ولكنه بنيان قوم تهدما وفاة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ
مايو 24, 2026محمد فؤاد عبد الباقي المحقق صاحب المعاجم والفهارس
مايو 24, 2026دراسات وأبحاث :
السلطان عبد الحميد الثاني وقضية فلسطين
( الحلقة الرابعة )
بقلم : الأستاذ المفتي عتيق أحمد البستوي *
تعريب : الأخ مبين أحمد الأعظمي الندوي §
هرتزل في بلاط السلطان عبد الحميد الثاني :
بعد أن اتضح لديكم موقف السلطان عبد الحميد الثاني ووجهة نظره ، تعالوا ننظر أن الصهاينة كم حاولوا لإخضاع السلطان لإرادتهم وطموحهم ، فإن هرتزل لقي السلطان مرتين على الأقل ، وراسله بشكل متواصل ، والمقتبس المذكور للسلطان الذي نقلناه من مذكراته ، كتبه السلطان سنة 1895م ، فيثبت بذلك أن هرتزل أجرى اتصالاً بالسلطان قبل انعقاد مؤتمر بال سنة 1897م ، وحاول إقناع السلطان لخطة تأسيس دولة يهودية ، والآن اقرؤوا أحوال لقاءاته مع السلطان :
” ومن الأهمية بمكان القول أن ثيودور هرتزل حرص منذ زمن بعيد على مقابلة السلطان عبد الحميد الثاني إلى أن استطاع الحصول على وعد بلقائه بعد توسط فامبري – صديق هرتزل والسلطان – وفي 18 أيار/ مايو 1901م كان موعد اللقاء مع السلطان ، لكن فامبري حذره قبل الاجتماع من الانجراف في آراء مضادة لما يفكر به السلطان وقال له : – إياك أن تحدثه عن الصهيونية ، إنها فانوس سحري ، القدس مقدسة لهؤلاء الناس مثل مكة – .
وفي اليوم المحدد حرص هرتزل على مرافقة حاخام اليهود في تركيا – موسى ليفي – ، وفي الاجتماع بدأ هرتزل ممالاة السلطان واستعطافه بواسطة مترجم القصر الخاص إبراهيم بك ، وقال له : إني أكرِّس نفسي لخدمته لأنه يحسن إلى اليهود ، واليهود في العالم كله مدينون له بذلك ، وإني بشكل خاص مستعد لتأدية أي خدمة له وخاصةً الخدمات الكبيرة . . . وأشار إلى الخدمات المالية لإصلاح الاقتصاد العثماني المتدهور وتصفية الديون المقدرة بمليون ونصف المليون جنيه ، وعرض توسطه لإيقاف حملات صحف – تركيا الفتاة – في أرووبا . ثم لمح إلى أن الحركة الصهيونية تهدف إلى إيجاد ملجأ لليهود في الأراضي المقدسة ، وكان الحاخام موسى ليفي يؤيد هذا الرأي ، فبادره السلطان غاضباً : أننا نظن بأن بني قومكم يعيشون في الممالك المحروسة الشاهانية بعدالة ورفاه وأمن . . . هل لكم شكاية ما أو هنالك معاملة غير عادلة ولا نعرفها نحن ؟ ويذكر المؤرخ التركي جواد رفعت أتلخان – المعاصر للسلطان عبد الحميد – بأن الحاخام موسى ليفي أجاب السلطان بخوف ، وقال : أستغفر الله سيدنا . . . بفضل ظل شاهانتكم نعيش بكمال الرفاه ، حاشا لا توجد لدينا شكاية ما . إننا نسترحم فقط جعل شعبنا المشتت فوق الأرض صاحب وطنٍ في ظل شاهانتكم ليقوم هناك بفرائض الشكر والدعاء لحياة سيدنا العظيم طول بقاء الدنيا . فرد السلطان منزعجاً : لا يمكن أن نعمل أكثر مما عملناه حتى الآن لجماعتكم حيث إنكم تستفيدون من كافة خيرات بلادنا كمواطنينا الآخرين . . . إن بلادنا التي حصلنا على كل شبر منها ببذل دماء أجدادنا لا يمكن أن نفرط بشبر منها دون أن نبذل أكثر مما بذلناه من دماء في سبيلها . وأضاف السلطان : إني أحب تطبيق العدالة والمساواة على جميع المواطنين ، أما إقامة دولة يهودية في فلسطين التي فتحناها بدماء أجدادنا العظام فلا ” [1] .
