألوهن شيئاً ؛ بل قيّد السؤال بوراء الحجاب ، كذلك لم يمنع الأزواج المطهرات من الكلام مع الصحابة إلا أمرهم أن لا يتكلمن معهم بالقول اللين والتخضع والتكسر ، فعُلم أن صوت المرأة ليس بعورة ، إن كان عورة فنهي المؤمنين عن الكلام مع الأزواج المطهرات مطلقاً كذلك نهي الأزواج المطهرات أيضاً عن الكلام معهم .
(2) وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ ، فَهَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” إِذَا رَأَتِ المَاءَ ” [8] .
(3) وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْماً مِنْ نَفْسِكَ ، فَوَعَدَهُنَّ يَوْماً لَقِيَهُنَّ فِيهِ إلخ [9] .
(4) قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي – يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ – فَأَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ غُلاَمَهُ كُرَيْباً إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْأَلُهَا ، فَقَالَتْ : ” قُتِلَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ وَهِيَ حُبْلَى ، فَوَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، فَخُطِبَتْ فَأَنْكَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ أَبُو السَّنَابِلِ فِيمَنْ خَطَبَهَا ” [10] .
(1.1) معلل بالفتنة :
وقد علم أن صوت المرأة ليس بعورة على الراجح أصلاً ، ولكنه عورة إن خيف منه حدوث الفتنة ، وبعبارة أخرى معلل بالفتنة ؛ فإن كان يخشى منه حدوث الفتنة فهو عورة وإلا فلا ؛ لما في ذلك من إغراء الرجال بها وطمعهم فيها ؛ لأن المرأة موضع قضاء وطر الرجال ، فهم يميلون إليها بدافع غزيرة الشهوة ؛ فيفتنون بصوتها كما يفتنون بحسن وجهها [11] ، وبسبب صوتها فتنة نهى الله عز وجل النساء من ضرب الأرجل على الأرض ؛ فقال : ( وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ) [ النور : 31 ] . وجه الدلالة أن الضرب بالأرجل جائز في نفسه ؛ ولكن الله تعالى نهى النساء عن الضرب بالأرجل ؛ لئلا يكون سبباً إلى سماع الرجال صوت الخلخال فينشر ذلك دواعي الشهوة منهم إليهن . وبهذا السبب جعل النبي صلى الله عليه وسلم التسبيح للرجال والتصفيق للنساء في الصلاة ؛ فقال عليه الصلاة والسلام : ” مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ ، مَنْ رَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلاَتِهِ ، فَلْيُسَبِّحْ فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ التُفِتَ إِلَيْهِ ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ ” [12] .
(2.1) المراد بالفتنة :
ثم السؤال ما هو المراد بالفتنة في صدد علاقة الرجل بالمرأة ؟ هل الإعجاب بصوت شخص ومظهره فتنة وإغراء ؟ هذا ما يعانيه الإنسان عند مقابلة صبيانه في معظم الأحوال والأحيان ، أو هو اسم حركة النفس للإثم في نفس الإنسان بالنظر إلى وجه المرأة وبسماع صوتها ؟
والأمر واضح كالشمس في نصف النهار أن المراد بالفتنة هو حدوث حركة النفس للإثم وثوران الشهوة ؛ والإنسان يتقدم خطوةً بعد خطوةٍ الى المفسدة العريضة والمعصية الكبيرة ، وهي الزنا المحرّم بعد حدوثها ، والشيطان يغريه ويزيّن له عمله السيئ الخطير ويمكر مكراً لإلقائة في التهلكة ويجرّه إليها شيئاً فشيئاً من حيث لا يشعر الإنسان ولا يتنبه ولا يفيق حتى يقع في الزنا ؛ ولذا كما نهى الشرع الإسلامي عن نفس الزنا كذلك نهى عن كل ما يؤدي إليه من الأسباب والذرائع والعوامل سدّاً لباب الفتنة ولو كانت هي مباحةً في ذاتها ؛ لما فيه إعانة على المعصية وما لا يجوز شرعاً ، قال تعالى : ( وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) [ المائدة : 2 ] . قال الفقهاء بناءً على ذلك : ” كل ما أدّى إلى ما لا يجوز ، لا يجوز ” [13] ، و ” ما يؤدي إلى الحرام فهو حرام ” [14] ؛ فأمر الشرع الإسلامي المؤمنين والمؤمنات بغضّ البصر ونهاهن عن ضرب الرجل على الأرض عند المشي وعن إبداء الزينة سدّاً لباب الفتنة ؛ فقال تعالى: ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ . وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ) [ النور : 30 – 31 ] ، ونهاهن عن التطيب عند الذهاب إلى المسجد ؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنه قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ” أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَطَيَّبَتْ لِلْمَسْجِدِ ، لَمْ تُقْبَلْ لَهَا صَلاةٌ حَتَّى تَغْسِلَهُ عَنْهَا اغْتِسَالَهَا مِنَ الْجَنَابَةِ ” [15] . وعَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : كُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ ، وَالمَرْأَةُ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ بِالمَجْلِسِ فَهِيَ كَذَا وَكَذَا يَعْنِي زَانِيَةً [16] . ولأنه ربما يكون صوت المرأة الأجنبية ، ونظر الرجل للمرأة ، وضرب المرأة رجلها على الأرض عند المشي ، وخُرُوج الْمَرْأَةِ مُتَعَطِّرَةً وإبداء الزينة سبباً لتحريك شهوة الرجل والمرأة أيضاً ، ويجذب كل ذلك إلى نفس المرأة كمقناطيس الحديد ، ويحدث ثوران الشهوة إليها والتعرض للفتنة ، ثم يوصل إلى الزنا المحرم شرعاً ؛ فالبعد عن أسبابها أقرب إلى السلامة وعدم شيوع المنكر وظهور الفحش .
