السلطان عبد الحميد الثاني وقضية فلسطين ( الحلقة الرابعة )
مايو 24, 2026العلامة محمد الرابع الحسني الندوي رائد الصحافة العربية والإسلامية في الهند
مايو 24, 2026رجال من التاريخ :
محمد فؤاد عبد الباقي
المحقق صاحب المعاجم والفهارس
بقلم الأستاذ أحمد سليم عوض *
هو أول وأبرز مسلم ، وضع الفهارس الدقيقة لألفاظ القرآن الكريم والأحاديث النبوية .
كتاب المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم . وصفه في مقدمته بأنه أدق عمل بعد كتاب الله سبحانه وتعالى .
قدم للمكتبة الإسلامية كتاب اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان : وهو أصح كتاب في الحديث ؛ لأنه جمع ما اتفق عليه مسلم والبخاري .
قام بترجمة كتاب ” مفتاح كنوز السنة ” وقد طبع في مصر ، وهو معجم مفهرس عام تفصيلي موضوع للكشف عن الأحاديث النبوية الشريفة المدونة في كتب الأئمة الأربعة عشر الشهيرة .
شغلت تراجم الرجال في تراثنا العربي مكاناً ظاهراً استوقف الأنظار ، واستحوذ على الألباب ، وكان الدافع الديني وراء هذه العناية بتراجم الرجال ، فقد اهتم المسلمون – منذ البدء – بحياة النبي صلى الله عليه وسلم ، بصفته أعظم شخصية عرفتها بيئة العرب ، وأثناء جمع أحاديثه الشريفة أدركوا أن كثيراً منها يتعلق بحياته وغزواته ،ثم أيقنوا أن أبا بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما لهما نصيب مؤثر وفعال في منظومة دولة الإسلام الفتية ، بالإضافة إلى آخرين من صحابته ، لم يزل تأثيرهم حياً بيننا ، يملأ الأسماع والأبصار ، الأمر الذي أدى إلى الاتجاه نحو تدوين سير العظماء ، وأعظمهم – بالطبع – رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وتخبرنا أسفار التاريخ أن أول من ألف في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم : عروة بن الزبير بن العوام (23) – 94هـ ) ، وأبان بن عثمان بن عفان (22) – 105هـ ) ،ثم ظهر الاهتمام بسير أعلام الصحابة رضي الله عنهم ، وقد ألجأهم البحث عن الصحيح من الأحاديث إلى نقد هؤلاء الصحابة ، وتعديلهم وتجريحهم ، فتجمعت مجموعات من تراجم الرجال وسيرهم ، حتى أصبح ذلك منهجاً سار عليه المؤلفون فيما بعد ، واتسعت الدائرة لتشمل أعلام الأدب ، واللغة ، والفقه ، وغيرها من العلوم .
واستكمالاً لمسيرة العظماء نقف عند واحد من عظماء عصرنا الحديث ، هو محمد فؤاد عبد الباقي ( 1882 – 1968 ) فإنه هو أول وأبرز مسلم وضع الفهارس الدقيقة لألفاظ القرآن الكريم والأحاديث النبوية ، كما ترجم كتباً لبعض المستشرقين منهم فنسنك وجول لابوم . وقد رجع إليه الدكتور طه حسين عندما كتب كتابه ” علي وبنوه ” ، كما رجع إليه الدكتور هيكل في كتابه عن عمر ، ورجع إليه الأستاذ العقاد فيما يتعلق بصحيح الأحاديث .