رغم رفض صريح من السلطان لم ييأس هرتزل ، وحاول أن يقنع السلطان بواسطة إقناع السلطات العثمانية بقبول الأمر دون مالٍ ، وبعث عدة رسائل إلى القصر ، يقول الشيخ طه الولي في إحدى مقالاتٍ له :
” قال ( الصحفي الإنكليزي الشهير المسيو ) كريسبي( في صحيفة تركية اسمها ” أقشام ” ) : ” كان الدكتور هرتزل في ذلك العهد رئيس تحرير القسم الأدبي في جريدة ” نيو فري ” في فيينا ، فأرادني أن أسعى له في مقابلة السلطان عبد الحميد ، بعد أن بسط لي بحزن شديد كيف أن غليوم ( إمبراطور ألمانيا ) والبرنس دوبيلوف خدعاه لما رافقهما في رحلة الإمبراطور إلى فلسطين . فقد وعده هذا الأخير أن يقدمه إلى السلطان ، فلما وصلوا الآستانة اكتفى البرنس بأن عرفه إلى عزت باشا ( العابد ) الذي ما كاد يسمع بالقضية الصهيونية حتى غرق في بحر من اللذات ، ووجد أنها مزراب من الذهب ( الكلام للصحافي البريطاني كريسبي ) وقد قبلت أن أهتم شخصياً بقضية الدكتور هرتزل وخصوصاً أن هذه المطالب لم تكن تعاكس المساعي التي كنت أقوم بها يومئذ .
وبدأت بكل شجاعةٍ ، عملي ، فاصطدمت في البداية بصعوبات خفية ولو لا مساعدة شيخ الإسلام جمال الدين أفندي – وكنت على صلة دائمة به – لفقدت كل أمل بنجاح مساعي . فإن هذا الشيخ أخذ على نفسه مهمة رفع كتابات الدكتور هرتزل وتقدماته ( أي الاقتراحات والعروض ) ، وكانت هذه التقدمات باهرةً ، وإليك بيانها :
هرتزل يقول : إن الصهيونيين يتعهدون لقاءَ نزول اليهود المضطهدين في أنحاء العالم بفلسطين أن يدفعوا الدين العثماني البالغ ( إذا لم تخني الذاكرة ) 33 مليون ليرة إنكليزية ، ويتعهدون كذلك ببناء أسطول كامل للدفاع عن أراضي الدولة العلية .
وفي هذه الأثناء قبل ( أي هرتزل ) أن يعقد للدولة العثمانية قرضاً بمبلغ مليون فرنك تصرف في سبيل التسليح العام . . . ولكن هذه المساعي حبطت ولم تنجح ” [2] .
وبالإضافة إلى ذلك ، حاول هرتزل عدة مرات أن يلاقي السلطان ويقنعه بإرادته بواسطة الوزراء والسلطات ، ولكن جهوده فشلت كل مرة ، فكل من طلب منه هرتزل المساعدة – سواءً أَنَجح فيه أو لم ينجح – قائمة أسمائهم طويلة ، منهم : الوزير الأمريكي ستراوس ، والمندوب التركي في مؤتمر لاهاي نوري بك ، وعزت بك ، والصدر الأعظم سعيد باشا .
قراصو في حضرة السلطان عبد الحميد :
علاوةً على الدكتور هرتزل ، استفرغ الصهيوني الممتاز قراصو أيضاً مجهوداته المستطاعة لإرضاء السلطان عبد الحميد الثاني برغبات الصهاينة ، وإنه أيضاً لاقى السلطان ، وقدم إليه عرض المساعدة المالية الخطيرة بالنظر إلى الوضع الاقتصادي المزري للدولة العثمانية . وإليكم تفصيلَ هذا اللقاء :
” أتى إلى السلطان عبد الحميد اليهودي الماسوني الثري الكبير عمانوئيل قرة صو الذي كان يتمتع بالجنسيتين العثمانية والإيطالية ، وطلب مقابلة السلطان بواسطة أحد رجال القصر المدعو كمال بك ، وجرت المقابلة بحضور أحد مرافقي السلطان الحاج عارف بك . فقال قرة صو : ” إنني قادم مندوباً عن الجمعية الماسونية لرجاء جلالتكم بأن تقبلوا خمسة ملايين ليرة ذهبية هدية لخزينتكم الخاصة ومائة مليون كقرض لخزينة الدولة بلا فائدة لمدة مائة سنة على أن تسمحوا لنا ببعض الامتيازات في فلسطين ” . فما أن أتم قرة صو كلامه حتى اربدَّ وجه السلطان ونظر إلى مرافقه بغضب ، وقال : ” هل كنت تعلم ماذا يريد هذا الخنزير ؟ ” فارتمى المرافق على قدمي السلطان مقسماً بعدم علمه . ثم التفت السلطان إلى قرة صو وصاح في وجهه : ” اخرج من وجهي يا سافل ” ، فخرج من عنده رأساً إلى الباخرة قاصداً إلى إيطاليا . ومن هناك أرسل السلطان البرقية التالية التي لا تزال صورها الزنكوغرافية محفوظةً في كثير من كتب التاريخ العثمانية والتركية :
” أنت رفضت عرضنا ، وسيكلفك هذا الرفض أنت شخصياً وسيكلف مملكتك كثيراً ” [3] .