(2) حكم سماع الطالبات صوت المعلم الشاب ورؤيتهن وجهه خلال التعلم عبر الإنترنيت :
هل يجوز للمعلم الشاب أن يدرّس الطالبات البالغات عبر الإنترنيت ، والحال أنهن ينظرن إلى وجهه واضحاً ويسمعن صوته خلال التعلم عبر الإنترنيت وهو لا ينظر إلى وجوههن ؟
ولا شك أن صوت الرجل ليس بعورة بالاتفاق ؛ فلا بأس أن تسمع النساء صوته كما كانت تسمع الصحابيات صوت النبي صلى الله عليه وسلم وصوت الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ، ولم يمنعهن عن سماع صوت الرجال ؛ إلا أن الشرع الإسلامي أوصاهن أن يخضعن بالقول عند ما أردن أن يتكلمن معهم للحاجة ؛ فقال تعالى: ( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) [ الأحزاب : 32 ] ، ( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) [ الأحزاب : 53 ] . وجه الاستدلال أن الله تعالى لم يمنعهن عن سماع كلام الرجال ؛ بل أذن لهن الكلام معهم إلا أمرهم أن لا يتكلمن معهم بالقول اللين والتخضع والتكسر .
فالحاصل أن المعلم الشاب يجوز له أن يدرّس الطالبات البالغات عبر الإنترنيت ، والحال أنه لا ينظر إلى وجوههن وهُنّ ينظرن إلى وجهه واضحاً ويسمعن صوته خلال التعلم عبر الإنترنيت ، إن بدت لإحداهن الحاجة أن توجّه إليه السؤال فلا تخضع بالقول .
وأما نظرهن إلى وجهه فعلماً بالقارئ أن نظرة المرأة للرجل لا يخلو من حالين ، سواءً كان عبر الإنترنت أو في التلفاز وغيرهما :
(1) الأصل الشرعي أن نظر المرأة إلى الرجل فيما فوق السرة وتحت الركبة يجوز بلا شهوة ، فهذه النظرة المجردة الخالية عن شهوة وتلذذ وتمتع ، فلا خلاف في جوازها ؛ لما ثبت في الحديث الصحيح أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت تنظر إلى الحبشة وهم يلعبون ، والنبي صلى الله عليه وسلم أقرها على ذلك ؛ فتقَول عَائِشَةُ رضي الله عنها : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتُرُنِي ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الحَبَشَةِ ، وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ [17] والمُحقَّق أن آية الحجاب نزلت قبل قدوم وفد الحبشة ؛ لأنها نزلت في شهر ذي القعدة سنة 5هـ ، وأن قدوم وفد الحبشة كان سنة سبع للهجرة ، وكان لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها يومئذ ست عشرة سنة [18] . وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت قيس : ” اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ، فَعَسَى أَنْ تُلْقِي ثِيَابَكِ وَلاَ يَرَاكِ ” [19] .