وُلد محمد فؤاد عبد الباقي في مارس 1882م بمصر ، في إحدى قرى محافظة القليوبية ، نشأ في القاهرة ، بحي السيدة زينب ، اشتغل مدرساً للغة العرببه وناظراً ، ثم شغل وظيفة مترجم عن الفرنسية بالبنك الزراعي ( وعمره آنذاك 23 عام ، وهي الوظيفة التي بقي فيها ردحاً من الزمن ( 1905 – 1933م ) ، وبعدها تفرغ للإنتاج العلمي ، وعمل محرراً في مجمع اللغة العربية ، وافتتح داراً للنشر الإسلامي ، مكث يديرها طويلاً ، إضافةً إلى عضويته في اللجنة الاستشارية للمجامع العلمية للمستشرقين ، وانقطع إلى التأليف ، ومن مؤلفاته ” المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ” ، وقد كتب في مقدمته وصف هذا العمل بأنه أدق عمل بعد كتاب الله سبحانه وتعالى ، مشيراً إلى أنه اعتمد على كتاب نجوم الفرقان في أطراف القرآن لمؤلفه المستشرق فلوجل الألماني الذي طبع لأول مرة عام 1842م حيث جعله أساساً لمعجمه والذي استغرق وضعه خمس سنوات من العمل الدؤوب ، والطريقة التي اتبعها في إخراج هذا المعجم القرآني هي مشتقات الكلمة ( المادة ) المتمثلة في الابتداء بالفعل المجرد المبني للمعلوم ماضيه فمضارعه فأمره ، ثم المبني للمجهول من الماضي والمضارع ، ثم المزيد بالتضعيف ، فالمزيد بحرف ، ثم باقي المشتقات من المصدر ، واسم الفاعل ، والمفعول ، فباقي الأسماء متبعاً في ترتيب كلمات كل باب من هذه الفروع ، نفس الطريقة التي اتبعها في ترتيب المواد الأصلية ، وهي ترتيبها على حسب أوائلها ، فثوانيها ، فثوالثها ، وبعد انتهائه من الكتاب ( المعجم ) رجع إلى المصحف ، وعرض عليه لفظةً لفظةً ، فوجد أنه لم يسقط من جميع ألفاظ المصحف في المعجم سوى 15 لفظة قيدها في أول الكتاب ليستدركها كل قارئ له ، وقد افتتح معجمه بمادة ( أ ، ب ، ت ) وختمها بمادة ( ى ، و ، م ) ، وطُبع المعجم لأول مرة عام 1364هـ ، بمطبعة دار الكتب المصرية ، القاهرة ، كما قام بترجمة كتاب تفصيل آيات القرآن الحكيم ، للمستشرق الفرنسي جول لابوم ، حيث كان الكتاب مقسماً إلى 18 باباً : التاريخ ،محمد صلى الله عليه وسلم ، التبليغ ، بنو إسرائيل ، التوراة ، النصارى ، مابعد الطبيعة ، التوحيد ، القرآن ، الدين ، العقائد ، العبادات ، الشريعة ، النظام الاجتماعي ، العلوم والفنون ، التجارة ، علم تهذيب الأخلاق ، والنجاح . وتحت كل باب منها فروع ، تبلغ عدتها ثلاث مائة وخمسين فرعاً ، وتحت كل فرع جميع ما ورد فيه من آيات القرآن الكريم ، مما لم يسبق جمعه وتنسيقه في كتاب قبل هذا الكتاب ، يقول الأستاذ الكبير ( محمد فريد وجدي ) عن هذا الكتاب : ” وجاء هذا العمل من خير الأعمال وأجداها على الكتاب والمؤلفين والباحثين ؛ فإن الذي يحاول أن يكتب عن الزكاة ، أو الأديان ، أو بعض الأنبياء ، أو مبدأ المساواة ، أو النظر إلى مخلوقات الله … إلخ ، مما يجب على الكاتب أن يقتبس فيه من الكتاب الكريم ، يعجز عن استيعاب الآيات الواردة في هذه الموضوعات ، فأصبح بهذا الكتاب الجديد يستطيع أن يلم في مجال واحد بكل ما يود أن يقرأه عنه من الآيات ، لا بالهداية إلى أرقامها من المصحف فحسب ، ولكن بإثبات تلك الآيات نفسها في صلب الصفحات ، هذا عمل جدير بالإعجاب ، فإنى كثيراً ما كنت أتطلب تلك الآيات ، فأتعب في استجماعها ، ولا أكاد أوفق لاستيعابها ، أما اليوم فقد زالت هذه العقبة من طريقي بسبب هذا الكتاب .
كما قام بترجمة كتاب ” مفتاح كنوز السنة ” وقد طُبع في مصر ، وهو معجم مفهرس عام تفصيلي موضوع للكشف عن الأحاديث النبوية الشريفة المدونة في كتب الأئمة الأربعة عشر الشهيرة ، وذلك بالدلالة على موضع كل حديث في صحيح البخاري ، وسنن أبي داود والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة ، والدارمي ببيان رقم الباب ، وفي صحيح مسلم ، وموطأ مالك ، ومسندي زيد بن علي وأبي داود الطيالسي ببيان رقم الحديث ، وفي مسند أحمد بن حنبل ، وطبقات ابن سعد ، وسيرة ابن هشام ، ومغازي الواقدي ببيان رقم الصفحة ، وبذلك يستطيع الباحث أن يقف على الحديث الذي يطلبه بغير عناء ، وكان هذا المعجم في الأصل موضوعاً باللغة الإنجليزية ، وضعه المستشرق الهولندي ( أ . ى فنسنك ) ، كما قدم للمكتبة الدينية كتاب اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان : وهو أصح كتاب في الحديث ؛ لأنه جمع ما اتفق عليه مسلم والبخاري ، وقد أراد ( عبد الباقي ) بهذا الكتاب أن يصور لنا الحياة اليومية التي كان يحياها رسول الله صلى الله عليه وسلم من شروق الشمس إلى وقت العتمة ، بل إلى الهزيع الأخير من الليل ، فظهر لنا كمال النفسية المحمدية ، وعظمتها في مثاليتها ، مما يجعلنا نلمس العظمة في ذات الرسول الكريم وأفعاله وأقواله ، حيث سلك في تأليفه منهجاً جامعاً للفوائد ، وتوخى من ترتيبه ترتيب صحيح مسلم ، وأخذ أسماء كتبه وأبوابه مع أرقامها ، وأخذ من صحيح البخاري نفس الحديث الذي وافقه مسلم عليه ، ووضع عليه شرحاً لطيفاً يحل ألفاظ الحديث ، ويبين مافيه من فوائد بعبارة سهلة خالية من التعقيد . إنه كتاب يعفيك من البحث في بطون الكتب المطولة ، ومراجعة الشروح الواسعة الكبيرة ، ويقع في ثلاثة أجزاء من القطع الكبير ، وعدد صفحاته ( 1081 ) صفحة .