” وقد تألف وفدٌ آخر من اليهود من ثلاثة أشخاص ، وهم : (1) مزارحي قراصو ، (2) جاك ، (3) ليون ، وقد جاء هؤلاء يريدون مقابلة السلطان عبد الحميد ، ولكنه رفض استقبالهم ، وأمر بأن يقابلوا أحد الموظفين بقصره ، وهو تحسين باشا . فذكر هؤلاء اليهود مرادهم من المقابلة ، بأن تسمح الدولة العلية بدخول اليهود إلى فلسطين بقصد الزيارة للأماكن المقدسة ، وبإنشاء مستعمرة قرب القدس . ولقد تعهدوا في مقابل ذلك للسلطنة بالأمور الآتية :
(1) بوفاء جميع الديون المستحقة على الدولة العثمانية .
(2) بناء أسطول لحماية الامبراطورية العثمانية .
(3) تقديم قرض بخمسة وثلاثين مليون ليرة ذهبية دون فائدة لإنعاش مالية الدولة وإنماء مواردها .
ولما نقل رجل الحاشية إلى جلالة السلطان ، ما سمعه من اليهود ، حتى أجابه السلطات بالعبارات الآتية :
تحسين ! قل لهؤلاء اليهود الوقحين ما يلي :
(1) إن ديون الدولة ليست عاراً عليها ، لأن غيرها من الدول مثل فرنسا ، هي الأخرى مدينة ، وذلك لا يضيرها .
(2) إن بيت المقدس الشريف ، قد افتتحه المسلمون أول مرة بخلافة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه . ولست مستعداً لأن أتحمل في التاريخ وصمة بيع الأراضي المقدسة لليهود وخيانة الأمانة التي كلفني المسلمون بحمايتها .
(3) ليحفظ اليهود بأموالهم . فالدولة العلية لا يمكن أن تحتمي وراء حصون بنيت بأموال أعداء الإسلام .
وأخيراً أمرهم أن يخرج هؤلاء من عندي ، وأن لا يحاولوا بعدها مقابلتي أو الدخول إلى هذا المكان ” [4] .
شهادات أخرى :
وأي شهادةٍ على النظرة الإيمانية للسلطان عبد الحميد وموقفه النضالي تجاه قضية فلسطين ، ستُعدُّ أهمَّ وأكبرَ في جنب أن هرتزل نفسه ” أشار في مذكراته . . . إلى أن السلطان عبد الحميد الثاني – رحمه الله – رفض مقابلته ، وأرسل إلى هرتزل من يقول له :
بلِّغوا الدكتور هرتزل أن لا يبذل بعد اليوم شيئاً من المحاولة في هذا الأمر ( أي توطين اليهود في فلسطين ) ، فإني لست مستعداً لأن أتخلى عن شبرٍ واحدٍ من هذه البلاد لتذهب إلى الغير ، فالبلاد ليست ملكي ، بل هي ملك شعبي ، روي ترابها بدمائه ، فليحتفظ اليهود بملايينهم من الذهب [5] . . . . إذا مزقت امبراطوريتي فعَلَّهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن ، وإني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة ” [6] .
ويحكي هذه القصة الكاتب الصهيوني المتطرف إسرائيل كوهين بأسلوبه كما يلي :
” وبعد أن بذلت مساع ووساطات ، حظي هرتزل بالمثول بين يدي السلطان عبد الحميد ، وكان يعلم أن الباب العالي يعاني ضائقةً ماليةً ، فضرب على هذا الوتر الحساس ، واقترح على السلطان أن يدفع اليهود أتاوةً سنويةً معينةً ، وأن يسعى لدى بنك الاستعمار اليهودي ليقدم قرضاً للباب العالي ، وتوالت الزيارات والمقترحات ، ولكن جهود هرتزل ذهبت أدراج الرياح حينما اقتصر السلطان على الوعد بمنح اليهود حرية الإقامة واستعمار الأراضي في الأناضول والعراق وسوريا ، دون فلسطين ” [7] .
( للحديث صلة )
* أستاذ الحديث والفقه بدار العلوم لندوة العلماء ، ومدير مجمع البحوث والدراسات لندوة العلماء .
[1] المجتمع ، الثلاثاء ، 1/ صفر 1398هـ – 10/ يناير 1978م ، العدد : 381 ، السنة الثامنة ، ص 18 .
[2] المجتمع ، الثلاثاء ، 4/ شعبان 1397هـ – 19/ يوليو 1977م ، العدد : 359 ، السنة الثامنة ، ص 18 .
[3] محمد وحيد : القول المفيد في حكم السلطان عبد الحميد ، ص 186 – 187 . نقلاً عن أوقفوا هذا السرطان حقيقة الماسونية وأهدافها ، ص 19 .
[4] محمد نمر الخطيب ، حقيقة اليهود والمطامع الصهيونية ، منشورات دار مكتبة الحياة ، ص 43 – 44 .
[5] المجتمع ، الثلاثاء ، 4/ شعبان 1397هـ – 19/ يوليو 1977م ، العدد : 359 ، السنة الثامنة ، ص 18 .
[6] المجتمع ، الثلاثاء ، 1/ صفر 1398هـ – 10/ يناير 1978م ، العدد : 381 ، السنة الثامنة ، ص 19 .
[7] إسرائيل كوهين : هذه هي الصهيونية ، دار المعارف بمصر ، ص 49 .