ولأن النساء كن يمشين في الأسواق ويذهبن إلى المسجد النبوي للصلاة ، طبعاً لابدّ أن يقع نظرهنّ على الرجال ، فلو لم يجز نظرهن إلى الرجال مُنِعن من الحضور في المسجد والمصلّى . وَلأَنَّهُ أُمِرَتِ النِّسَاءُ بِالْحِجَابِ عَنِ الرِّجَالِ وَلَمْ يُؤْمَرِ الرِّجَالُ بِالْحِجَابِ [20] . قال الحافظ العيني : وَيُؤَيّد قَول من قَالَ بِالْجَوَازِ اسْتِمْرَارُ الْعَمَلِ عَلَى جَوَازِ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ وَالأَسْوَاقِ وَالأَسْفَارِ مُنْتَقِبَاتٍ لِئَلا يَرَاهُنَّ الرِّجَالُ وَلَمْ يُؤْمَرِ الرِّجَالُ قَطُّ بِالانْتِقَابِ لِئَلا يَرَاهُمُ النِّسَاءُ [21] . وقال الإمام الْغَزَالِيُّ : ” لَسْنَا نَقُولُ إِنَّ وَجْهَ الرَّجُلِ فِي حَقِّهَا عَوْرَةٌ كَوَجْهِ الْمَرْأَةِ فِي حَقِّهِ بَلْ هُوَ كَوَجْهِ الأَمْرَدِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ فَيَحْرُمُ النَّظَرُ عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ فَقَطْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ فَلا ؛ إِذْ لَمْ تَزَلِ الرِّجَالُ عَلَى مَمَرِّ الزَّمَانِ مَكْشُوفِي الْوُجُوهِ وَالنِّسَاءُ يَخْرُجْنَ مُنْتَقِبَاتٍ فَلَوِ اسْتَوَوْا لأُمِرَ الرِّجَالُ بِالتَّنَقُّبِ أَوْ مُنِعْنَ مِنَ الْخُرُوجِ [22] .
فالحاصل أن المرأة تنظر إلى الرجل وإن كان هو لا ينظر إليها ، فذلك جائز بشرط أن لا تكون تلك النظرة عن شهوة وليس هناك خوف فتنة ، فإن كانت شهوةً أو خوف الفتنة فالنظرة محرمة في التلفاز وعبر الإنترنت في اليوتيوب وغيره من وسائل الاتصال الحديثة .
(2) نظرة بشهوة وتمتع وتلذذ ، فهذا محرّم ممنوع شرعاً ؛ لما فيه من المفسدة العريضة والفتنة الكبيرة ، سواءً كان هذا النظر في التلفاز ، أو الفيديو عبر الإنترنت عن طريق الفيسبوك ، أو اليوتيوب ، أو الواتساب أو غيرها من وسائل الاتصال الحديثة المعاصرة ؛ فإذا كانت المرأة تخاف على نفسها قطعاً أو غالب ظنها أنها لونظرت اشتهت وثارت شهوتها فلا يحل لها النظر ؛ لأن النظر عن شهوة نوعٌ من الزنا ، بما روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : ” كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا ، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ ، فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ ، وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاسْتِمَاعُ ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلامُ ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا ، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى ، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ ” [23] .
قال جمهور العلماء ، منهم الحنفية [24] والمالكية والشافعية والحنابلة على الراجح [25] : يجوز للمرأة أن تنظر من الرجل إلى ما ينظر الرجل إليه منه إذا أمنت الشهوة ، يعني : يجوز لها النظر إلى جميع بدن الرجل إلا ما بين السرة والركبة . قال الإمام محمد بن الحسن الشيباني : ” وَقعت فِي قَلبهَا لَهُ شَهْوَة أَو كَانَ على ذَلِك أكبر رأيها فَأحب إِلَى أَن تغض بصرها عَنهُ [26] . قال الإمام النووي : النظر بالشهوة حرام على أحد غير الزوج والسيد حتى يحرم على الإنسان النظر إلى أمه وبنته بالشهوة ” [27] . وقال القرطبي المالكي : ” حرام على الرجل أن ينظر إلى ذات محرمة نظر شهوة يرددها ” [28] .
فالحاصل أن الطالبات البالغات جاز لهن التعلم على الأستاذ الشاب في الفيديو عبر الإنترنت وهو لا ينظر إليهن وهن ينظرن إليه خلال الدراسة بشرط الأمن من الشهوة ، وإن وَقعت فِي قَلب إحداهن لَهُ شَهْوَة أَو إذا خافت على نفسها قطعاً أو غالب ظنها أنها لو نظرت اشتهت وثارت شهوتها فلا يحل لها النظر إليه ؛ لأن النظر عن شهوة نوع من الزنا .
( للبحث صلة )
* عميد كلية البحث والتحقيق بجامعة العلوم غرها – عجرات .
[1] أخرجه البخاري عن زيد بن أسلم رضي الله عنه في النكاح ، باب الخطبة ، برقم 5146 ، ومسلم عن واصل بن حيّان ، في الجمعة ، باب تخفيف الصلاة والخطبة ، برقم : 869 .
[2] يسألونك عن الدين : 3/627 .
[3] التفسير الكبير : 12/23/206 . قال الإمام النووي : ” ليس بعورة على الصحيح ” المجموع شرح المهذب : 7/162 .