ومن كتبه أيضاً معجم غريب القرآن مستخرجاً من صحيح البخاري : وعنوانه واضح في الدلالة على موضوعه ، وهو شرح الألفاظ الغريبة التي أوردها البخاري في صحيحه ، والبخارى بدوره كان قد أخذ هذه الألفاظ من كتاب مجاز القرآن لأبي عبيدة ، وكتاب قرة العينين في أطراف الصحيحين : وهو في خمسة أجزاء من القطع الكبير ، وفيه اضطلع بتجميع ولم شتات مواضع أحاديث البخاري ، فقد كان البخاري يورد الحديث الواحد في مواضع عدة حسب المعاني الواردة به . – كتاب دستور المسلمات المؤمنات : ما لهن وما عليهن من كتاب الله والحكمة . جامع مسانيد صحيح البخاري : وفيه يورد النصوص المتعددة للحديث الواحد ، حسب مواضعها في صحيح البخاري ، كما يجمع أحاديث كل صحابي على حدة ، مرتباً أسماء الصحابة حسب الحروف الهجائية ، وذلك بعد أن قسمهم إلى قسمين : الصحابة الرجال ، والصحابيات . وعدتهم جميعاً ( 196 ) صحابياً . جامع الصحيحين : ” المعجم المفهرس للحديث النبوي ” يقوم على رد ألفاظ الأحاديث في أشهر وأصح كتب الحديث .
كما نشر الكتب التالية نشراً علمياً محققاً : الموطأ للإمام مالك في جزئين ، سنن ابن ماجه في جزئين ، صحيح مسلم في خمسة أجزاء ، شواهد التوضيح والتصريح لمشكلات الجامع الصحيح . الأدب المفرد لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري : حقق نصوصه ، ورقم أبوابه وأحاديثه ، وعدد أبوابه ( 644 ) باباً ، وعدد أحاديثه ( 1322 ) حديثاً ، محاسن التأويل للقاسمي : صححه وحققه في سبعة عشر جزءاً ، ترجمة حياة الإمام علي بن أبي طالب ، كرم الله وجهه : طفولته – شبابه – رجولته – المعارك والغزوات التي اشترك فيها والتي قادها . ” . وتخريج الأحاديث والشواهد الشعرية في ” تفسير القاسمي ” . وله من الكتب المخطوطة التي لم تنشر ، وهي كتاب ” أطراف الصحيحين ” . . وهو من ألف صفحةٍ من القطع الكبير ، وفيه اضطلع بتجميع أحاديث البخاري . ” جامع الصحيحين ” . ” أطراف الصحيحين ” . ” جامع مسانيد صحيح البخاري ” . ” المسلمات المؤمنات : ما لهن وما عليهن من كتاب الله والحكمة ” أشرف على تصحيح : ” محاسن التأويل ” سبعة عشر جزءاً لجمال الدين القاسمي . ” شواهد التوضيح والتصريح لمشكلات الجامع الصحيح ” لابن مالك . ” تصحيح وترقيم الجزء الثالث من جامع الترمذي ، للإمام جلال الدين السيوطي وشواهد التوضيح والتصحيح ، في حل مشكلات الصحيح ، لابن مالك . أما تحقيقاته المشتركة مع الآخرين فهي فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، وسنن الإمام الترمذي ” تيسير المنفعة بكتابي مفتاح كنوز السنة ” .
تُوفي محمد فؤاد عبد الباقي في القاهرة في 22 فبراير سنة 1968م ، وتم تخليده في موسوعة أعلام الفكر الإسلامي حيث كتب عنه د . موسى شاهين دراسة عنه ، كما كتبت عنه الدكتورة نعمات أحمد فؤاد ، كتبت مقالاً عنه بعد وفاته في مجلة العربي الكويتية ، 1968م ، وكذلك كتب عنه الدكتور أحمد الشرباصي في مجلة الأديب اللبنانية ، 1968م .
* أستاذ جامعي وكاتب .