[4] “صوتها ليس بعورة على الراجح ” ، الدر المختار ورد المحتار : 2/78 ، راجع أيضاً : البحر الرائق لابن نجيم المصري ، وعليه حاشية منحة الخالق لابن عابدين الشامي : 1/471 .
[5] ” صوت الأجنبية ليس بعورة على الصحيح من المذهب ، وهو الصحيح وظاهر المذهب ” ، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف مع المقنع والشرح الكبير : 2/58 .
[6] الفقه على المذاهب الأربعة : 1/192 .
[7] راجع نفس المصدر والصحيح للبخاري ، أبواب العمرة ، باب كم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم برقم : 1775 – 1776 ، كتاب المغازي ، باب عمرة القضاء ، برقم : 4253 – 4254 ، باب وفد عبد القيس ، برقم : 4370 ، كتاب التفسير ، سورة النصر ، برقم : 4967 ، سورة الطلاق ، برقم : 4909 ، والأدب المفرد للبخاري ، باب الكتاب إلى النساء وجوابهن ، وسير أعلام النبلاء للذهبي : 3/256 ، 258 ، 463 ، 545 ، والإصابة لابن حجر العسقلاني : 4/360 ، 477 ، والاستيعاب بهامش الإصابة : 4/358 ، 472 ، وتذكرة الحفاظ : 1/25 ، وإعلام الموقعين : 1/12 ، 13 – 14 ، 180 ، وزاد المعاد : 2/78 ، وأنساب الأشراف : 1/420 ، وطبقات ابن سعد : 8/66 ، ونساء أهل البيت ، ص : 264 .
[8] أخرجه البخاري في العلم ، بَابُ الحَيَاءِ فِي العِلْمِ ، برقم : 130 ، وابن حبان في صحيحه ، برقم : 1167 .
[9] أخرجه البخاري في العلم ، بَابٌ : هَلْ يُجْعَلُ لِلنِّسَاءِ يَوْمٌ عَلَى حِدَةٍ فِي العِلْمِ ؟ برقم : 101 .
[10] أخرجه البخاري في تفسير القرآن ، بَابُ ( وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ، إلخ ، برقم : 4909 ) .
[11] المجموع شرح المهذب للنووي : 3/76 ، المبسوط للسرخسي : 1/135 .
[12] أخرجه البخاري في الأذان ، بَابُ مَنْ دَخَلَ لِيَؤُمَّ النَّاسَ ، فَجَاءَ الإِمَامُ الأَوَّلُ ، فَتَأَخَّرَ الأَوَّلُ أَوْ لَمْ يَتَأَخَّرْ ، جَازَتْ صَلاَتُهُ ، برقم : 684 .
[13] رد المحتار : 9/518 ، ط : زكريا ديوبند .
[14] بدائع الصنائع : 1/175 .
[15] أخرجه أحمد في مسنده ، برقم : 8773 ، قال المحقق : حديث محتمل للتحسين ، والبزار في مسنده ، برقم : 8255 .
[16] أخرجه الترمذي في الأدب ، بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ خُرُوجِ الْمَرْأَةِ مُتَعَطِّرَةً ، برقم : 2786 ، وقال : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وأبو داود ، في الترجل ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَرْأَةِ تَتَطَيَّبُ لِلْخُرُوجِ ، برقم : 4173 ، وقال الأرنوؤط : إسناده قوي .
[17] أخرجه البخاري في المناقب ، بَابُ قِصَّةِ الحَبَشِ ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا بَنِي أَرْفِدَةَ ، برقم : 3530 .
[18] نيل الأوطار للشوكاني : 6/248 .
[19] أخرجه الترمذي في النكاح ، بَابُ مَا جَاءَ أَنْ لاَ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ ، برقم : 1135 ، وقال : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ .
[20] مرقاة المفاتيح للقاري : 5/2056 ، كتاب النكاح ، باب النظر .
[21] عمدة القاري للعيني : 20/217 ، باب خروج النساء لحوائجهن .
[22] فتح الباري : 9/337 ، باب خروج النساء لحوائجهن .
[23] أخرجه مسلم ، في القدر ، بَابُ قُدِّرَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا وَغَيْرِهِ ، برقم : 21 – ( 2657 ) .
[24] الهداية : 4/444 ، بدائع الصنائع : 5/122 ، تحفة الفقهاء : 3/335 .
[25] المغني : 7/81 ، 75 ، الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي : 3/564 .
[26] كتاب الأصل : 3/62 ، راجع أيضاً : المبسوط للسرخسي : 10/153 ، وراجع أيضاً ، وأحكام القرآن للجصاص : 3/317 .
[27] شرح صحيح مسلم للنووي : 1/154 .
[28] الجامع لأحكام القرآن : 6/12/317 .

